مختارات

ملفَّات إفريقية في العام 2020: مسارات وسيناريوهات

تدخل إفريقيا العام 2020م، الذي سيصادف مرور ستين عامًا على عام «استقلال إفريقيا»؛ بوصفه شاهدًا على استقلال نحو 20 دولة إفريقية، برؤى وملفات متشابكة على الصُّعُد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتفاؤل تقليدي بدفع العمل الجماعي الإفريقي إلى الأمام مع انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي تحت شعار «إسكات البنادق» في أديس أبابا، وارتفاع مؤشرات الأداء الاقتصادي للقارة ودولها، واحتفاء عالمي بالثقافة الإفريقية لا سيما احتفاء فرنسا بالعام 2020م كعام للثقافات الإفريقية، فيما تتصاعد نُذُر ارتفاع وتيرة الموجة الإرهابية في القارة بعد عمليات بالغة الخطورة عملياتيًّا، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي خلَّفتها في الأسابيع الأخيرة من العام 2019م في النيجر وبوركينا فاسو والصومال، وعزم فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تدخل عسكري وأمني أكثر قوة في القارة عبر ترتيبات أمنية جديدة، واحتمالات تصعيد ملفات إقليمية حسَّاسة للغاية -مثل ليبيا- التي تُعَدّ تحديًا لقدرة الاتحاد الإفريقي على معالجة قضايا دول القارة، وكذا لجدية الانتقال بالعمل الجماعي الإفريقي من مرحلة «العلاقات العامة»، وتنسيق العمل مع الشركاء الدوليين إلى العمل المؤسساتي الذي يخدم شعوب ومصالح القارة بشكل ملموس.

ستون عامًا بعد «عام الاستقلال»: لا جديد!

رغم احتفاء إفريقيا في العام 2020م بمرور ستين عامًا على «عام استقلال إفريقيا»؛ فإن القارة لا تزال تواجه أسئلة استقلال الدولة الوطنية، والفكاك من التبعية وإرهاصات «الاستعمار الجديد» وسط تدخل دولي متزايد من خارج القارة في إدارة شؤونها الاقتصادية، سواءً عبر مشروطيات استثمارية «تمسّ سيادة دول القارة»، كما في سياسات الموانئ التي تنتهجها الصين في العديد من دول القارة، أو في شراكات أمنية وعسكرية متعدِّدة الأطراف تنزع إلى مزيد من مأسسة عملياتها داخل القارة الإفريقية، كما يتَّضح من تحركات فرنسا الأخيرة، وقبيل قمة «باو» المرتقبة في النيجر منتصف يناير 2020م، تجاه دول الساحل، ومطالبها بترتيبات أمنية وعسكرية واضحة ومؤسسية تُمَكِّن باريس من مزيد من النفوذ في مواجهة الجماعات الإرهابية في الإقليم، وفرض سياسات ثقافية لتحجيم الأفكار الإرهابية.

إفريقيا وقضية الإرهاب

يتوقع أن يشهد العام 2020م تصاعد حدَّة الموجات الإرهابية في إقليمي الساحل والقرن الإفريقي، وأن تمتدَّ هذه الموجات إلى دول أخرى؛ مثل إثيوبيا التي تتصاعد فيها نُذُر أزمات «دينية» بعد حوادث حرق مساجد متفرقة في البلاد، وخروج مظاهرات حاشدة من مسلمي إثيوبيا؛ تنديدًا بها؛ ممَّا يوفّر على المدى البعيد ظروفًا مهيئة لانتشار موجات إرهابية في الدولة بالغة الهشاشة سياسيًّا والتي تمرّ بمرحلة انتقالية حرجة قبيل الانتخابات العامة في مايو 2020م.

كما يتوقع تزايد التصعيد الفرنسي والإقليمي في الشِّقّ العسكري والأمني خلال العام المقبل 2020م، بينما ستأتي مسائل معالجة الأسباب الجذرية لنمو الإرهاب أو على الأقل تهيئة البيئات الخصبة لانتشاره في مراحل لاحقة حسب أولويات حكومات دول الساحل التي تربط سياساتها بباريس بشكل واضح، وبتفاوتات يسيرة للغاية، ممَّا يدفع إلى توقّع حتميّ، وهو توجُّه هذه الحكومات إلى تبنّي مقاربة باريس وتبني اتفاقات وترتيبات أمنية وعسكرية جديدة مع باريس تعزّز قدرة الأولى شبه المطلقة في المنطقة، وتجاهل ما أكَّد عليه إيمانويل دوبو E. Dupuy رئيس مركز IPSE بباريس وأحد أبرز الخبراء في منطقة الساحل؛ الذي صرَّح بـ «أنَّ الفساد مجرد أحد صُور الحكم الفاسد الذي يُغذّي نشاط المسلحين الإرهابيين، وأن بعض دول الإقليم لا تُولِي اهتمامًا لمناطق الأطراف بها، وهي المناطق التي ينشط فيها الإرهابيون، ويجدون بها تربة خِصْبة، وهي مناطق لا يمكن للدولة أن تقوم بها بمهامها الرئيسة من حيث تقديم الخدمات العامة، وتطبيق العدالة، وحتى إدارة المنطقة؛ ممَّا يعطي الفرصة أمام الإرهابيين للحلول محلّ الدولة، في مواجهات ستتصاعد حتمًا في العام المقبل، وسيتم طرح المسألة برمتها أمام قمة «باو» في منتصف يناير 2020م».

الانتخابات الرئاسية والعامة

كما تشهد إفريقيا في العام 2020م سلسلة من الانتخابات الوطنية على المستويين التشريعي والرئاسي في كلٍّ من: غانا، بوروندي، كوت ديفوار، تنزانيا، وإثيوبيا، وكان يفترض أن يشهد السودان انتخابات رئاسية قبل عزل الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019م.

وستشهد غانا الانتخابات العامة في ديسمبر 2020م، ومن المتوقع أن يخوضها زعيم المعارضة جون ماهاما في مواجهة الرئيس الحالي نانا أكوفو-أدو، وهي المواجهة الثالثة بينهما على التوالي في الانتخابات الرئاسية.

 ويُعوّل أكوفو-أدو في الانتخابات المقبلة على أداء اقتصادي قويّ لإدارته منذ العام 2016 م، وتحسّن أسعار السلع الأساسية عالميًّا مثل الكاكاو والزيت والذهب، وتحقيق غانا نموّ اقتصاديّ قدره 6% سنويًّا (2016-2019م).

وتخوض تنزانيا الانتخابات الرئاسية رغم تصريحات رئيس الوزراء متيرا ليفينجستون أمام أعضاء الحزب الحاكم بأنه ليس هناك داعٍ لعقد انتخابات رئاسية مُكلِّفة في العام 2020م؛ «لأنه لا يوجد مَن يمكنهم هزيمة الرئيس جون ماجوفولي».

وسيواجه الأخير فيها مرشّح المعارضة إدوارد لواسا E. Lowassa الذي نال في الانتخابات السابقة 40% من أصوات الناخبين التنزانيين. وهناك فرص لفوز لواسا في ضوء تراجع شعبية الرئيس ماجوفولي من 71% عند انتخابه في العام 2015م إلى 55% في العام 2018م على خلفية أداء سياسي متراجع.

 ويتوقع أن يتكرر «النموذج الإفريقي» الانتخابي في انتخابات كوت ديفوار الرئاسية المقبلة؛ حيث سبق أن أعلن الرئيس الحالي الحسن وتارا عزمه على عدم خوض السباق الرئاسي مرة أخرى، لكنه عاد في الشهور الأخيرة، وأكد أنه سيعيد النظر في القرار إذا ترشح أحد الرؤساء السابقين، وذلك عقب تقارب «مقلق» بين شريك وتارا الرئيس في التحالف الحاكم هنري كونان بيدي والرئيس السابق لوران جباجبو بعد براءة الأخير من اتهامات ارتكابه جرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي.      

تنافس الأدوار الإقليمية: إثيوبيا نموذجًا

رغم الاضطرابات والمشاكل المحيطة بنظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد؛ فإن إثيوبيا ستواصل مساعي فرض دورها الإقليمي في ملفات عدة؛ لها تأثير مباشر على «إقليم حوض البحر الأحمر» وخليج عدن، من بينها جهود احتواء إريتريا وجيبوتي. وفي هذا السياق تأتي تطورات العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع جيبوتي –والمتوقع تفعيل الكثير من بنودها في العام 2020م- لتدلل على نجاح إثيوبيا في ربط مصالحها بمصالح أهم الفاعلين الدوليين والإقليميين في الإقليم ككل.

ويتَّضح ذلك في ترتيبات ربط البنية الأساسية الجيبوتية (مثل خطوط النقل الحديدية ونقل المياه العذبة وتطوير بنية الموانئ) بإثيوبيا عبر شريك إثيوبيا (وإفريقيا) الاقتصادي الأول: الصين، وما تردّد عن دعم فرنسي (القوة الاستعمارية السابقة في جيبوتي) لجهود إثيوبيا إقامة مقرّ لقواتها البحرية في جيبوتي، سواء عبر إمدادات عسكرية أو تقديم التدريب لعناصر القوات البحرية الإثيوبية التي تعهَّد آبي احمد قبل نحو عام بإعادة تكوينها.

ويُضاف ذلك إلى نجاح إثيوبيا في إدارة الخلافات البينية الإقليمية (بين جيبوتي وإريتريا، ومقاربة جيبوتي لأمن البحر الأحمر عبر الانضواء تحت قوة مهام إيجاد، ومساعي فرض أجندة إثيوبية موازنة للأجندة «العربية» في البحر الأحمر)؛ لصالح تصوراتها، على نقيض ما صرَّح به آبي أحمد لدى قبوله جائزة نوبل للسلام؛ بأن المتشددين والقوى العالمية (؟!) هما أبرز تهديد للقرن الإفريقي، تلاه تصريحات من رئيسة وزراء النرويج خلال وجود آبي أحمد بالعاصمة النرويجية أوسلو استعداد بلادها لإعادة بناء البحرية الإثيوبية (عبر تعزيز جهود أديس أبابا لإقامة قاعدة بحرية في جيبوتي). 

تحسن الأداء الاقتصادي: غانا وكينيا فَرَسا رهان 2020م

تتوقع أغلب المؤسسات الاقتصادية تسارُع نُمُوّ الاقتصاد الإفريقي في العام 2020م، وتتوقع أكثر التقديرات تشاؤمًا تباطؤ النمو الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 1.3%، بينما تجمع أغلب التقديرات على وصول النمو إلى 3.5%.

ويُتوقّع أن تشهد أكبر اقتصادات القارة نموًّا “ناعمًا”؛ بسبب تدنّي الطلب الصيني على صادرات إفريقيا جنوب الصحراء؛ بسبب انخراط ثاني أكبر اقتصاد في العالم في “حرب تجارية” مع الولايات المتحدة.

ويُتوقّع أن ينمو الاقتصاد النيجيري -الذي يُشَكِّل مع نظيره الجنوب إفريقي نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا جنوب الصحراء- بنسبة 2.5% وهو مُعَدّل أبطأ مِمَّا كان متوقعًا في مطلع العام 2019م.

أما جنوب إفريقيا، التي تعاني من مشكلات خطيرة في توفير الطاقة اللازمة للصناعات المختلفة بها منذ نهاية العام 2019م؛ فيُتوقع أن يبلغ النمو 1.2% في العام 2020م في زيادة عن نسبة 0.6% في العام 2019م.

أما كينيا، أكبر اقتصادات شرق إفريقيا، فيُتوقع أن تحقّق رقمًا قياسيًّا، وأن يصل النمو بها إلى 5.8% (مقارنةً بنسبة 5.7% في العام 2019م)، بينما ستتجاوز غانا نسبة 6.2% وتمثلان معًا أفضل أداء اقتصادي في القارة في العام 2020م.   

عام الثقافات الإفريقية في فرنسا

أعلنت فرنسا في نوفمبر 2017م عن تخصيص العام 2020م ليكون عام الثقافات الإفريقية في فرنسا؛ بهدف مساعدة الشعب الفرنسي على معرفة الكثير عن إفريقيا المعاصرة وإبداعها؛ عبر سلسلة من الأحداث في أرجاء البلاد، والتركيز على الشباب الإفريقي والمواهب الصاعدة.

 وستشارك في الاحتفالية الكبرى مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع العام، والقطاع الخاص من 54 دولة إفريقية في فعاليات تمتدّ من مايو إلى أكتوبر 2020م.

وتهدف فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة الأكثر ارتباطًا ثقافيًّا بمستعمراتها السابقة في إفريقيا، من وراء الاحتفالية إلى تعزيز المبادرات الإبداعية المعاصرة في إفريقيا في جميع القطاعات، وبناء شراكات اقتصاديَّة بما فيها ذات البُعد الأوروبي.

ويُتوقع من الدول الإفريقية أن تقوم بحشد الشباب الإفريقي للمشاركة في الفعاليات، وتعزيز مقاربة متعددة التخصصات، مع التركيز على الفنون والتعليم والاقتصاد إلى جانب مجالات جديدة؛ مثل الاقتصاد الرقمي؛ ومشاركة الأفارقة في المهجر؛ واستخدام مقاربة تعاونية لبناء حوار فرنسي إفريقي، وتدشين مشروعات مشتركة بين القارتين الإفريقية والأوروبية.  

ماذا بعد؟

تتنوع ملفات القارة الإفريقية في العام 2020م، وترتفع التوقعات بخصوصها قبل بدئه، غير أنه عام شهد قبل مقدمه تحديات خطيرة وأزمات متصاعدة لم يكن للاتحاد الإفريقي مواقف حاسمة أو محسوسة تجاهها؛ مثل الأزمة الليبية، قبل أسابيع من قمة «إسكات البنادق»، ويظل التفاؤل بخصوص أداء اقتصادي إفريقي إيجابي، وأفضل من العام 2019م نقطة مضيئة في العام المقبل، مع تصدر دولتي غانا وكينيا لهذه المؤشرات، وخروج نيجيريا مجدّدًا من كبوة اقتصادية، وحالة تعافٍ اقتصادي لافتة في دول عدة في غرب إفريقيا وشمالها.

وفيما تحضّر فرنسا لعام الثقافات الإفريقية بها، فإنها تحضّر لعملية «تاكوبا» Takuba (السيف بلغة الطوارق) في إقليم الساحل؛ والتي ستضمن مشاركة قوات خاصة من الجيش الفرنسي وجيوش نحو عشر دول أوروبية (كما هو مؤكَّد حتى اللحظة) في عمليات قتالية متطوِّرة؛ تتضمن تسيير طائرات مسيَّرة بالذخيرة الحية، في وقتٍ صعَّدت فيه الجماعات المسلحة في الساحل في أواخر العام 2019م من عملياتها نوعيًّا وكميًّا مما يُنْذِر بمخاطر مواجهات في مستويات غير مسبوقة على الأرض.

وتظل الأسئلة الإفريقية المُتَكَرِّرَة في انتظار إجابات مغايرة، ربما يتحقّق بعضها في العام 2020م.

الوسوم

محمد عبد الكريم أحمد

معهد الدراسات المستقبلية - بيروت

مقالات ذات صلة

إغلاق