رؤى

الكورونا وانقطاعات الحياة (4-4) على طريق المواجهة: خفض الشعور بالضغوط

هذا المقال هو الجزء الرابع والأخير من الدراسة الكاملة للدكتور شاكر عبدالحميد (الكورونا وانقطاعات الحياة) والتي سبق نشر أجزائها الثلاثة الأولى.

«أصوات أونلاين»

 

يقول الباحث أنطوني فيور إنه من خلال بحوثه على بعض مرضى سرطان الجلد في جامعة كاليفورنيا وجد أنه من المهم خفض حالات الشدة أو الضغوط أو المشقة النفسية الاجتماعية والجسمية التي يشعر بها هؤلاء المرضى من أجل تحسين حالة الجهاز المناعي لديهم، وأنه من الضرورة العمل على رفع مستوى الطاقة النفسية والجسمية لدى هؤلاء المرضى كي يستطيعوا مواجهة السرطان وتحمل أساليب علاجه. وقد وجد هذا الطبيب أن أساليب علاجية مثل التفكير في صور ومشاهد إيجابية ممتعة عن الحياة، وكذلك الاهتمام بالأنشطة الفنية والأدبية، وتقوية ما يسمى بــ «الحكمة الفائقة للجسد» وذلك من خلال تقوية جهازه المناعي من خلال تعديل صور الشخص السلبية عن ذاته، وعن حياته، وعن مستقبله، وتقليل شعوره بالإحباط والعزلة والاكتئاب والاغتراب والغرابة، وتحفيزه على التفاؤل والضحك والاندماج في هوايات وصداقات جديدة، وغير ذلك من الأمور التي هي في قلب اهتمامات ما يُسمَّى الآن بعلم النفس الإيجابي، هو من الأمور الحاسمة هنا.

الباحث أنطوني فيور

وإضافة إلى ما سبق، كذلك ينصح الباحثون والخبراء في مجال دراسات الأوبئة بعدد من التوصيات نكتفي بذكر القليل منها فقط فيما يلي:

أولاً: ضرورة إعطاء الناس أكبر قدر صادق ممكن من المعلومات، ومن خلال متخصصين في مجالات الرعاية الصحية، وكذلك ضرورة أن تكون هذه المعلومات دقيقة وحديثة وواضحة عن الوباء وعن مدى تفشيه، وعن واجبات الناس وعن الرعاية الطبية الجسدية والنفسية المُتاحة حوله، وعن الاحتمالات الخاصة بالوصول إلى لقاحات علاجية قريبة لهذا الفيروس القاتل.. إلخ.

ثانيًا: أنه بالنسبة للذين يجلسون في بيوتهم، يمكن القيام بما يلي:

  أ- حاولوا أن تقلِّلوا من الشعور بالملل إلى أكبر قدر ممكن، وذلك من خلال الانشغال بأشياء تحبونها، ومن خلال اللعب مع أطفالكم، أو مشاهدة برامج ومسلسلات وأفلام يحبونها، فمن المهم أن تقلل من وطأة الضغوط وتأثيراتها ليس بالنسبة لك فقط، بل وبالنسبة للموجودين معك أيضًا.

ب- حاولوا أن تشغلوا عقولكم وأوقاتكم قدر الإمكان، بل يمكنكم أن تبدأوا مشروعًا جديدًا أو فصولا تعليمية (أونلاين) أو أن تبدأوا في هواية جديدة، فهناك برامج تعليمية كثيرة على اليوتيوب.

ج- لا تنقطعوا عن الاتصال مع الآخرين ولو عن بعد: تواصلوا مع أفراد العائلة والأصدقاء عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، قوموا بتنظيم جداول للاتصالات اليومية مع من كنتم تتواصلون معهم ومن توقفتم عن التواصل معهم بسبب انشغالات الحياة أيضًا.

ثالثًا: الإيثارية والغيرية أفضل بالتأكيد من الوسواس القهري والتركيز المتكرر على الذات، ولذلك فعليكم أن تساهموا في تخفيف الضغوط على الآخرين الذين يعيشون في حجر منزلي مثلكم، في أي مكان آخر من العالم.

خاتمة الدراسة

ووفقاً لما قالته الطبيبة النفسية جوديت هيرمان فإن الصدمات النفسية نوع من الحزن والأسى والألم المتعلق بالشعور بالعجز أو اللا حول واللا قوة، ففي لحظة الصدمة، قد تتحول الضحية إلى كائن لا حول له أمام قوة هائلة تهاجمه، وأقسى ما تحدثه الصدمات هو ذلك الشعور المتزايد بالفقد، الفقد للحياة، وللبهجة، وللوجود مع الآخرين.

الطبيبة النفسية جوديت هيرمان

 كذلك قد يعاني الأفراد الذين مروا بمثل هذه الحالات من فترات من التفكك أو الابتعاد عن الواقع، ويتجلى ذلك في شعورهم بالاستسلام للمُقدَّر والمكتوب والحتمي، وكذلك في تحولات حالات الوعي لديهم. وقد تُشْبه حالاتهم هذه تلك التي تحدث في حالات الغَشْيَة خلال عمليات التنويم المغناطيسي. فهم يتشابهون معهم في علامات الخضوع أو الاستسلام الحركي الإرادي للقائم بالتنويم، ويشعرون بالهدوء وانعزال الذات أو انفصالها، ويتوقفون عن القيام بمبادرات أو إصدار أحكام نقدية، وقد يشعرون بالتنميل في أطرافهم، وفقدان الحساسية للتنبيه الخارجي، كما قد يقومون بتحريف إدراكهم للواقع أو تشويهه، من خلال حالات اختلال الشعور بالواقع أو الذات. إذ تتوالى الصور الغريبة والمُفكَّكة وغير المترابطة على عقولهم، كما قد يتغير إحساسهم بالزمان والمكان والهوية. كذلك يتولد لديهم إحساس بعدم القدرة على التنبؤ بأي شيء وأيضًا الشعور بالعجز أو اللا حول واللا قوة، خاصة إذا ازدادت عمليات الشعور بالانعزال والوحدة وانقطاع الحياة.

الروائي البرتغالي «جوزيه ساراماجو»، وروايته «انقطاعات الموت»

لا شك أن الإنسان سيخرج من هذا الانقطاع الوبائي وهو أكثر حذرًا لكل مصادر الخطر المرضي، ومنابعه، سواء تمثلت هذه المنابع في سعال مُفاجِئ أو في تلامسات غير- ضرورية مبالغ فيها، أو في أخطار بيئية تتعلق بمصادر شتى للتلوث والمرض، سيكون الإنسان أكثر حذرًا وتشككًا وتنبهًا، لكنه قد يكون أيضًا أكثر خوفًا، وأكثر ميلاً إلى الانسحاب من مواجهة الواقع ومواجهة الآخرين، ومن ثم فربما كان أكثر ما ينبغي أن نخشاه هو أن نعتاد على هذا الانقطاع، أن نفقد الرغبة في التواصل مع العالم الخارجي وأن نعزف عن العمل ومواصلة الحياة، أن ندمن العزلة والتباعد، وأن يتحول هذا الانقطاع المؤقت إلى موت فعلي أو رمزي لا ينقطع كما كان الحال في رواية «انقطاعات الحياة»، أو قد نصبح مثل «بروكس هاتلن» في فيلم «وداعًا شاوشنك» الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه السلسلة من المقالات؛ فنعجز عن مواجهة الحياة بعد أن طال انقطاعنا عنها، وطال انقطاعها عنا.

اقرأ أيضا:

الكورونا وانقطاعات الحياة (1-4) عزلة الكائن التي لا تحتمل

كورونا وانقطاعات الحياة (2-4) صدع في الزمن.. يستدعي فرويد وهيجل

كورونا وانقطاعات الحياة (3-4) الضغوط الكورونيالية: أدرينالين الهرب أو المواجهة؟

د. شاكر عبد الحميد

أستاذ علم النفس - وزير الثقافة الأسبق في مصر

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: