رؤى

الاستهداف الإسرائيلي للقيادات المسيحية في فلسطين

أثار التصريح الأخير للمطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية الروم الأرثوذوكس في القدس، والذي اتهم فيه دولة الاحتلال صراحة باستهدافه باستخدام السم، تساؤلات حول عودة الاحتلال الإسرائيلي لاستهداف القيادات الكنسية المقاومة.

فمنذ بداياته على أرض فلسطين مطلع القرن العشرين، لاقى المشروع الصهيوني مقاومة مشتركة من أهل البلاد: مسلميها ومسيحييها على حد سواء. وقد برزت قيادات كنسية من مختلف الطوائف المسيحيية على أرض فلسطين تقارع كلا من الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني بذات القوة، وهو الأمر الذي وضع تلك القيادات في دائرة الاستهداف، سواء بالاعتقال تارة، أو بالاغتيال تارة أخرى.

مطران العرب

لعل من أبرز القيادات الكنسية التي أدركت مدى خطورة المشروع الصهيوني ونبهت إليه حتى قبل قيام دولته، هو المطران غريغوروس حجّار مطران كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك. فهذا المطران المولود في لبنان عام 1875، عُرف منذ مقدمه إلى عكا في أوائل القرن العشرين وتوليه مهامه في الكنيسة الكاثوليكية هناك، بالدفاع عن الفلاحين البسطاء وسعيه لتخفيف الضرائب عن كاهلهم، إضافة إلى توفير جزء من أراضي الكنيسة ليفلحها المعدمون منهم.

وحين تعرّض هولاء الفلاحون لانتزاع أراضيهم من قبل سلطات الانتداب البريطاني الساعية لمنحها للصهاينة الوافدين من أوروبا، كان المطران حجّار بمثابة صوت هولاء البسطاء وفلسطين بشكل عام في المحافل الدينية الوطنية والدولية على حد سواء، منبهاً إلى خطر الحركة الصهيونية على العالم العربي، وموصياً العرب بشكل عام وبني وطنه من اللبنانيين بشكل خاص برفض التعامل مع الصهاينة، ذاك التعامل الذي إعتبره إثماً.

وقد أكسبه لسانه الطليق وبلاغته في الخطابة اعجاب الساسة العرب، وعلى رأسهم الزعيم الوطني المصري سعد زغلول الذي وصفه بأنه «أبلغ خطيب عربي»، كما منحه أهل فلسطين لقب «مطران العرب»، ذاك اللقب الذي كان يفتخر به قائلاً: إنها وظيفة «تعلي من شأني ومن قدري وتشجعني في كفاحي ونشاطي في سبيل فلسطين وإنقاذها من الخطر الصهيوني».

وفي عام 1936، وفي أوج الثورة الفلسطينية ضد الانجليز والصهاينة، والتي كان المطران أحد المشاركين فيها، انتدبت بريطانيا لجنة عُرفت باسم لجنة بيل –نسبة إلى رئيسها- للتحقيق في أسباب الثورة. وحين دعت اللجنة المطران للاستماع إلى شهادته ظنا منها أنها ستستمع إلى صوت مسيحي مغاير لشهادات القيادات الاسلامية، فوجيء المحققون الإنجليز بموقف أكثر راديكالية من جانب المطران. فقد استهل المطران شهادته أمام اللجنة معرّفاً بنفسه كممثل وطني، لا كرجل دين وقال: «أتيت لأتكلم لا باسمي الشخصي فقط، كرئيس ديني مستقل، وإنما لأنقل إليكم صدى ما سمعته وأسمعه من شعبنا العربي الفلسطيني في المدن والقرى، وأنا مختلط به اختلاطاً تاماً منذ 36 سنة كأسقف عربي، أحسُّ مع الشعب، فأتألم لألمه وأفرح لفرحه، وهو يفضي إليّ بذات صدره في كل فرحة، العرب هنا في هذه البلاد من آلاف السنين قبل اليهود، ولم يقوَ اليهود على طردهم، وبقيت البلاد باسمهم الى الآن».

الحجار مع رجال دين في حيفا عام 1935

كان من الطبيعي نتيجة لهذا الموقف وما سبقه أن يكون المطران على رأس المستهدفين من قبل العصابات الصهيونية، ويرى البعض أن وفاته الغامضة في عام 1940 تقف وراءها أيدي صهيونية.فقد  توفي المطران في حادث سيارة في أكتوبر من عام 1940 في طريق «وادي المجال» على درب العزيزية في حيفا، وقد زاد توقيت وفاته من شكوك القائلين باغتياله ،حيث نجح في الشهر ذاته في اقناع المندوب السامي البريطاني في فلسطين بالافراج عن عدد من المعتقلين من قيادات الثورة الفلسطينية، ثم قصد، بعد أن نجح مسعاه، الحرم القدسي الشريف، ونقل أخبار العفو عن هؤلاء المحكومين إلى ذويهم وإلى الموجودين في الحرم، فهتف هؤلاء له، وحيوا مطران العرب ،غير مدركين أنه سيفارقهم بعد أيام فقط.

جنازة المطران بشارة غريغوريوس حجّار 1940

كابوتشي العروبي

الاستهداف ذاته تعرض له رمز أخر من رموز كنيسة الروم الكاثوليك ألا وهو المطران هيلاريون كابوتشي لمواقفه الداعمة للمقاومة الفلسطينية. فكابوتشي المولود في مدينة حلب السورية عام 1922، تولى منصب مطران كنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965، وهو العام ذاته الذي شهد انطلاقة ما عُرف بعمليات الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.

أدرك كابوتشي بحسه القومي والعروبي ما يعانيه أبناء فلسطين، مسلمين ومسيحيين، على يد الاحتلال، فأبى إلا أن يكون جزءاً من المقاومة ضده، خاصة بعد احتلال القدس عام 1967. ودقد دفع المطران المقاوم ضريبة موقفه هذا عام 1974، حين اعتقلته قوات الاحتلال ووجهت له تهمة محاولة تهريب أسلحة للمقاومة الفلسطينية، وأصدرت محكمة صهيونية حكماً عليه بالسجن لمدة 12 عاماً.

قضى كابوتشي 4 أعوام من تلك المدة المحكوم عليه بها في سجون الاحتلال وتعرض خلالها لكافة أنواع المضايقات من قبل سجانيه، إلا أن الوساطات المتكررة والضغوط المتواصلة من قبل الفاتيكان نجحت في اقناع الاحتلال بالافراج عنه.

ولكن إدراكاً من دولة الاحتلال لخطورة وجود المطران المقاوم في القدس المحتلة، قامت بابعاده عن المدينة في نوفمبر من عام 1978، ليخرج المطران كابوتشي إلى المنفى في روما.

إلا أن سنوات النفي لم تفت في عضده ولم تغير من مواقفه، فبقي على موقفه الداعم للحق الفلسطيني في العودة وفي مقاومة الاحتلال، وتجلى ذلك في تأييده للانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، وللمقاومة اللبنانية، ومحاولاته المتكررة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة من خلال مشاركته في أسطول الحرية الذي انطلق من لبنان عام 2009، وسفينة مرمرة التي استهدفتها البحرية الصهيونية عام 2010.

وظل الاحتلال يسعى لمعاقبة كابوتشي على مواقفه هذه باستمرار ابعاده عن القدس ورفض دخوله إليها كزائر حتى وفاته في منفاه عام 2017.

مسيحي من الشرق

ولأن الاحتلال لا يفرق بين طائفة وأخرى، فكان من الطبيعي ألا يختلف موقفه المطران عطا الله حنا وكنيسة سبسطية للروم الارثوكس في القدس عن موقف كلا المطرانين حجّار وكابوتشي.فمنذ عودته إلى القدس مطلع التسعينات بعد حصوله على  ماجستير اللاهوت من جامعة تسالونيكي عام 1991 عٌرف المطران حنا بمواقفه الرافضة للعدوان الصهيوني على المقدسات الدينية في مدينة القدس: الاسلامية منها والمسيحية على حد سواء.

وفي أوائل 2010 نادى المطران عطا الله حنا بوثيقة تهدف إلى مخاطبة الغرب، خصوصاً الكنائس الغربية من أجل الدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية. ومع استهداف الاحتلال للمسجد الأقصى عام 2013 وإباحة المسجد للمستوطنين في حراسة جيش الاحتلال، كان المطران حنا على رأس وفد مسيحي في قلب المسجد الأقصى، وهتف في خطابه الذي ألقاه حينها ضد الاحتلال وضد مخططاته بحق المقدسات الإسلامية، وهتف باسم فلسطين وشعبها وطلب من العالم أن يوقف هذا المخطط.

وعُرف المطران في أوساط أبناء القدس بحرصه الشديد في كافة حواراته الاعلامية ولقاءاته الصحفية على التأكيد على عروبته وعروبة الكنيسة التي يمثلها ،واصفاً نفسه دائما بأنه «عربي فلسطيني وأفتخر بأني مسيحي من الشرق»، وأنه لا يجد أي غضاضة، كما ذكر في حوار صحفي، في أن يردد هتاف «الله أكبر» في وجه الاحتلال.

وقبل تعرضه للتسمم بأيام فقط، وفي إطار مقارعته المستمرة للاحتلال، قال المطران حنا في بيان له بمناسبة أعياد الميلاد الحالية، إن هذه الأعياد وهي حسب التقويم الغربي يوم 25/12 وحسب التقويم الشرقي يوم 7 يناير، انما ستتم كما يليق بها في مدينة بيت لحم، وهي أرض الميلاد والمحبة والاخوة والسلام، وذلك رداً على سياسة الاحتلال التي تتعمد منع مسيحيي الضفة وغزة من الوصول إلى بيت لحم.

وأضاف المطران حنا في بيانه «شعبنا الفلسطيني يعشق الحياة وهو متمسك بالأمل والرجاء، فالفلسطينيون جميعهم وفي الأوقات العصيبة التي تمر بهم وفي أعيادهم ومناسباتهم هم متمسكون بالأمل والرجاء ولم يستسلموا أمام المحتل وممارساته وقمعه وظلمه».

بعد هذا البيان بأيام فقط تدهورت صحة المطران بعد قيام شركة مختصة برش مبيدات في أرشيف ملاصق لمنزله، وما أن تحسنت حالة المطران الذي تلقى العلاج في إحدى مستشفيات الأردن، حتى وجه أصابع الاتهام إلى سلطات الاحتلال مؤكداً أنها الجهة التي سعت لاغتياله بالسم.

ويثبت هذا الاستهداف الصهيوني المتواصل للقيادات الكنسية الرافضة للاحتلال والداعمة للمقاومة، أن الصراع القائم على أرض فلسطين ليس صراعاً دينيا محضاً كما يسعى البعض لأن يصوره، بل صراع أمة بكل أطيافها وطوائفها ضد محتل أجنبي غاصب. كما يثبت أيضاً أن الدولة التي تملك رابع أقوى جيش في العالم تخشى وترتعد من رجال دين لا يملكون من سلاح سوى الكلمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: