رؤى

الشمول المالي وزيادة فرص عمل النساء في الريف

مفهوم «الشمول المالي» الذي  شاع مؤخرا وحار غير المتخصصين بمجال علم الإقتصاد في معناه بعد أن أعلن البنك المركزي المصري عام 2017 عن تبنيه لسياسة مالية جديدة أطلق عليها «الشمول المالي» تُرى ما هو المقصود بذلك المفهوم؟ وهل راعت تلك السياسة المالية ظروف النساء المصريات مع ما تعنيه النساء من ارتفاع نسبة الأمية خاصة بالريف وإرتفاع معدلات نسبة الأسر التي تعولها نساء؟ وهل يمكن لتلك السياسة المالية أن تضمن مزيد من إتاحة فرص العمل اللائق للنساء خاصة بالريف؟ وما هو طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات والمؤسسات الأهلية المعنية بقضايا النساء والعمل؟ .. تساؤلات عدة طرحتها الدكتورة سلوى العنتري الباحثة المتخصصة في مجال الإقتصاد وقضايا النساء والأستاذة منى عزت مدير برنامج النساء والعمل بمؤسسة المرأة الجديدة في دراستهما التي حملت عنوان: «الشمول المالي وزيادة فرص العمل اللائق للنساء .. ولا سيما في الريف المصري» وصدرت مؤخرا عن مؤسسة المراة الجديدة.

الدكتورة سلوى العنتري
الدكتورة سلوى العنتري

النساء المصريات وسياسة الشمول المالي

تستهل الدراسة تقديمها لقضية العلاقة بين سياسة الشمول المالي وإمكانية زيادة فرص التشغل للنساء بالإشارة إلى تعدد التعريفات التي قدمت لمفهوم «الشمول المالي» إلا أنها على تعددها قد اجمعت على أن المقصود بالشمول المالي يتمثل في «حق جميع فئات المجتمع فى الحصول على الخدمات المالية اللازمة لها من خلال القنوات الرسمية بجودة يعتد بها وتكلفة يمكن تحملها» وبالتالى أصبح المقصود بالشمول المالى للنساء يتمثل في «وصول النساء للخدمات المالية الرسمية الملائمة لاحتياجاتهن بتكلفة مناسبة».

وتتمثل الخدمات المالية فى: «خدمات المدفوعات والتحويلات النقدية، وخدمات الادخار، وخدمات التمويل بأنواعه المختلفة، فضلا عن خدمات التأمين» وتتمثل المؤسسات المالية في مصر بصفة رئيسية فى: «البنوك، مكاتب خدمات البريد، الجمعيات والمؤسسات الأهلية والشركات العاملة فى مجال التأمين متناهى الصغر، وشركات التأمين».

الدراسة تؤكد على أن الأرقام الرسمية الصادرة عن أجهزة الدولة الرسمية وعلى رأسها «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» تشير إلى أن ما يقرب من نصف النساء المصريات العاملات يعملن في القطاع غير الرسمي، وأن الغالبية العظمى منهن يعملن لدى الأسرة بدون أجر وبدون حماية قانونية أو تأمينات اجتماعية أو صحية، وهو ما يعني ضمنيا أن تحقيق هدف التمكين الإقتصادي للنساء يتطلب ليس فقط زيادة فرصهن في العمل للسوق، ولكن بالأساس أن يكون ذلك العمل بأجر نقدي، إلى جانب ضرورة توافر شروط عمل لائقة.

لفتت الدراسة الانتباه إلى نتائج دراسة سابقة صدرت عن مؤسسة المرأة الجديدة تحت عنوان: «عمل النساء في السوق بدون أجر .. العمل لدى الأسرة في المجال غير الرسمي بمصر» والتي أنتهت إلى أنه وعلى الرغم من ان النساء العاملات لدى الأسرة بدون أجر يعملن للسوق فإن عملهن هذا لم يؤد إلى تعزيز حريتهن في الإختيار أو شعورهن بذواتهن وحقوقهن ولا مكانتهن داخل الأسرة، ذلك أنه بإستثناء حرية التنقل فإن وضع النساء العاملات لدى الأسرة بدون أجر بمختلف الجوانب المتعلقة بمكانتهن داخل الأسرة، بما يتضمنه من مشاركة في اتخاذ القرار والموقف من العنف الجسدي، يأتي في مرتبة أدنى ليس فقط مقارنة بالنساء العاملات بأجر، ولكن أيضا مقارنة بالنساء «ربات البيوت» اللائي لا يعملن للسوق.

عمل النساء في مصر بدون أجر
عمل النساء في مصر بدون أجر

خبرات وتجارب المؤسسات الأهلية والنساء المستفيدات

اعتمدت الدراسة في جمع المادة الميدانية على آلية عقد مجموعة من ورش العمل تم تنظيمها مع مجموعة من النساء المشتغلات وعدد من ممثلي الجمعيات الأهلية العاملة في مجال التمويل متناهي الصغر إلى جانب إجراء عدد من المقابلات بالاعتماد على أداة «المقابلة المعمقة»، وتم إجراء الدراسة الميدانية بخمس محافظات تنتمي للوجهين البحري والقبلي وهم: «أسيوط والمنيا والبحيرة وكفر الشيخ والفيوم» وأجريت الدراسة على عينة من 12 جمعية أهلية إلى جانب عينة من النساء بلغت 46 سيدة يعملن بالمشروعات متناهية الصغر وقد تم التوصل إليهن عبر تلك الجمعيات الأهلية العاملة بمجال المشروعات متناهية الصغر.

الجمعيات الأهلية التي تم إجراء الدراسة عليها عبارة عن مجموعة من الجمعيات التنموية التي تخضع لأحكام قانون المؤسسات والجمعيات الأهلية رقم 149 لسنة 2019، وتنهض أغلب تلك الجميعات على رؤية تنموية في تلبية الإحتياجات وتجمع بعضها بين الرؤية التنموية والخدمية، حيث تقدم إعانات وخدمات مباشرة للنساء بصفة خاصة وللمجتمع المحلي بشكل عام.

هذا وقد تعددت الجهات التي تحصل منها تلك الجمعيات والمؤسسات على القروض وكان من بينها مؤسسة ساويرس للتنمية، ومشروع تطوير المرأة الريفية التابع لوزارة التضامن الإجتماعي، وجهاز تنمية المشروعات الصغيرة، إلى جانب عدد من الجهات المانحة، بالإضافة إلى البنوك مثل البنك الأهلي المصري، وعدد غير قليل من الشركات التي تقدم الخدمات المالية غير أن أغلب تلك الشركات كانت تفضل التعامل مع النساء بشكل مباشر دون وسيط بينهما.

نساء عاملات

اختلفت قيمة الفائدة على القرض من جهة إلى أخرى وبحسب طبيعة المشروع وقد بلغ الحد الأدنى لقيمة الفائدة 5%  وتراوحت في بعض الأحيان ما بين 14% و21% وهى تسدد وفقا لنظام الأقساط الثابتة، أما عن قيمة القرض ذاته فقد ترواح ما بين جمعيات تبدأ بقرض تبلغ قيمته خمسمائة جنيه ويصل إلى خمسة وأربعين ألف جنيه وتبدأ جمعيات أخرى بقرض قيمته ألفين جنيه ويصل في حده الأقصى إلى خمسين ألف جنيه.

عقبات على الطريق

تعددت الصعوبات التي واجهت النساء المقترضات وبدأت تلك الصعوبات بإعطاء بعض المقترضات القرض لأزواجهن ومن ثم إنفاقه في غير غرض القرض أو المشروع المخصص له، هذا إلى جانب عدم تقبل المجتمع المحلي خاصة بالريف في بعض الأحيان للمشروعات التي تديرها نساء، حيث مازالت النساء يتعرضن للإنتقاد نتيجة خروجهن للعمل وإضطرارهن في بعض الأحيان للخروج خارج القرية لشراء البضائع أو مستلزمات الإنتاج، حيث مازالت الشائعات تلاحق النسوة اللاتي يخرجن على المألوف في مجتمعهن المحلي والمشكلة الأكبر التي مازالت تعاني منها الكثير من النساء الريفيات تتمثل في الأمية ما يجعلهن يجدن صعوبة في إنهاء إجراءات الحصول على قرض أو إدارة المشروع وحساباته المالية، هذا إلى جانب تلك المشكلات المتعلقة بالتعثر في سداد أقساط القرض وضعف خبرة النساء بمجال إدارة المشروعات وإعداد دراسات الجدوى.

الأزمة الحقيقية لا تقتصر على  ضعف مستوى خبرات وتأهيل النساء فحسب، ذلك أنه على الجانب الآخر أكدت الدراسة على أن هناك  قصور واضح فى شبكة وحدات البنوك و المؤسسات العاملة فى مجال التمويل متناهى الصغر وخاصة فى الريف، ويمثل بعد المسافة عن تلك المؤسسات أحد العوائق الهامة التى تحول دون وصول النساء إلى الخدمات المالية الرسمية.

وعلى الرغم من أن الدرسة تشير إلى أن برامج الشمول المالي المطروحة حاليا قد ركزت على ضرورة أن تتوسع المؤسسات المالية الرسمية فى استخدام الوسائل الإلكترونية المختلفة «انترنت، بطاقات الكترونية، موبايل، ماكينات صارف آلى» وبرغم أن تلك الوسائل يمكن أن تساعد على حل مشكلة بعد المسافات، إلا أن الاستفادة منها تصطدم بحقيقة ارتفاع نسبة الأمية بين النساء، ولا سيما فى الريف.

ومن ناحية أخرى بإستثناء مكاتب خدمات البريد والبنك الزراعى المصرى، يتسم الحد الأدنى لفتح حساب ادخارى فى البنوك المصرية، بوجه عام، بالارتفاع بما يفوق إمكانيات شريحة كبيرة من النساء وخاصة فى الريف المصرى، وهو ما من شانه أن يحد من مدى استفادة النساء من تلك الخدمات فى تكوين الحد الأدنى من المدخرات التى يمكن استخدامها لبدء نشاط اقتصادى.

النساء العاملات في الريف
النساء العاملات في الريف

أبرزت نتائج الدراسة أن خدمات تمويل المشروعات المتاحة حاليا للنساء لا تتسم بالجودة والكفاءة اللازمين للقيام بدورها في زيادة فرص حصول النساء على العمل الحر والمضي قدما بمجال ريادة الأعمال، وضربت المثل بجهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر الذي يتمتع بالقدرة على توفير التمويل الميسر وتوفير خدمات المشورة والدعم الفني والتدريب للنساء، إلا أنه يعتمد بشكل أساسي على وجود وسطاء للقيام بهذا الدور وهو ما يسلب التمويل الميسر ميزته الفريدة نتيجة لوجود حلقات الوساطة تلك.

الكارثة الكبرى التي تعاني منها برامج التمويل المتاحة للنساء تتمثل في عدم توفر الخدمات غير المالية فبإستثناء جهاز تنمية المشروعات وبعض الجمعيات الأهلية الكبيرة، تفتقر برامج التمويل الممنوحة من كافة المؤسسات المالية الرسمية إلى خدمات الدعم الفنى والتدريب والتسويق وغيرها من الخدمات التى تحتاج إليها النساء عند دخولها مجال العمل الحر.

على المستوى المؤسسي الرسمي تعاني المؤسسات المالية الرسمية: «مكاتب البريد والبنك الزراعي المصري وبنك ناصر الإجتماعي» من ضعف في مستوى الأداء وذلك نتيجة ضعف معدلات الميكنة والإعتماد على العمل اليدوي، إلى جانب التواضع الشديد في شبكة الصرف الآلي.

رؤية نحو المستقبل

لم تكتفي الدراسة بتشخيص الوضع الراهن بل حرصت على تقديم رؤية مستقبلية خاطبت بها مختلف الأطراف المعنية مشيرة إلى أن سياسة الشمول المالي تعد احد الشروط الضرورية لزيادة فرص التحاق النساء بالعمل الحر، إلا أنها وحدها غير كافية لتحقيق هذا الهدف المنشود بل يستلزم ذلك وجود استراتيجية متكاملة لدعم وتنمية المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ترتبط بالمشروعات الأكبر حجمًا، في إطار رؤية شاملة لاستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تقترن باستراتيجية تستهدف مواجهة المعوقات الثقافية والاجتماعية وصور التمييز المختلفة التى تحول دون مساهمة النساء فى النشاط الاقتصادى.

أوصت الدراسة بضرورة إتباع عدد من الإجراءات المتمثلة في تبنى المجلس القومي للمرأة مبادرة لمحو أمية النساء الريفيات واستخراج بطاقات الرقم القومي لهن، تقوم بتنفيذها الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمعات المدني، وتقوم وزارة التعاون الدولي بتوفير التمويل اللازم لها.

المجلس القومي للمرأة
المجلس القومي للمرأة

كما أوصت بضرورة الإسراع باستكمال مشروعات تطوير وإعادة هيكلة كل من مكاتب خدمات البريد والبنك الزراعي المصري لتفعيل دورهما المتوقع الكبير في توصيل الخدمات المالية الرسمية الملائمة للنساء وخاصة في الريف، هذا إلى جانب إخضاع الشقِّ المصرفي من نشاط بنك ناصر الاجتماعي لرقابة البنك المركزي المصري، وإعادة هيكلة البنك ماديًّا وفنيًّا وإداريًّا، ومدُّ شبكة فروعه في الأقاليم.، إضافة إلى قيام كل من البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية ووزارة التضامن الاجتماعى بتيسير الشروط اللازمة لمد شبكة فروع كل من البنوك والجمعيات الأهلية والشركات العاملة في مجال التمويل متناهي الصغر.

على الجانب الآخر أوصت الدراسة بضرورة التوسع في خدمات مركز تنمية مهارات المرأة، التابع للمجلس القومي للمرأة، في مجال تزويد النساء بالمعلومات والمهارات اللازمة لتأسيس وإدارة مشروع صغير واستدامته، إلى جانب التنسيق بين كل من المجلس القومي للمرأة وجهاز تنمية المشروعات فيما يتعلق بتبني قضايا تعريف النساء في الريف بفُرص الاستثمار المتاحة والأفكار الجديدة للمشروعات، وطريقة تقييم قدرات النساء من حيث مدى الصلاحية لريادة الأعمال والمساعدة في إعداد دراسات الجدوى إضافة لتوفير خدمات التدريب والتزويد بالمهارات.

تختتم الدراسة توصياتها بالتأكيد على ضرورة تبني المجلس القومي للمرأة بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني النسوية، الدعوة إلى تذليل العقبات التشريعية أمام إنشاء وتفعيل التعاونيات الإنتاجية والتسويقية باعتبارها إحدى الآليات الداعمة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للنساء.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: