دار الكتب

من السلبية إلى الإيجابية.. كيف رأى الأطفال المرأة في قصصهم؟

«موسى نبي، وعيسى نبي، ومحمد نبي، وكل من له نبي يصلي عليه» هكذا كانت أمي رحمها الله تبدأ في رواية «الحدوتة» لي ولأخوتي كل مساء.. وكان ردنا عليها دائما وأبدا «عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام».. كانت حواديت أمي مسكونة بعالم السحر والسفر من بلاد الله لخلق الله، وبالأختين: «الطيبة والشريرة .. الفقيرة والغنية .. الصادقة والكاذبة» وكانت دائما وأبدا ما تنتهي الحدوتة بانتصار «الطيبة .. الفقيرة .. الصادقة».. ورغم أنه من بين إخوتي ذكور كانوا يتقاسمون مع شقيقاتهم الإنصات والاستماع لحكايات أمي إلا أن كل حواديتها كانت بطلاتها من النساء؟ على عكس ما هو شائع بالكثير من قصص «أدب الأطفال»، ربما أرادت أمي بذلك أن تقول لنا أن المرأة يمكنها أن تكون بطلة في عالمها، مثلما هي بطلة في «الحدوتة».

الباحثون المهتمون بدراسة «أدب الأطفال» منشغلون بدراسة قدرة الأديب على التواصل مع عالم الأطفال ومنظومة القيم التي يبثها هؤلاء الأدباء في كتاباتهم للأطفال، ومدى توافقها مع منظومة القيم الثقافية السائدة في المجتمع، إلى جانب دراسة العديد من القضايا المتعلقة بصورة المرأة في أدب الأطفال، غير أن الجديد الذي طرحه الناقد الأدبي الدكتور «محمد سيد عبد التواب» في دراسته «صورة المرأة في أدب الأطفال.. التشكل والإشكال» قد تمثل في دراسته لإبداعات الأطفال أنفسهم، وتصوراتهم لطبيعة صورة المرأة، ورؤيتهم لدورها في المجتمع.

عالم الأطفال القصصي

أقدم الدكتور عبد التواب في دراسته على تحليل نحو «خمسين» نموذجا من نماذج إبداع الأطفال القصصي، ومن ثم أشار إلى الكثير من الموضوعات الجذابة التي طرحها الأطفال في أعمالهم، كان منها عالم الأحلام الوردي المسكون بالسلام، والدفء الأبوي والعناية المنزلية والحرص على مساعدة الأبوين في تحمل أعباء الحياة، إضافة لتلك الأعمال المسكونة بالخوف والعنف و الشعور بالاضطهاد الأسري والفقر.

اتسمت كتابات الأطفال في مجملها بإعتمادها على اللغة البسيطة السلسة، وتراوح أسلوبها ما بين المباشرة في كثير من الأحيان والرمزية في أحيان أخرى، وظهر تأثرهم بعدد من وسائل الإعلام مثال: «التلفزيون والإنترنت» إلى جانب تأثرهم ببيئتهم المحيطة والأسرة، كما تجلى الموروث الثقافي الشعبي من قصص وحكايات وأساطير شعبية بالعديد من نصوصهم.

جاءت بعض قصص الأطفال على ألسنة الحيوانات والجنيات، إلى جانب «أنسنة» بعض الجماد وجعله قادرا على الحكي مثل «الشمس والغيوم  .. الكتاب والقلم» كما أبدع الأطفال في التعامل مع الطيور والحيوانات الأليفة «العصافير والحمام .. القطط والكلاب» .. الأطفال في المجمل لديهم قدرة بارعة على صوغ الحكاية وروايتها وتقديم خاتمة ملائمة لها وفقا لمزاجهم الشخصي.

سندريلا.. والساحرة الشريرة

تأثر الأطفال في كتاباتهم بعدد من القصص العالمية الشهيرة، من بينها قصة «سندريلا» التي تحكي عن طفلة صغيرة تتوفى والدتها فيتزوج والدها، وتعيش الفتاة معاناة شديدة على يد زوجة الأب، غير أن القصة تنتهي نهاية سعيدة بزواج «سندريلا» من أمير المدينة.

يتناول الدكتور عبد التواب قصص الأطفال التي تناولت شخصية «زوجة الأب» فيشير إلى قصة طفل عمره ثماني سنوات جاءت تحت عنوان «قصة عذاب» يروي فيها الطفل عن المعاملة القاسية التي يتعرض لها طفل من قبل «زوجة أبيه» إلى حد مطالبة والده بمنعه من الذهاب للمدرسة، إضافة للحرمان من الطعام والشراب.

من واقع تحليل قصص الأطفال يصل دكتور عبد التواب إلى أن صورة «زوجة الأب» لدى الأطفال صورة سلبية للغاية فهى «الشريرة .. الماكرة .. الخبيثة .. القاسية» ويمكن تفسير تلك الصورة السلبية المبالغ فيها إلى خوف الأطفال من فقد أمهاتهم، ذلك أن الأطفال الذين كتبوا هذه النوعية من القصص لم يمروا بالضرورة بتلك التجربة، فقط خوفهم الشديد من فقد «الأم» هو ما قد يدفعهم للكتابة عن «زوجة الأب» الشريرة القاسية.

لم تخرج بعض القصص التي كتبها الأطفال خارج الإطار العام الذي يتسم به أدب الأطفال بصفة عامة الذي يربط ما بين السحر والشر والمرأة معا، فالمرأة بتلك النوعية من الأعمال هى رمز الشر، ولا يختلف في ذلك الأمر كون الطفل الذي يكتب القصة «ذكر أم أنثي».

تضمنت العديد من قصص الأطفال عددا من الصفات السلبية التي ترتبط بالمرأة، وهى في مجملها صفات تم نقلها للأطفال عبر موروث الحكي الشفاهي الذي يصف المرأة بكونها «ثرثارة .. تُفشي الأسرار» وغيرها من الصفات السلبية المباشرة، بالإضافة إلى العديد من الصور النمطية التي ظهرت بشكل مستتر في كتابات الأطفال، وهى في مجملها صورة نمطية متوارثة تنتقل من جيل إلى جيل.

فالدور الاجتماعي للفتاة بقصص الأطفال ينحصر في كونها تساعد والدتها في المطبخ ورعاية أخوتها الصغار، وبشكل عام تقدم قصص الأطفال تصورا عن النساء كزوجات وأمهات لا يستطعن القيام إلا بهذا الدور.

 صور إيجابية

رغم شيوع الصورة السلبية التي قدمت للمرأة بقصص الأطفال إلا أن هناك عددا من القصص التي قدمت المرأة بصورة إيجابية لديها القدرة على مواجهة المشكلات ومعاونة الأسرة والأصدقاء، إلى جانب القصص التي تناولت حق الفتاة في التعليم وفي اختيار شريك الحياة والحق في العمل والمشاركة السياسية.

أما أبرع تلك القصص التي تناولها دكتور عبد التواب بالتحليل فكانت لطفلة تبلغ من العمر اثنى عشر عاما، تناولت في قصتها التي حملت عنوان «سؤال ليس له جواب» قصة نضال الشعب الفلسطيني بقولها:

«في ظل الاحتلال .. في الضفة الغربية .. ولدت طفلة سميت مريم .. نشأت مريم وسط هذا الظلم والظلام وكانت تسأل أبويها دائما: من هؤلاء الغرباء؟ ولماذا أتوا إلى هنا؟ ولماذا يقتلون أهلنا؟ وكبرت الطفلة وفهمت الحقيقة وعرفت أن أرضها محتلة ووطنها مغتصب، فكبرت أحزانها وازداد حماسها للتضحية من أجل الوطن .. كبرت مريم واختارت أن تكون صحفية لتدافع بقلمها عن وطنها، وأحس الأعداء بخطورة مريم عليهم، فحاربوها وسجنوها .. فهل يمكن أن يتحقق السلام بعد كل هذا؟ أنه سؤال بلا جواب» .. القصة في مجملها تحمل صورة شديدة الإيجابية لدور المرأة في المجتمع كما تحمل وعيا شديدا بطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، وتصوير المحتل بأنه مرادف «الظلم والظلام».

يستفيض دكتور عبد التواب في تقديم نماذج متعددة من قصص البطولة لينتهي إلى أن عالم البطولة في أدب الأطفال يعد بمثابة الملاذ الذي يمكّن الأطفال من التحرر من القيود التي يفرضها عليهم عالم الكبار، ومن ثم فكتابة القصص تمنحهم سلطة تخطي الكثير من الحدود التي لا يُسمح لهم بتخطيها في الواقع، وبصفة عامة فإن قصص الأطفال في مجملها قد اتسمت بوجود شخصية ما تتعاطف مع الطفل في الحكاية ومن ثم تمد له يد العون.

فوارق

من بين القصص الخمسين التي كتبها الأطفال وقام بتحليلها دكتور عبد التواب، جاءت عناوين «32» من إجمالي تلك القصص ذات محتوى مذكر، بينما جاءت «18» قصة فقط تحمل عناوين مؤنثة، واتسم الذكور بتلك القصص بصفات إيجابية «الشجاعة، الذكاء، النشاط، الوفاء والقدرة» في حين اتسمت الإناث في الغالب بصفات «الجمال .. الغرور .. الكسل».

من جانب أخر اتسمت مهن الذكور بالتنوع الشديد فهم يعملون «طبيبًا، بائعًا، موسيقيًا، حارسًا، قائدًا، رياضيًا، مهندسًا، مخترعًا، لاعب كرة قدم، كاتبًا» أما الإناث فخيارات العمل بالنسبة لهن  كانت محدودة «أم، ممرضة، مدرسة، طبيبة، صحفية».

بذات السياق قدمت قصص الأطفال صورة للفتاة الصغيرة بوصفها كائنا غير مستقل فهى دائما ما تتعلق بشخص ما أو شىء ما سواء كان ذلك دمية أو والدتها، في مقابل الفتيان الذين لا يتعلقون في الغالب بشىء لكونهم أكثر رغبة في التحرك بحرية، كما أن القصص على إختلافها تربط بين المرأة والفضاء الخاص، بينما ينفتح الرجل على  الفضاء العام محتكرًا له.

يوصي دكتور محمد سيد عبد التواب في دراسته بضرورة التركيز على ما أطلق عليه «أدب الطفل للطفل» ذلك أن الإبداع الأدبي للطفل يمكن له أن يوجّه ويطوّر حتى يسهم في سد فجوة كبيرة ظل يعاني منها الأدب الموجه للطفل الذي مازال يكتبه الكبار، وهذا لا يعني بالطبع الدعوة لإلغاء أدب الأطفال الذي يكتبه الكبار، وإنما «أدب الطفل للطفل» يمتاز بقدرته على سهولة التواصل مع عالم الأطفال، إضافة إلى كونه يمنح فرصة للمهتمين بدراسة عالم الأطفال إلى التعرف على تلك الهواجس التي يعاني منها الأطفال، ومن ثم توجيه النصح والإرشاد للأمهات والآباء إضافة للمعلمين لكيفية التعامل مع الأطفال وهواجسهم.

اقرأ أيضا:

كيف نستعيد أطفالنا إلى أدبهم؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: