رؤى

لماذا يتجاهل الغرب الإرهاب المتنامي في «الساحل الإفريقي»؟

 

سيمون تيسدال – متخصص في الشئون الخارجية، ومحرر الشئون الخارجية والأمريكية في صحيفة «الجارديان» البريطانية

عرض وترجمة: أحمد بركات

بإمكاننا أن نتخيل ردة الفعل الهائلة في بريطانيا إذا اقتحم جهاديون إسلاميون مسلحون خدمة الأحد في إحدى الكنائس في قرية من قرى «مقاطعة ساري»، وأمطروا المصلين بوابل من رصاصات أسلحتهم الآلية، وقتلوا القس و23 مصليا على الأقل. بالطبع سينتشر الذعر والهلع بلا حدود، وسيثير الهجوم ضجة إعلامية فورية في جميع أنحاء العالم.

هذه الواقعة بتفاصيلها المرعبة هي عين ما حدث بالفعل وتماما لمرتادي كنيسة بروتستانتية في بانسي – وهي قرية تقع في شمال بوركينا فاسو – في 16 فبراير الماضي. بطبيعة الحال لم يسمع  أحد بهذا الحادث بسبب الصمت العالمي الذي أعقبه. وقد يكفي التكرار المتزايد لهذا النوع من المذابح في منطقة الساحل الأفريقي لتفسير هذه الحالة الواضحة من اللامبالاة؛ لكن توجد بلا شك تفسيرات أخرى.

 

سوريا جديدة

في يناير الماضي، قتل مسلحون إسلاميون عشرات من سكان قرية سيلجادجي، في مقاطعة سوم في بوركينا فاسو. وبعد أيام قلائل، قتل 20 آخرون في قرية لامدامول في شمال العاصمة واجادوجو. وتفيد تقارير أن الضحايا يتم اختيارهم على أسسس دينية أو عرقية، أو بحسب علاقاتهم بالحكومة. وأيا كان السبب، تبقى النتيجة واحدة، وهي الإرهاب الخالص.

تمثل بوركينا فاسو البقعة الساخنة الجديدة في مواجهة متنامية بين الإسلاميين والحكومات المدعومة غربيا في منطقة الساحل الأفريقي، وهي منطقة واسعة شبه قاحلة تقع جنوب الصحراء الكبرى، وتمتد من السنغال وموريتانيا على ساحل المحيط الأطلسي، عبر مالي والنيجر وتشاد، إلى السودان وإريتريا على البحر الأحمر.

ربما لم تتطرق عناوين الصحف في أوربا والولايات المتحدة إلى الأمر، ولكن تبقى الحقيقة أن حوالي 1800 فردا لقوا حتفهم بسبب عنف الجماعات المتمردة في بوركينا فاسو في العام الماضي. كما تمخض هذا العنف عن نزوح 500 ألف مواطن داخل البلاد. وتحذر الأمم المتحدة من إمكانية تحول بوركينا فاسو إلى «سوريا أخرى». ولا يختلف الوضع كثيرا في مالي والنيجر، حيث ارتفعت حصيلة القتلى في عام 2019 إلى ما يقدر بنحو 4000 قتيل، بزيادة خمسة أضعاف عما كانت عليه في عام 2016. ولا يزال الملايين بحاجة إلى مساعدات غذائية.

الساحل الإفريقي.. والتهديد المستقبلي

لقد تفشى بلا هوادة ما بدا في عام 2012 على أنه تمرد محلي شبه انفصالي في شمال مالي. ويُنظر إلى منطقة الساحل الأفريقي بأكملها الآن على أنها ميدان المعركة الجديد بين المتطرفين الإسلاميين والغرب. وتخشى الدول الساحلية في غرب أفريقيا أن تصل إليها العدوى، خاصة أن الجماعات الموالية لتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة – التي تستغل المناطق غير الخاضعة للحكومات المركزية، والتي تعاني من الفقر المدقع، والتوترات الدينية والقبلية، والاضطرابات الناجمة عن التغير المناخي – تتمتع بحضورمتنام.

بعبارة أخرى، فإن التهديد الإرهابي، الذي لفت انتباه العالم في أفغانستان في عام 2001، وأعاد إنتاج نفسه بعد ذلك في العراق وسوريا، قد وجد مركزا جديدا لعملياته في الساحل الأفريقي. وفي ضوء معطيات التاريخ الحديث، سيكون من قبيل الخطأ الفادح أن نعتقد أن هذا التهديد الذي يفترض أنه يقع على مسافة بعيدة، لن يؤثر سلبا على أمننا المستقبلي في لندن وباريس ونيويورك.

وإذا كانت المعاناة في منطقة الساحل لا تمثل دافعا كافيا لاتخاذ الإجراءات اللازمة، فإن حسابات المصلحة الذاتية ستوفر حتما هذا الدافع. ومع ذلك، فإن زخم الاهتمام النسبي للحكومات الغربية، بما فيها حكومة بريطانيا، يؤكد العكس. فالتهديد المتنامي معروف على نطاق واسع، لكن ما تفتقد إليه هذه الدول هو العمل الفعال والقائم على التعاون والتنسيق. لقد حاولت فرنسا بكل ما لها من تاريخ كولونيالي وروابط فرانكفونية حالية أن تتولى زمام القيادة. وقامت بالفعل بإرسال 4500 جندي إلى مالي في عام 2013، كما قامت مؤخرا بإرسال تعزيزات جديدة. وفي يناير الماضي التقى الرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون»، قادة دول مجموعة الخمسة في منطقة الساحل. وفي نهاية فبراير عقدت قمة متابعة استضافتها موريتانيا.  

لقاء الرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون»، قادة دول مجموعة الخمسة في منطقة الساحل

خطة مؤجلة

تكمن الإشكالية جزئيا في الموارد، وتتمثل في محدودية الإمكانات والدعم اللوجستي والتدريب. وقد تم تأجيل تنفيذ خطة وضعتها دول مجموعة الخمسة (وهي بوركينا فاسو، وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد) لبناء قوة عسكرية مشتركة من 5000 جندي بسبب نقص التمويل والمعدات.

كما فشلت دول إفريقية أخرى في تحقيق أي تقدم على هذا الصعيد، برغم تأكيدات الاتحاد الأفريقي بأن هذا الوضع رهن التغيير. وتحتفظ الأمم المتحدة بقوة حفظ سلام في مالي قوامها 13 ألف جندي، كما خصص الاتحاد الأوربي مبلغ 8 مليار يورو كمساعدات إنمائية لدول مجموعة الخمسة، لكن مؤشرات الفوضى وعدم الاستقرار مستمرة في الارتفاع.

وتعتبر السودان وتشاد على وجه التحديد (كلاهما تأثر سلبا بسبب الحرب الليبية) عرضة للخطر بشكل خاص. كانت السودان قد حظيت بمكافأة متواضعة في شكل مساعدات غربية وتخفيف عقوبات، وذلك لدعم جهودها الرامية إلى تحقيق الديمقراطية في أعقاب الثورة الشعبية التي اندلعت في البلاد في العام الماضي. لكن، في حال استمرار هذه الحالة من الإحباط وخيبة الأمل، فربما تشهد البلاد انقلابا إسلامويا مضادا.

وفي قمة  المتابعة التي عقدت بموريتانيا فبراير الماضي أكد وزير الخارجية الفرنسي، «جان إيف لودريان» أنه «من الضروري زيادة التعبئة والتنسيق وتحديد الأولويات»، وأضاف أن الهدف العام هو «دمج الأمن والتنمية».

ولم يدع المؤتمرون فرصة للودريان لمجرد الشك فيما يعانونه من فاقة شديدة. ففي كلمته، أكد الرئيس الموريتاني، «محمد ولد الغزواني»، أن «منطقة الساحل تحتاج – أكثر من أي وقت مضى – إلى اهتمام شديد ومنسق من دول المنطقة والمجتمع الدولي للخروج من دوامة العنف». وأضاف «موسى فكي»، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي: «إننا في أمس الحاجة إلى تحقيق انتصارات ملموسة على الإرهاب».

لا شك أن هذه الأزمة تنطوي على جانب سياسي بقدر ما تنطوي على جانب عملي. فبينما ضمت إيطاليا صوتها إلى فرنسا في القمة مؤكدة على ضرورة التعهد بتقديم مزيد من الدعم إلى هذه الدول، جاءت المشاركات العسكرية البريطانية والألمانية في حدودها الدنيا. إضافة إلى ذلك، تتعرض تدخلات الرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون»، لانتقادات حادة، حيث ينظر إليها البعض باعتبارها من بقايا العهد الكولونيالي. ويؤكد المعارضون لسياسات فرنسا تجاه هذه الأزمة أن الدعم الفرنسي للوضع الراهن  في بوركينا فاسو هو – في حقيقة الأمر – دعم لحكم غير ديمقراطي واستغلالي وفاسد، وأن التدخلات الفرنسية تعتمد بشكل أساسي على الإملاءات واستخدام القوة المفرطة، وأن هذا من شأنه تعزيز مواقف المتمردين، بدلا من القضاء عليهم.

وإلى جانب هذه الانتقادات، يجب أيضا إضافة الموقف المائع لإدارة الرئيس دونالد ترامب من الأزمة؛ إذ لم تعد القوات الأمريكية منخرطة بشكل مباشر في المنطقة بعدما تكبدته من خسائرفي النيجر في عام 2017، باستثناء الدعم الحيوي الذي يضطلع به حوالي 1000 جندي أمريكي، ويشمل – من بين أشياء أخرى – عمليات النقل وتموين الطائرات ومراقبة الطائرات المسيرة. إلا أن هذا الدعم قد ينتهي في ظل خطة البنتاجون لسحب جميع الجنود الأمريكيين المتمركزين في أفريقيا، والبالغ عددهم5000 جندي. ورغم ما يبديه القادة العسكريون الأمريكيون من اهتمام وقلق حيال التهديدات التي يفرضها الإرهاب المتفشي في منطقة الساحل الأفريقي، إلا أن الرئيس ترامب، الذي لا يبدي أي اهتمام بأفريقيا بوجه عام، لا يمنح الأولوية المطلقة سوى للملف الإيراني والمواجهة المستقبلية المحتملة ضد الصين.

وإذا كان ترامب لا يعبأ كثيرا لما آلت إليه الأوضاع في بوركينا فاسو ودول منطقة الساحل الأفريقي، فإن الكثير من دول أوربا ليست أفضل حالا. وفي هذه المنطقة – كما في غيرها – يحاول ماكرون أن يملأ فراغ القيادة الغربية؛ لكن المعركة تبدو خاسرة حتى الآن.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: