ثقافة

دكان جدي.. سيرة عادية لحياة استثنائية

بين المثقفين المصريين، بل والعرب يبرز اسم الأستاذ محمد طاهر التوارجي، بوصفه رجل المفارقات بامتياز.

التوارجي يقرأ وكأن القيامة بعد ساعة، ولكنه نادرًا ما يكتب، يناقش ويحاور أعتى العقول ويربحها لكنه لم يقع في المراء أو التفاخر بما لديه من معرفة، يسافر كأنه رحالة من القرون الوسطى إلى التبت والصين وكمبوديا، وإلى كل البلاد التي بالكاد نعرف موقعها على الخريطة، ولكنه لا يذهب إلى شارع الجلاء بقلب القاهرة حيث مقار الصحف والمجلات!

محمد طاهر التوارجي

يقيم بمنزله ومنذ سنوات صالونًا ثقافيًا ينفق عليه من حر ماله ويستضيف في الجمعة الأخيرة من كل شهر، الأسماء صاحبة العطاء لا صاحبة الشهرة، ولكنه لا يُشاهَد متطفلًا على صالون أحد أو على صحبة أحد.

يتكبد – وعلى نفقته الخاصة – إقامة معرض كتب في شهور الصيف بمدينة رأس البر، ولكنه لا يروج لكتب أنيس منصور الذي هو نجم شباك معارض الكتب!

كل تلك المفارقات كشف لنا أخيرًا التوارجي بنفسه سرها، فلقد كتب الجزء الأول من سيرته الذاتية «دكان جدي / لوحات من زمن مفقود» وقد قامت دار الأدهم مشكورة بنشرها في أبهى حلة ممكنة.

لماذا الآن؟

محمد التوارجي المولود في العام 1946 اختار – وعن عمد – البعد عن الأضواء، وهو المستحق للصدارة عن جدارة. واحد بهذه المواصفات الزاهدة المتعففة لماذا يكتب عن حياته وقد تجاوز السبعين من عمره؟

هل كتب استجابة «لمرض» الحنين وهو مرض يصيب ذوي الحساسية الخاصة والذائقة المتفردة، ولا شفاء منه؟

  الحق، الإجابة ستكون بلا، فليس في السيرة ذلك الحنين المرضي الذي يجعل صاحبه ينصرف عن كل الحاضر والمستقبل ويتشبث كطفل بذيل ثوب أمه التي ستكون هنا هى ذكرياته الخاصة.

هل كتب التوارجي لكي يفتخر بأنه عرف فلانًا وفلانًا من الأكابر؟

الرجل لم يذكر سوى أسماء الخالات والأخوال والأعمام والعمات وحشدًا من الصيادين والحلاقين والباعة ورفاق الصبا الشياطين وأساتذة المدارس الذين لا يعرفهم التاريخ الرسمي، الرجل ذهب يفتش عن الكنوز، ولكي تصبح الكنوز كنوزًا فلا بد أن تكون مدفونة تحت الأرض أو في قاع الذاكرة، والسعيد هو الذي يعرف كنوزه ولا يعمى عنها أو يتعامى.

لقد كتب التوارجي الآن وقد تجاوز السبعين ليردد صيحة بابلو نيرودا الخالدة «أشهد أني عشت».

عاش التوارجي حياة من الروائح الحية غير المعلبة، والمشاعر الطازجة والقيم والمعاني التي تمشي على قدمين، فقرر أن يقدم حياته للناس، وهى حياة عادية جدًا، استثنائية للغاية.

 

التوارجي مع عائلته

أصل الشجرة

لكل كتاب ضربة بداية، وإما أن يوفق الكاتب فيحرز هدفًا مبكرًا فيضمن إقبال القراء على المضي في قراءة ما كتب، أو تطيش ضربة البداية فينصرف القارئ غير مهتم.

ضربة بداية التوارجي هدَّف بها، لقد بدأ من دكان جده، ومن خلاله قدم عالم بلده عزبة البرج بدمياط قبل سبعين سنة!

دكان الشيخ محمد مصطفى التوارجي جد محمد طاهر التوارجي بطل مقالنا، ليس دكانًا كغيره وصاحب الدكان ليس كغيره من الرجال.

الشيخ محمد مصطفى التوارجي المولود في العام 1893م لم يعرف من التعليم سوى ما كان الكُتّاب يقدمه، مبادئ القراءة والكتابة والحساب ثم حفظ القرآن، ولكن على قدر أهل العزم تأتي العزائم، لقد أصبح الشيخ محمدٌ أسطورة زمانه.

الشيخ محمد مصطفى التوارجي

الدكان كان يضم البقالة المعروفة ثم الصيدلية، ثم المكتبة، نعم مكتبة بداخل دكان! ثم مطحنة البن، ثم معملًا لشحن البطاريات، ثم مجلسًا عرفيًا لعقد الزيجات والمصالحة بين الخصوم وضيافة عابري السبيل من النوبة وأسوان جنوبًا وإلى القدس شمالًا!

القرآن الكريم يقول لنا: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ».

الشيخ محمد كان الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة، شيخ تنويري بلغة عصرنا، لا يجادل ولا يخاف من الجماهير، ويقول ما يعتقد هو أنه الصواب، يعالج الناس بالأدوية وليس بالتعاويذ، يؤمن بالله ثم بالعلم، يبني مسجدًا للعبادة وتعليم الناس وليس للتسلط على أفكارهم ورقابهم، يستضيف المؤرخ الأشهر عبد الرحمن الرافعي ويكرمه ولكنه لا يتخذ من ذلك سلمًا يصعد عليه، فالشيخ كان يعرف قدر نفسه ويُنزلها حق منزلتها.

كل ما سيفعله الحفيد سيكون منتميًا بسبب إلى سيرة الجد ومسلكه.

عبد الرحمن الرافعي

النجاة من المتاهة

حياة مثل التي عاشها التوارجي هى إلى المتاهة أقرب فهى حشد من كل شيء، وبين تلك الحشود يتوه الذي لا الذي لا يعرف كيف تكون الكتابة وكيف يكون النفاذ إلى الحقيقي وكيف يتم القبض على الجوهري.

قالوا عن السيرة الذاتية «تقرير إلى جريكو» لكاتب اليونان العظيم كازنتزاكى: «لقد جمع فيها الكاتب حواسه جميعًا، النظر والشم واللمس والذوق والسمع والعقل، وانطلق وهو يحمل قلبه فى فمه صاعدًا جبل مصيره الوعر والقاسى».

كازنتزاكيس وكتابه «تقرير إلى غريكو»

وهذا ما فعله ببراعة قل نظيرها التوارجي، ستشم في كتابه رائحة السردين، ويود البحر، وأنفاس النيل، وعبق تسبيح الفجر، وخشوع استغفار الأسحار، والأرض وقد نهلت من ماء السماء، ثم سترى مقاومة جيوش الذباب والناموس بل وأسراب البق، ثم سترى المودة والتراحم وبهجة استقبال الضيوف وسترى عالم الصيادين من داخله وليس سطحه، وسترى الجد وهو يلطم بقسوة وأمام الناس وجه زوج خاض بكلمة في حق زوجته!

ثم سترى نعوش الأحبة وهى تغادر إلى حيث لا عودة، ثم ترى تبدل الأحوال ففلان الذي يتفجر شبابًا وصحة يذوي عوده ويمتصه مرض قاتل، وسترى الصهاينة وهم يُغرقون مصر مرتين بالمخدرات، مرة بعد نكبة 1948 ومرة بعد قاصمة الظهر يونيو 1967.

ثم ترى أولاد الأصول وهم يحاربون المخدرات وتجارها بل وهم يصطادون شحنات المخدرات التي كان الصهاينة يلقون بها أمام شاطئ دمياط، ويقدمونها طوعًا للأمن!

أثر البعكوكة

كانت مجلة البعكوكة هى مجلة السخرية المصرية، وكان التوارجي في طفولته ومراهقته يقرأ كل ما يقع تحت عينيه، وكانت البعكوكة من مجلاته المفضلة، ومنها ومن جده سيصبح ساخرًا ساحرًا، يقدم السخرية اللطيفة التي لا تجرح ولا تُسيل الدماء ولكنها توقظ الضمير وتخاطب القلب الغافل وتشد من عزيمة المقاومين.

لأن هذا النوع من السخرية يقاتل اليأس أولًا، ويجعل الناس تنجو من فخاخ التهوين والتهويل، سخرية التوارجي تضع الأمور في نصابها لا تصعد بها إلى السماء ولا تخسف بها الأرض.

من الجد الذي كان يشتغل بالقرآن حفظًا وتحفيظًا سيتشرب قلب التوارجي الأساليب القرآنية، فقارئ كتابه يستطيع أن يرد كل كلمة كتبها إلى جذرها القرآني، وذلك الجذر هو الذي جعل لغة الكتاب عالية شريفة راقية، تُفصِّل ما يجب أن يكون مفصلًا وتُجْمِل ما يجب أن يكون مُجْمَلًا، دون زيادة أو نقصان، وقد أحسن الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد منصور أستاذ الأدب العربي بجامعة دمياط في تقديمه للكتاب عندما توقف عند خصائص أسلوب كاتبه ليُدل القراء على مواطن الجمال.

كل ما سبق كان عند الجد فماذا عن بقية العائلة؟.

من الأب طاهر التوارجي سيتعلم محمد كيف يدندن لحنًا وكيف يصلح جهاز الراديو، سيتعلم كيف يكون عمليًا وحالمًا، ومن جدته وأمه سيعرف كيف تكون النظافة وتدبير شئون البيوت.

لو نظر عالم اجتماع أيًا كان تخصصه فسيجد علمًا عظيمًا وسيجد شواهد يعرف منها كيف كانت دمياط بل كل مصر قبل سبعين عامًا.

أما القارئ العام فسيجد متعة صافية وهو يرى رجلًا يخاصم الأضواء يكشف عن دخيلة نفسه ليُذَكّر من «كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: