ثقافة

الروائية رشا سمير: الرواية أصل الإبداع

بدأت رشا سمير محبة الكتابة في صباها الباكر وهي فى الخامسة عشر ربيعا، كتبت محاولات أدبية متنوعة، صارت جنبا إلى جنب تفوقها الدراسي والعلمي حيث حصلت على بكالوريوس وماجستير في طب الأسنان، وكتبت مجموعات قصصية قصيرة ذات تفرد وخصوصية ثم دخلت عالم الرواية، لتصبح فيها أكثر تميزا وتفردا.. رشا سمير تأخذنا في هذا الحوار إلى عالمها الأدبي والروائي فنعرفها أكثر.

الروائية رشا سمير

بين الرواية والقصة القصيرة

بدأت حياتك الإبداعية بكتابة القصة، ومن ثم جاءت روايتك الأولى بنات في حكايات.. حدثينا عن المسافة التي قطعتيها لخوض غمار كتابة الرواية، خاصة أن القراء بعدها شهدوا أنك في حالة قطيعة مع كتابة القصة؟

بالفعل بدأت حياتي بكتابة القصة القصيرة، وصدرت لي المجموعة الأولى عام ١٩٩٥ بعنوان (حواديت عرافة) وكانت آنذاك مجموعة صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة أدبية تصدر وقتها لتشجيع الأدباء الشبان تحت عنوان (إشراقات أدبية)، وكانت تلك محاولة لكتابة الخاطرة الأدبية أو اللوحة الأدبية كما يحلو للبعض أن يسميها، وتحويلها من ثم إلى قصص قصيرة تصلح للنشر،

القصة القصيرة مما لا شك فيه صعبة في كتابتها لأنها ذات إشكالية خاصة، يجب أن يكون لها بداية ونهاية وحبكة وعادة ما تُكتب بصوت الراوي العليم، وهي بالقطع أسرع في قراءتها وسهلة الهضم بالنسبة لزمان سريع الإيقاع نلهث خلفه لنلحق بأحلامنا، وجاء انتقالي للرواية كما أراه خطوة ضرورية وواجبة في حياة أي مبدع؛ فالرواية هي أصل الإبداع من وجهة نظري، والقاص الحقيقي يجب أن يكون قادرا على كتابة الرواية الطويلة، وأنا بعد كتابة ست مجموعات قصصية قصيرة، تحولت إلى كتابة الرواية عام ٢٠١١ مع رواية (بنات في حكايات) وتوالت الإصدارات حتى آخر رواياتي (للقلب مرسى أخير) ربما أصبحت عودتي إلى كتابة القصة القصيرة صعبة بعض الشئ لأنني تحققت ذاتيا في كتابة الرواية، التي هي مثل نداهة يوسف إدريس، تدعوك فتهرع إليها، وحين تقع في براثنها لا تستطيع العودة إلى القصة القصيرة من جديد..ولكن هنا يجب أن أخبرك أنني لازلت أكتب القصة القصيرة من خلال جريدة الفجر المصرية التي أكتب فيها بشكل أسبوعي منذ سنوات طويلة.

حواديت المراهقات

جاءت رواية بنات فى حكايات مشغولة بالتفاصيل لحياة أسرة من الطبقة المتوسطة في حالة غربة عن البلاد.. هل كان الغرض من الرواية سرد ما تواجهه أسر المغتربين من قضايا ؟

ليس هذا فحسب، لأن الرواية تتناول مجموعة من المحاور، ولم تقف عند فكرة الاغتراب، هي تدور في عوالم المراهقات، وتتناول مشاكلهن من خلال وجودهن في مدرسة ثانوية، لكل واحدة مشكلتها، بدءا من الطلاق وحتى تأثير السوشيال ميديا والتدين الزائف أو بالأحرى استدراج الشباب إلى التدين المتشدد الزائف..وغيرها من المشكلات الأكثر شيوعا في عالم المراهقات..

الرواية استطاعت أن تسكن قلوب القراء، وأن تمس بيوتهم من خلال مشكلات قريبة لكل منهم، فتلك المشكلات موجودة في كل بيت باختلاف الشكل ودرجة تفاقمها، إذن لم تكن الرواية معنية فقط بمشاكل المغتربين..

كتب عنها الكاتب والروائي جمال الغيطاني نقدا أشاد بها وقال أنها مست كل بيت في مصر، كما أن الدكتور جابر عصفور أشاد بها وصنفها كرواية هامة في تاريخ الرواية الحديثة، وهذا وسام وتقدير كبير.

المشهد والحدث

تغلب على أعمالك الروائية بدءا من بنات في حكايات وصولا إلى جواري العشق الصبغة المشهدية هل هذا مقصود؟

هذا حقيقي، فكرة تغليب المشهد على الحدث، أو إصباغ الصورة على الحدث الإبداعي، فكرة أو دعني أقول صورة متكررة في أعمالي لأنني مؤمنة بمفهوم أن المشهد لو تم وصفه بشكل جيد أو قريب من القارئ يرتبط ارتباطا وثيقا في ذهنه بحدث ما يجعل للرواية معنى خاصا بكل قارئ.وهذا مقصود في أعمالي وأعتقد أنه يسهل تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، دعني أقل لك أنه عندما اتصلت بشركة الإنتاج التي اشترت رواية جواري العشق، كانوا معجبين جدا بها على الرغم من أن تحويلها إلى عمل درامي مخاطرة كبيرة يستلزم إمكانيات ضخمة، إلا أنني أتذكر الجملة التي ردوا بها على استفساري حين سألتهم: «ولماذا جواري العشق من دون أعمالي؟» فكان ردهم على الفور:

«قرأناها وكأننا نرى الأبطال يتحركون أمام أعيننا» «هي مكتوبة لتتحول إلى عمل فني عن جدارة».

هذا يلخص الرد على سؤالك ويجيب عنه.

العلامة الأولى

«جواري العشق» عنوانها يحيلنا مباشرة إلى فترة زمنية بعينها؟ هل المباشرة في العنوان كانت مقصودة؟

جواري العشق هي العلامة الأولى في مشواري الأدبي، فهناك دائما عمل ما هو الذي يُبقي الكاتب في أذهان الناس (بالمثل وليس بالمقارنة طبعا) الثلاثية لنجيب محفوظ، أنا حرة لإحسان عبد القدوس وإني راحلة ليوسف السباعي..
فمهما صدر من أعمال يبقى هذا العمل هو المرتبط بالكاتب في أذهان الناس..هذا بالضبط هو الوضع مع جواري العشق.
كلما قابلت شخصا ما وعرف أنني رشا سمير، يرد: جواري العشق!

فكرة التاريخ والكتابة عنه مترسخة في ذهني وبحثي في فترة المماليك أخذ مني وقتا طويلا، كتابة الرواية استغرقت ثلاثة أعوام..

مضمونها هو مفهوم الجارية في ثلاثة عصور من تاريخ مصر، ومعنى الحرية من خلال ثلاثة أجيال من النساء..وكيف تتحول المرأة إلى جارية في بلاط الرجل الذي أحبته لو تخلت عن أحلامها وكيانها وأصبحت لا تدور إلا في فلكه.
أما عن العنوان، فأنا أعتقد انه يخدم المعنى ومضمون الرواية، والحقيقة أنه كان سببا كبيرا في نجاحها وجذب فئة كبيرة لقراءتها

•كل أعمالك الروائية أبطالها سيدات، و يبدو فيها احتفاء بقضايا المرأة.. هل هذا مقصود؟

الحقيقة أنني مؤمنة بقضايا المرأة وبفكرة طرح مشاكلها وإنجازاتها، ولكن الحقيقة أيضا أن رواياتي ليس كل أبطالها سيدات، هذه فكرة خاطئة أو دعني أقل محاولة لوضعي في إطار محدد غير موجود، لأن رواية (سألقاك هناك) بطلاها رجل وامرأة وتنقسم الرواية بينهما بالتساوي، والحدوتة لا تقف في صف المرأة هذه المرة،

وكذلك آخر رواياتي، «للقلب مرسى أخير»، أبطالها خمس شخصيات، رجلان وثلاث نساء، جاءوا من دول مختلفة وبقصص مختلفة إذن هي بطولة مشتركة بعيدا عن فكرة قضايا المرأة وهمومها.

انا روائية لا أسعى لحبس نفسي في دور واحد أو إطار محدد دون غيره..

•ترى متى يصل الكاتب إلى حالة الطمأنينة التي تجعله يري أن أعماله الإبداعية قد نالت نجاحا ما؟

حالة الطمأنينة في نظري لو أتت سوف تضر بالكاتب ولن تضيف له، لأنني لو تحدثت عن نفسي، سأقول لك أنني والحمد لله حققت نجاحا تلو الآخر ولازال الرعب يسكنني كلما كنت علي وشك إصدار كتاب جديد، لا أنام ليال طويلة وأبقى في حالة خوف حتى تبدأ التعليقات والآراء تأتيني من قرائي عقب صدور الرواية..

قمة النجاح في نظري لا تعني الطمأنينة، بل تعني المزيد من الحرص والقلق للبقاء على القمة..

•كيف ترين ما يحدث في المشهدين الإبداعي والنقدي العربي من تكريس أسماء بعينها في المشهد؟

أرى المشهد الثقافي يعاني هزالاً حاداً، وتنتابه حالة من المجاملات وطغيان الزيف على أشياء كثيرة، فالشللية أصبحت عنوان المرحلة، وهو ما لا يصح في الأدب عموما، حتى العلاقات والمجاملات سيطرت على ظهور أسماء بعينها في المعارض والمؤتمرات والدعوات وأحيانا الجوائز.

صناعة الزيف سببها السوشيال ميديا، وعدد الكتاب فاق عدد القراء، عناوين عديدة وضعيفة جعلت المشهد الثقافي المصري في حالة ترد غير مقبولة.

معرض الكتاب أصبح زفة لأعمال ضعيفة لا نسمع عنها مجددا عقب انتهائه..ولكن دعني أؤكد لك أن البقاء للأجود والأصلح والأدب الحقيقي، هكذا علمنا التاريخ.

•بعيدة طوال الوقت عن صراع الجوائز وأنت روائية متحققة لماذا؟

أولا أشكرك على رأيك، وأعتقد أنه سؤال يجب أن يوجه للقائمين على الجوائز وليس لي، ربما كانت عيني على الجوائز في بداياتي، أما الآن فقناعتي أن جائزتي الأهم هي جمهوري ومتابعيَّ الذين ينتظرون بشغف ما تقدمه رشا سمير، وهم صناع نجاحي بحق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: