ثقافة

لماذا نبش سليم بركات قبر محمود درويش؟

تقديم

منذ نشرها قبل عشرة أيام أقامت مقالة كتبها الأديب السوري / السويدي سليم بركات عن الشاعر الكبير محمود درويش (زاعما فيها أن لدرويش ابنة لم يعترف بها) الدنيا ولم تقعدها متخطية هموم كورونا والعزلة وانهيار الاقتصاد.

ولقد انقسم الكتاب الذين دبجوا عشرات المقالات والتصريحات إلي فريقين

فريق رأى أن الشاعر يحكم عليه من شعره وهو ليس معصوما وأن من حق نقاد الأدب عندنا تتبع الحياة الشخصية لعباقرة الأدب والفكر كما حدث في الغرب وكما فعل سليم بركات.

وفريق ثاني مثل الأغلبية رأى فيها تشويها لرمز حي للقضية الفلسطينية وخوض في الأعراض بدون دليل. لم يكسب منه الأدب شيئا وإنما تحركه نوازع الحصول علي الشهرة وربما الكسب المادي. الكاتب المعروف حمدي عبد الرحيم كتب لأصوات هذه المقالة التي تنتمي لفريق الأغلبية الناقد لبركات.

وتختتم أصوات نشر مقال عبدالرحيم بقصيدة لدرويش نفسه بدا فيها متنبئآ بما سيلحق موته من ادعاءات كان انتقاها ونشرها الشاعر المعروف إبراهيم داوود علي صفحته الشخصية علي فيس بوك (كرد غير مباشر) علي ما قاله بركات علي درويش والموت يعجزه عن الرد.

أصوات أونلاين

الكاتب حمدي عبد الرحيم، والشاعر إبراهيم داوود

قالوا: كان زيد وعمرو متحابين، وكانا معًا من العبّاد الزاهدين في متاع الحياة الدنيا، وبقى على حالهما هذا من الصداقة والمحبة والزهد عشرين عامًا، ثم رأى حاكم زمانهما أن يولى أحدهما منصب قاضي القضاة.

عرض المنصب على زيد فرفضه، ولكن قبله عمرو.

عندما تمكن عمرو من المنصب الخطير ساء سلوكه وأقبل على كل فعل يجلب له الشهرة، فما كان من صديقه القديم زيد إلا أن طاف أرجاء المدينة صارخًا: من أراد صون سره فعليه بصديقي عمرو فقد كتم حب الشهرة في قلبه عشرين عامًا.

تذكرت هذه القصة الرمزية القديمة وأنا أقرأ ما كتبه الأستاذ سليم بركات عن صديقه الشاعر الكبير الراحل محمود درويش.

سليم بركات، ومحمود درويش

وفرة مقلقة

تقول الموسوعة الحرة ويكيبيديا: إن سليم بركات روائي وشاعر سوري من أصول كردية ،ولد في العام 1951 بريف القامشلي، بسوريا، قضى فترة الطفولة والشباب الأول في مدينته والتي كانت كافية ليتعرف على مفرداتها الثقافية بالإضافة إلى الثقافات المجاورة كـ الآشورية والأرمنية. انتقل في عام 1970 إلى العاصمة دمشق ليدرس الأدب العربي ولكنه لم يستمر أكثر من سنة، فانتقل من هناك إلى بيروت حيث بقي فيها حتى عام 1982، ومن بعدها انتقل إلى قبرص ومن هناك بدء بكتابة الرواية إلى جانب الشعر حيث عمل في قبرص بمجلة الكرمل مع الشاعر محمود درويش وفي عام 1999 انتقل إلى السويد.

حسب ويكيبيديا كتب سليم خمسين كتابًا، ما بين الشعر والرواية والسيرة الذاتية.

تلك الوفرة ليست حميدة في كل الأحوال، فماذا قدمت تلك الوفرة للأدب العربي؟.

سؤال نترك للنقاد المنصفين الإجابة عليه.

هذا وإن كان من حق القراء تأمل عناوين طائفة من كتب الأستاذ سليم، ثم يسألون أنفسهم : لمن يكتب الرجل؟.

من عناوين رواياته «ثادريميس» و «الفلكيون في ثلاثاء الموت: كبد ميلاؤس» و «لوعة الأليف اللاموصوف المحير في صوت سارماك».

ومن عناوين أشعاره «للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك» و «بالشِّباك ذاتها، بالثعالب التي تقود الريح».

لا كثرة المؤلفات ولا غرابة عناوينها ومتونها جلبت لصاحبها سوى وجود محدود في دائرة ضيقة تتباهى بكل غريب وتحرص على كل عجيب.

أخيرًا قرر الأستاذ سليم أن يصبح حديث وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات الأدب في طول وعرض الوطن العربي، لقد نشر مقالا في صحيفة «القدس العربي» يتناول فيه صديقه الشاعر الراحل محمود درويش.

مربط الفرس

بدأ الأستاذ سليم مقاله كاتبًا: «البياضُ رائقٌ، راضٍ عن حظوظه؛ بل راضٍ عن مقاديره موزَّعةً بعَدْلِ الميزانِ اللونِ، متقدِّمٌ، بلا إفراطٍ، في الصورة: بياضٌ هدنةٌ، أو صُلحٌ».

( هل فهم أحد شيئًا؟). ثم مكث يلف ويدور في هذا الفراغ اللغوي، لا يفصح عن رسالة مقاله إلى أن شعر بأن القارئ سينصرف عنه وعن مقاله فقال الرسالة في فقرتين، وللأسف شغل الناس أنفسهم بفقرة ولم يلتفتوا لفقرة هى الأخطر.

الفقرة الأولى وهى الأخطر قال فيها سليم: «لقاءان بالجمهور جَمَعانا، معاً، في معرض الكتاب بغوتنبرغ. قرأنا شعراً في الأول، فيما ذهبَ اللقاءُ الثاني مُرْسَلاً في بوحِ صديقين على أسئلةٍ في صداقتنا إنسانيْنِ، وصداقتنا شاعريْنِ. كان محمود مذهِلاً في تلقائيةِ «اعترافه»، بلا تحفُّظ من شاعرٍ كبير مثله، أنه جاهدَ كي لا يتأثر بي».

العقل يلزمنا ألا نطالب الأستاذ سليم بشاهد، لأن الشاهد محمود درويش رحل في صيف العام 2008.

لكن الإنصاف يلزمنا أن نطالبه ونطالب الواقعين في هواه ببينة تؤكد أن درويش قد جاهد لكي لا يتأثر بسليم بركات.!!!

هذا شعر الرجلين وكل أدبهما منشور مشهور معروف فأين ظلال أو حتى أشباح سليم في عرض وطول أدب درويش؟!!

هذه الفقرة هى أخطر من فقرة نبش القبور التي سنعود إليها.

درويش شاعر كبير مجدد عثر على صوته الخاص ولم يتطاول قط على منجز غيره وكان كثير الإشادة بفلان أو فلان من الراحلين أو المعاصرين وقال معترفًا: «أقرأ كل صباح ثلاث ورقات من لسان العرب لكي أتعلم الفصحى».

وصدّر ديوانه «هى أغنية» بشطر للمتنبي (على قلق كأن الريح تحتي) وقال أكثر من مرة: «كتبتُ حوالي المئة قصيدة، ثمّ انتبهتُ إلى أن المتنبي قال: (على قلقٍ كأن الريحَ تحتي). أنا كل ما أردتُ أن أقولَهُ، قالَهُ هو في نصف بيت (على قلقٍ كأن الريحَ تحتي). المتنبي ليسَ فقط مخلصاً لكل ما سبقهُ في الشعر العربي، وإنّما هو مؤسّس لكل الحداثة الشعرية التي تلت؛ ونحنُ نسبَحُ في فضاء المتنبي».

لم يكن درويش يخاف من مرور ظلال الآخرين بفنائه، وكم اتكأ على التوراة وقصص بني إسرائيل، فلماذا وحاله كما رأيت كان يجاهد لكي لا يتأثر بسليم بركات؟!!!

قصيدة محمود درويش إلى سليم بركات

الأستاذ سليم عريض الدعوى، والشاهد مات، فليقل كما شاء ولكن لنا ذائقة تحكم بين الرجلين.

الفقرة الثانية وهى التي صارت فتنة القوم قال فيها سليم ما مخلصه: «في العام 1990، في بيتي بنيقوسيا ـ قبرص، قال لي: «لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ».

أنا لم أسأله مَنْ تكون أمُّ طفلته. امرأة متزوجةٌ، اختصاراً، أخذت منه برهة اللحم لذَّةً من لذائذ المفقود المذهل، فاحتوتها كياناً لحماً. هل ستفاتح تلك المرأة ابنتَها، في برهة من برهات نَقْرِ السرِّ بمِنْسَرهِ على اللحم، تحت الجلد، بالدم «الآخر»، فيها؟.

صارحتْه المرأةُ مرتين، ثلاثاً، في الهاتف بابنته، ثم آثرتْ إبقاءَ ابنتها أملَ زوجها، حيث الحياةُ أكثر احتمالاً بلا فجاءاتٍ.

محمود لم يسأل المرأةَ، حين انحسر اعترافُها، وانحسرتْ مبتعدةً في العلاقة العابرةِ، عن ابنته. أبوَّتُه ظلَّتْ تبليغاً موجَزاً من صوتٍ في الهاتف عن ابنةٍ لم تستطع العبورَ من صوتِ أمها إلى سمع أبيها. لذا محمود بلا أبوَّةٍ، كأنَّ الأمرَ كلَّه اعترافٌ صغيرٌ لصديقِ سنينَ طويلةٍ من عمره، بلا متْنٍ من توضيح في اللغة، أو هوامشَ إضافاتٍ، أو حواشي متجانسةٍ. أنا، نفْسِي، تلقَّفتُ اعترافَه بلا فضولٍ».

الفقرتان هما رسالة المقال أو مربط الفرس، والفقرة الثانية مثل الأزفة التي ليس لها من دون الله كاشفة، الشاهد مات منذ اثنتي عشرة سنة والزوجة الخائنة صامتة منذ أكثر من عشرين سنة، والطفلة المزعومة أصبحت الآن عروسًا يشار إليها بالبنان، ولا تعلم لها أبًا غير زوج أمها، ومحمود درويش مات ثريًا صاحب اسم وصيت، فما هذه الخائنة التي تعف عن المطالبة بحق ابنتها في ميراث والدها الحقيقي؟.

ثم لقد تزوج درويش ثلاث مرات، مرتين من السورية رنا قباني، والأخيرة من المصرية حياة الهيني، والرجل بلسانه قال إنه لا يريد الإنجاب. فهل يكون حريصًا مع زوجاته ومستهترًا في علاقة عابرة؟.

ثم كتبت عنه السيدة رنا كثيرًا وما كتبته منشور، وهى لم تصعد به إلى السماء، ولم تخسف به الأرض، لقد كتبت عن رجل شاعر سخي اليد والقلب غريب الأطوار، لكنها لم تشر بحرف إلى أن دناءة النكران والتخلي من خصاله.

السيدة رنا قباني، والشاعر محمود درويش

ثم لقد ربحت النميمة ولم يكسب الأدب شيئًا، لم يقل أحد أن الشاعر محمود درويش مقدس أو رسول معصوم، هو آدمي يعلوه غبار الحياة ، ولكن ما فائدة نبش القبور والخوض في الأعراض؟.

هل عاد علينا زعم سليم بشيء؟.

الرجل قال كلامًا مرسلًا، لم يذكر معلومة واحدة تؤكد صحة كلامه، فلا هو يعرف المرأة ولا هو يعرف الطفلة ولا هو يعرف شيئًا سوى ما نسبه لدرويش، ودرويش مات، إذن القضية مسجلة ضد مجهولين وليس مجهولًا واحدًا.

وبعدُ فقد قرأت أن مقال الأستاذ سليم هو جزء من كتاب سينشره قريبًا، فهل لنا أن نسأل عن علاقة الأستاذ سليم بفنون الترويج والتسويق والتشويق والإثارة وجني الارباح؟.

‎رَأَيْتُ الوَدَاعَ الأخِيرَ: سَأْودعُ قَافِيَةً مِنْ خَشَبْ

‎سَأْرْفَعُ فَوْقَ أَكُفّ الرِّجَال، سَأُرْفَعُ فَوْقَ عُيُونِ النِّسَاءْ

‎سَأُرْزَمُ في عَلَمٍ, ثُمَّ يُحْفَظُ صَوْتِيَ فِي علَبِ الأَشْرِطَهْ

‎سَتُغْفَرُ كُلُّ خَطَايَايَ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ يَشْتُمُنِي الشُّعَرَاءْ.

‎سَيَذْكُرُ أَكْثَرُ مِنْ قَارِئٍ أَنّنَي كُنْتُ أَسْهَرُ فِي بَيْتِهِ كُلَّ لَيْلَه.

‎سَتَأتي فَتَاةُ وتَزْعُمُ أَنِّي تَزَوَّجْتُهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَاماً.. وأكثر.

‎سَتُرْوَى أَسَاطِيرُ عَنِّي، وَعَنْ صَدَفٍ كُنْتُ أَجْمَعُهُ مِنْ بِحَارٍ بَعِيدَهْ.

‎سَتَبحَثُ صَاحِبَتِي عَنْ عَشِيقٍ جَديدٍ تُخَبِّئُهُ فِي ثِيَابِ الحِدَادْ.

‎سَأَبْصِرُ خَطَّ الجَنَازَةِ، وَالمَارَّة المُتْعبِينَ مِنَ الانْتِظَارْ.

‎وَلَكِنِّنِي لاَ أَرَى القَبْرَ بَعْدُ. أَلاَ قَبْرَ لِي بَعْدَ هَذَا التَّعَبْ؟

محمود درويش من ديوان [ورد أقل]

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: