مختارات

حسابات «الخوف»: كيف يفكر أطراف الصراع الليبي في أزمة «كورونا»؟

نقلا عن: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء، 24 مارس، 2020

يتندر الليبيون على وباء كورونا المستجد (كوفيد -19)، الذي انتشر في أكثر من 162 دولة حول العالم، بقولهم إنه يخشى دخول بلدهم، لأنه إما سيُصاب هو نفسه بعدوى انقسام السلطة، أو سيلقى حتفه جراء الصراع المزمن. تلك المزحة قد تُعبّر عن امتزاج حالة السخرية الليبية من خطر الوباء بالإحباط من واقعٍ صراعيٍّ لا يكاد يدنو من السلام خطوة، حتى يبتعد عنه خطوات أخرى، برغم مرور تسع سنوات على سقوط نظام «القذافي». 

وبرغم إعلان السلطات الليبية المنقسمة عدم تسجيل أي إصابات بكورونا في البلاد، حتى الاثنين 23 مارس 2020، فقد تصاعدت مخاوفها من احتمال انتشار الوباء، وربما تحوله إلى كارثة، في ظل تردي البنية الصحية للبلاد، وضعف جاهزيتها. لذا، اتخذت حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا، ونظيرتها الموازية في الشرق، خلال الأيام الماضية، سلسلة من الإجراءات الاحترازية في المناطق الخاضعة لسيطرتهما عسكريًّا لمواجهة فيروس كورونا، منها: حظر التجوال، ومنع التجمعات، وإيقاف المدارس، وإغلاق المنافذ الحدودية والبحرية والجوية، فضلًا عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية.

على جانب آخر، رحّب طرفا الصراع في معركة طرابلس (حكومة الوفاق، الجيش الوطني الليبي) يومي 18 و21 مارس على التوالي بدعوات أممية ودولية لإقرار هدنة إنسانية في ليبيا لدعم الجهود المبذولة للتصدي لأزمة كورونا. ومع ذلك، لم تَخْلُ تلك الاستجابة من هشاشة، فلم يمضِ يوم واحد على هذه الهدنة حتى تعرضت لخروقات من أطراف الصراع، إثر القصف المتبادل في جنوبي طرابلس وترهونة. 

بذلك، تعرضت تلك الهدنة لمأزق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه منذ 12 يناير الماضي، ولم يفلح في تثبيته لا الحشد الدولي والإقليمي في مؤتمر برلين في الـ19 من الشهر نفسه، ولا ما تمخض عنه من مسار عسكري في جنيف، إذ ظلت مسودة وقف النار التي تم التوصل لها، من خلال اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 برعاية أممية في الـ23 من فبراير الماضي، محل خلاف بين قيادات أطراف الصراع.

من هنا، فإن السؤال المطروح هو: كيف يفكر أطراف الصراع الليبي في أزمة كورونا ومخاطر انتشارها؟ وما مدى تأثير تلك الأزمة على مسارات الحرب والسلام؟ لا سيما في ظل تغير أولويات القوى الخارجية المتدخلة في ليبيا، والتي تركز كل جهودها في التوقيت الراهن على مكافحة انتشار ذلك المرض.

دوافع الخوف

تُدرك الأطراف المتنازعة، سواء أكانوا أفرادًا أم قادة في مناطق الصراعات العنيفة، أن أحد الاحتمالات التي تواجههم في المعارك هو الموت، فلماذا -إذن- قد يخشون أزمة كورونا طالما أن هذا الاحتمال قد يكون قائمًا في الحالتين؟. لكن عند التفكير مليًّا بالأمر، فإنه يمكن القول إن تهديد خطر البقاء قد يختلف ما بين خصم تملك القدرة على معرفة تهديده، وتوقع سلوكيّاته، وما قد يملكه من أدوات صراعية، وآخر قد يتسم بالغموض والتعقيد، حيث لا تُعرف على وجه اليقين سماته وحدود مخاطره.

في الحالة الأولى، قد يبدو الخوف طبيعيًّا لأنه يمكن لأطراف النزاع السيطرة على التهديد نسبيًّا، أو حتى توقّعه بقدر ما في مناطق القتال من تكتيكات. بينما في الثانية قد يتحول الخوف من التهديد الغامض إلى ذعر، لأن قدرة أطراف النزاع على السيطرة أو التنبؤ بمسارات هذا التهديد تنعدم تقربيًا، كما الأمر مع وباء كورونا، الذي بدا كعدو غير مرئي، كما وصفه «ترامب»، إذ لا يميز في الإصابات والوفيات بين عدو وصديق، أو دولة مستقرة وديمقراطية، وأخرى تسلطية أو مضطربة. والأكثر خطورة أنه لم يتم اكتشاف لقاح أو دواء لمواجهته حتى اللحظة الراهنة.

في هكذا سياقات، تنشأ حسابات الخوف، خاصة لدى القادة في مناطق الصراع، حيث قد تدفعهم -على الأرجح- إلى تغيير خطاباتهم وسلوكياتهم، انتظارًا إما للرهان على الوقت لتجاوز الأزمة، أو الحد من تداعياتها على مصالحهم المباشرة بالصراع. فببساطة، لا يمكن إغفال أن أي صراع مسلح يعتمد بالأساس على العنصر البشري، وبالتالي فلو تعرض ذلك العنصر للضرر من الوباء، فقد يعني ذلك عدم قدرة الأطراف على الاستمرار في الصراع ذاته. 

زد على ذلك أنه من الصعوبة عمليًّا تطبيق سياسات العزلة والتباعد الاجتماعي التي تنتهجها الدول لمواجهة كورونا في إدارة ساحات المعارك العسكرية. فعلى الرغم من دخول الأسلحة التكنولوجية الحديثة، كالطائرات دون طيار وغيرها، لمناطق الصراع في الشرق الأوسط، ومنها ليبيا؛ فلا يزال القتال البري المباشر ملمحًا رئيسيًّا لديناميات الصراع، خاصة في حروب المدن، لا سيما مع استهداف أطراف الصراع السيطرة على مناطق ميدانية يحوزها الخصوم، وقد تعج بالسكان، بما سيفترض التواصل معهم، مثلما نمط المعارك في غرب ليبيا، والتي للمفارقة تضم العدد الأكبر من سكان هذا البلد، مقارنة بمنطقتي الشرق والجنوب. 

قد يفسر ذلك المنطقُ العقلانيُّ الذي يؤطر حسابات الخوف نمطَ الاستجابة الإنسانية الأخيرة لأطراف الصراع لوقف القتال في ليبيا بسبب أزمة كورونا، أو حتى عدم التصعيد الحاد والاقتصار على نمط خروقات متبادلة، حيث قد يخشون على الجنود الموالين لهما من الإصابة بالوباء بما يغير كليًّا من توازنات المعارك في أي لحظة. مع ذلك، فإن ثمة عوامل أخرى مضافة تطرحها طبيعة السياقات الصراعية في ليبيا، وتضاعف أكثر من حسابات الخوف لدى أطراف الصراع من فيروس كورونا، ومنها:

1- انكشاف النظام الصحي: إذ تعاني البنية الصحية الليبية (المستشفيات، أعداد الأطباء والممرضين، والمستلزمات الطبية) ترديًا بسبب تضررها من الحرب المستمرة، سواء إبّان تدخل حلف الناتو في عام 2011، أو إثر نشوب الحرب الأهلية في صيف عام 2014، والتي أدت إلى انقسام السلطة وتأثر وظائفها بما فيها الصحية. ولا تسعف تلك الأوضاعُ الدولةَ الليبية على الاستجابة الفعالة لأزمة كورونا، حال انتشاره، لا سيّما إذا قارنّا ذلك بدول أخرى متقدمة ومستقرة أكثر تطورًا لم تستطع احتواء المرض، مثل إيطاليا. فضلًا عن معضلة النازحين ومراكز إيواء اللاجئين، حيث قد تتراجع عندها القدرة على توفير أماكن للحجر الصحي وأجهزة تنفس، إذا ما برزت أزمة كورونا. لذا فإن ثمة خشية دولية على خطر محتمل في ليبيا إذا انتشر المرض، وفقًا لتحذير أشارت له مؤخرًا «إليزابيث هوف» ممثلة منظمة الصحة العالمية في ليبيا.

وما قد يُعزز ذلك أن مؤشر الأمن الصحي العالمي في عام 2019 (GHS INDEX) يضع ليبيا في المرتبة 168 من بين 195 دولة في العالم، ذلك أن جاهزية البنية الصحية أضعف من أن تتعامل مع الأوبئة أو تحد من انتشارها، وهو أمر مماثل لدول الصراعات في الشرق الأوسط، كما حال العراق وسوريا واليمن، حيث نالت تلك البلدان مراتب متدنية هي الأخرى على التوالي في المؤشر (167، 188، 190)، ناهيك عن الفجوات الصحية بين مناطق ليبيا، نتاجًا لنمط التنمية المناطقية اللا متوازنة وعدم المساواة التي كرسها نظام “القذافي” طيلة عقود حكمه الأربعة، حيث كان الليبيون يلجئون إلى دول الجوار الإقليمي، كتونس ومصر وإيطاليا، لتلقّي الخدمات الصحية، وازداد هذا الأمر مع عدم الاستقرار الليبي بعد عام 2011.