رؤى

اليمين المتطرف يستخدم الميم والثقافة البصرية لنشر العنف

مايك فيليتز – زميل دكتوراه في «مركز تحليل اليمين المتطرف» (CARR)، وباحث دكتوراه في قسم العلوم السياسية بجامعة غوته، فرانكفورت

عرض وترجمة:أحمد بركات

منذ عام 2019، ومع الهجمات التي دكت مدن كرايستشيرش، وبواي، وإل باسو، وباروم، وهاله انطلق شكل جديد من أشكال الإرهاب اليميني المتشدد. يتألف هذا الإرهاب من ثلاثة عوامل مترابطة بشكل وثيق، وهي: أولا، نشر بيان على لوحة صور يضع محتوى عنصري يميني متشدد في ميمات عدمية. ثانيا، مهاجمة مجموعة مستهدفة تحت تهديد السلاح، وقتل أكبر عدد ممكن من الأفراد، وبث الحدث مباشرة على الإنترنت. ثالثا، الدعوة إلى التقليد والاقتداء من خلال تسهيل الوصول إلى كافة المعلومات المتعلقة بالجريمة حتى يتسنى للقاعدة الجماهيرية العريضة نشر الفيديوهات والصور الخاصة بالجريمة وتطوير أداء مرتكبيها.

ويشير مسار هذه الجرائم، والبيانات المنشورة إلى أن مرتكبي هذه الحوادث اعتبروا أنفسهم جزءا من مجتمع رقمي (وهمي) قام بتبادل المعلومات بشكل مجهول عن طريق منتديات مثل 4Chan و8Chan، وحرض بعضه بعضا على تأجيج كراهيتهم للإنسانية. في هذا السياق برزت مجتمعات على الإنترنت ليست بالضرورة منظمة سياسيا، لكن «أعضاؤها» يتواصلون بشكل أساسي من خلال صور تجعل الناس يألفون العنف، وهكذا تتحول هذه الطريقة من مجرد خطاب إلى إرهاب. وتنبع الثقافة البصرية الخاصة بهذا النوع من الإرهاب، والتي تتسم بالانتقائية والدعابة، بقوة من لغة تقليدية مرئية يمينية متشددة؛ فهي تجمع بين ثقافة البوب، والدعابة الطفولية، وتلميحات النازيين الجدد، والازدراء الفج للبشرية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف ترتبط هذه الصور الرقمية المصنوعة منزليا بالأعمال العالمية للإرهاب اليميني المتطرف؟

منتديات 8Chan

الثقافة البصرية في التعبئة لدى اليمين المتشدد

للإجابة على هذا السؤال، يتعين علينا البحث في العناصر الاستراتيجية المكونة للثقافة المرئية في إرهاب اليمين المتشدد في العالم الرقمي. يشير مصطلح “الثقافة المرئية” إلى ما يتم تحويله إلى مرئي (أو غير مرئي)، وكيفية ذلك، وبواسطة مَن، ومِن أجل مَن، بدءا من المحتوى والإنتاج، إلى الترويج للصور واستقبالها. يمكن لأي نوع من الصور أن يقوم بتصدير رسائل سياسية. ينطبق هذا بشكل خاص على الصور الخاصة بثقافة البوب والصور اليومية التي لا تظهر بالضرورة كمادة سياسية صريحة. ومع التحول المتزايد إلى الفضاءات الرقمية، أصبحت العناصر المرئية (الصوتية) وسائل رئيسة للتواصل اليومي. واليوم، لا تستخدم الرموز التعبيرية (emjois) والرموز المتحركة (GIFs)، واللقطات (snaps)، وقصص الإنستجرام (stories) فقط للتعبير عن الذات أو التسلية، وإنما أيضا للتعبئة السياسية. ويمكن أن تصنع الوسائل الجمالية محتوى سياسيا تستطيع الحواس إدراكه وتمييزه (أي من خلال الرؤية والسمع)، وبالتالي فهي لا تقدم فقط نهجا إدراكيا، وإنما أيضا نهجا فعالا ومؤثرا لممارسة وتجريب السرديات المرسلة. ويستطيع الدماغ البشري معالجة الصور بسرعة تفوق معالجته للنصوص المكتوبة، وهو ما يمنح الميديا المرئية ميزة مهمة في المدى الانتباهي القصير في اتصالاتنا اليومية. علاوة على ذلك، تعد الإشارات المرئية أكثر انفتاحا، وبالتالي أكثر غموضا لأنها تعمل من خلال الارتباطات أكثر منها من خلال سرد الأدلة كما هو الحال في الاتصال القائم على النصوص المكتوبة، وهو ما يمثل ميزة أخرى لليمين المتشدد الذي يعمل عن وعي على أعتاب ما يعاقب عليه القانون. وهكذا يستخدم الفاعلون اليمينيون المتطرفون السخرية والفكاهة بشكل استراتيجي لحماية أنفسهم عندما تخرج الأمور عن السيطرة.

أحد أكثر أشكال التواصل الرقمي الهزلي والإبداعي شيوعا هو الميمات، وهي وحدات ثقافية للمعنى، مثل الصور والنصوص والمقاطع الصوتية، باتت تتطور وتنتشر على نطاق واسع عن طريق النسخ أو الدمج مع وحدات أخرى. في السياق الرقمي، ينطبق هذا المصطلح عادة على «الريمكسات» (النسخ المعدلة) الخاصة بمجموعات الصور والنصوص، أو الفيديوهات، أو الرموز المتحركة GIFs، التي من المحتمل أن تجعل الجميع جزءا من هذه الثقافة التشاركية من خلال النشر والتطوير. ويمكن أن يعزز إبداع الميمات ومشاركتها، كأحد الطقوس الأساسية في مجتمع وهمي له رموز مشتركة، الشعور بالانتماء الجماعي بين هؤلاء الذين يشاركون في الشبكات المنتشرة في عالم الإنترنت. بهذه الطريقة، تشكل الصور اليومية، التي تبدو فكاهية وغير ضارة، وجهات نظر العالم السياسي ومكونا للرأي في الفضاء الثقافي ما قبل السياسي، يتجاوز الكلمات الضخمة والتصريحات السياسية المعقدة. وهكذا يمكن تكثيف المحتوى المعقد في رسائل سهلة الفهم وجذابة لقاعدة جماهيرية عريضة. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الميمات وسيلة تواصل عالمية، أدركت الجماعات اليمينية المتشددة هذه الإمكانية الشعبوية لللتسييس، ومن ثم أنفقت كثيرا من الوقت والجهد في إنتاج الميمات من أجل نشر أيديولوجيتهم – بانفتاحية قد تزيد في بعض الأوقات وتقل في أخرى –  والعمل وفقا للشعار: «إذا كانت الميم جيدة، فلا يمكن أن يكون المحتوى سيء».

من «حرب الميمات» إلى إرهاب الميمات

وهكذا خاض اليمين المتشدد هذا النوع من النضال من أجل السيطرة على السرديات القائمة على الصور بطريقة استراتيجية بارعة، وأبدى عملا رائدا في هذا المجال، حيث أسس سياسة ثقافية جمعت بين أفكار التفوق الأبيض والميمات الثقافية، وثقافات الألعاب والقرصنة بطريقة أمدت الأيديولوجيا الفاشية بشكل جديد، أو بالأحرى بصورة جديدة (بالمعنى الحقيقي للكلمة) تناسب عصر الرقمنة، وبذلك جعلت محتواها الأيديولوجي أكثر جاذبية وأيسر فهما، وبخاصة لجيل الشباب. وتمثلت الفكرة المركزية لهذا الشكل من السياسة – وفقا للزعيم الصوري لليمين المتشدد، ريتشارد سبنسر – في التأثير في «رؤية لناس للعالم، ورؤيتهم لأنفسهم». وقد قدم هذا الشكل ما وراء السياسي (metapolitics) نفسه كحركة مضادة لثقافة «الشعب» و«من الأسفل».

في منشور على لوحة الصور في 8Chan، حرض القاتل الجماعي الأسترالي، برينتون تارانت، القُراء على عمل ميمات قبل أن يقتل 51 شخصا في كرايستشيرش. وقد استجاب مجتمع 8Chan لهذا المطلب بموجة من الميمات المرئية التي تمجد العنف، وتسخر من الضحايا مرة أخرى، وتحتفي بالقاتل كقديس. وتبين المحاولات، التي بلغ عددها 1.5 مليون محاولة، لرفع الفيديو على الإنترنت في أول 24 ساعة فقط من تنفيذ هذا العمل الإرهابي، إلى أي مدى فهم الإرهابيون اليمينيون منطق النشر في وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كان الهدف الأساس من الميمات الخاصة بالهجوم وعمليات إعادة تقييمه هو أن يتحول هذا الهجوم إلى «ميم» في ذاته.  

ولفهم كيف تسهل الميمات الانتقال من الفانتازيا في العالم الرقمي إلى العنف الجسدي والعمل الإرهابي في العالم الحقيقي، فإننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على قراءة كل من الاستراتيجيات المرئية المباشرة وتلك الأكثر غموضا التي تستخدم لتعبئة أولئك الذين يُفترض غالبا أنهم «جناة فرديون». فبطل الميم الأبيض القوي – الذكر في الغالب – غالبا ما يتم تصويره على أنه «ذئب منفرد» مدجج بالسلاح يواجه الأفق (الذي تظهر فيه أحيانا «الشمس السوداء» كأحد الرموز الشائعة للنازية الجديدة). ويتم تأكيد هذه المرئيات ببعض النصوص المكتوبة، من قبيل «انهض»، أو حتى دعوات صريحة، مثل «القتل للخونة» و«سأجعلك ترى الإرهاب الحقيقي». وسرعان ما يؤدي الاحتفاء بالأعمال الإرهابية التي ينفذها اليمين المتطرف إلى موجة من الصور، التي تنتشر عبر المنصات المختلفة على الإنترنت.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق