عام

“أنا نجيب محفوظ”.. سيرة ذاتية لأديب نوبل “لم يكتبها بنفسه” 

الصدق والاعتراف يحتاجان لشجاعة كبيرة، لا تتناسب مع مجتمعاتنا؛ فحياتنا الاجتماعية لا تتحمل الصراحة، بل تفضل دائما الأمور المحسنة أو المعدلة، بينما ميزة السيرة الذاتية تكمن في صراحتها، وأن يكون كاتبها صادقًا وهو يقدم نفسه للناس حتى لو كانت هناك أشياء مؤلمة أوقاسية فلابد أن يعترف بها بكل الصدق والصراحة، ونحن لا نعترف بأدب الاعتراف لأننا بالفعل نطلب في مثل هذه الأعمال مراعاة العادات والتقاليد والأخلاق، وغيرذلك بدعوى أنها أمور مطلوبة في العمل الأدبي، حتى يكون صالحًا للنشر، ويقرأه الصغير والكبير في آن واحد.

أما السيرة الذاتية عند أدباء الغرب فكثيرًا ما تكون اعترافات يميطون فيها اللثام عن مساوئهم التي تصل إلى حد الخطايا لا الأخطاء؛ لأن الثقافة الغربية لا تجد غضاضة في مثل هذه الصراحة، أما في أدبنا العربي فلا نجد كاتبًا سجل ما ارتكبه من آثام، باستثناء محمد شكرى في ” الخبز الحافي” لأنهم محكومون بالتقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية، خشية نبذهم من المجتمع والتعرض للكثير من المشاكل.

الخبز الحافي
الخبز الحافي

السيرة الذاتية تحتاج إلى الصدق والصراحة وإذا لم يستطع الكاتب ذلك فالحل الذى يتجه إليه أغلب الكتاب في عالمنا العربي هو أن تتحول السيرة الذاتية لعمل فني تتوه فيه الأسماء والشخصيات لتبقى سرًّا مدفونًا، وربما هذا هو السبب الحقيقي الذي من أجله لم يكتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية.أو كتبها ومزقها كما ورد بهذا الكتاب

يقول الكاتب الصحفى إبراهيم عبدالعزيز في مقدمته لكتابه أنا نجيب محفوظ: “وقد شغلتنى كما شغلت الكثيرين من محبي الأستاذ نجيب محفوظ وعارفي فضله على الأدب العربي قضية: كيف لا يكون لمن حصل لهذا الأدب على الاعتراف بعالميته، سيرة ذاتية؟ إنها خسارة وأية خسارة؟ ولكن ماذا نفعل وللأستاذ أسبابه الخاصة والعامة، فإذا كان المجتمع لم يحتمل نشر رواية له هي ( أولاد حارتنا ) والممنوع طباعتها في مصر، وكاد أن يُغتال بسببها، مع أن الأجانب الذين منحوه جائزة نوبل قد قرأوا موضوعها على أنه البحث الأزلي للإنسان عن القيم الروحية، فما بالك بقصة حياة كاتبها، وكيف يستطيع بصدقه وأمانته مع نفسه أن يواجه المجتمع بظروفه وقيوده “.

يمتاز هذا الكتاب  بخصوصية عن بقية الكتب التي تم تأليفها عن نجيب محفوظ، وذلك لاعتماد الكاتب في جمع مادته على عشرات الحوارات التي أجريت مع نجيب محفوظ على مدى سنوات عمره، والكثيرمن الكتب والمقالات أيضًا التي استطاع أن يستخلص لنا منها سيرة ذاتية مباشرة لمحفوظ، بلورها في سياق متصاعد منذ الطفولة حتى أواخر أيامه.

لذا فهو ينضم إلى قائمة المراجع المهمة التي تؤرخ لهذا العملاق بتتبع سيرته الذاتية التي بثها في أقواله وأحاديثه وتصريحاته على مدى سنوات عمره واصفًا إياها بصورة ممزقة إلى قطع صغيرة وفتافيت مبعثرة، عمل على جمعها ليرسم صورة لأديبنا العالمي تراعي قدر الإمكان تسلسل مراحل حياته من الطفولة إلى الكهولة وما حفلت به من كفاح أدبي وتشابك مع قضايا المجتمع وهمومه وآحداث الوطن بآماله وانتصاراته وانتكاساته، حريصًا على أن يكون المتحدث الوحيد فيه هو نجيب محفوظ نفسه.

يفتتح الكاتب كتابه بمقدمة لنجيب محفوظ تعقبها شهادة لتوفيق الحكيم عن نجيب محفوظ واصفًا إياه بـ ” أبو الرواية”.

ثم مقدمة للكاتب نفسه يسرد فيها كيف أن نجيب محفوظ كتب سيرته الذاتية وقام بتمزيقها واصلاً بنا إلى مرحلة من اليأس والإحباط على حد قوله، لأننا فقدنا هذه السيرة المخطوطة بخط نجيب محفوظ نفسه،  لهذا كأنه عزم على كتابة سيرة نجيب محفوظ ما دام لم يسجلها هو بنفسه.

الأغاني

لم يحرمنا محفوظ من ملمح مهم في حياته،  حين أرخ لها بأشهر الأغاني التي سمعها منذ الطفولة إلى الشيخوخة مرورًا بالمراهقة، فالأغاني من وجهة نظره تدون السيرة الذاتية في ملحمتها المتفردة، وذلك كما قدمت لها الأديبة سناء البيسي على صفحات مجلة نصف الدنيا، وتنبع أهميتها من اعتراف نجيب محفوظ بها، وهى المرة الأولى والأخيرة التي أكد فيها بقلمه وخطه أنها سيرة ذاتية لحرفوش من الحرافيش كما دونتها الأغاني، ودونها الكاتب في كتابه خوفًا عليه من الضياع الذي يصيب غالبًا أي نص ينشر في الصحف.

طفولتي وصباي وأحلامي

في هذا القسم من الكتاب يورد الكاتب أحاديث محفوظ  عن ميلاده وذكريات الطفولة بالحسين والعباسية وألعاب الشارع وذكريات شهر رمضان وعشقه للسينما ومرحلة بدايات القراءة، ومرحلة الدراسة بمدرسة فؤاد الأول وبدايات تذوقه للسياسة في الفترة ما بين 1925:1930 واشتراكه في حزب الوفد وفضل معلّم اللغة العربية الذى وجهه لقراءة الأدب والتراث ولم يكن يتقيد بالمنهج في حثه على القراءة ثم النشر في الصحف وكتابة المقالات وشغفه بالموسيقى وأحاديث عن حب الفن التشكيلي.

نجيب محفوظ صغيرًا
نجيب محفوظ صغيرًا

نقاط مهمة في حياة نجيب

تحدث نجيب عن ثلاثة نقاط فارقة أو توقفات في حياته:

* التوقف الأول:

كان عن استكمال دراستة الفلسفة واختياره للأدب يقول: ” كان لابد أن أختار بشكل نهائي وحاسم، وكان أن اخترت الأدب”

وعن أثر الفلسفة يقول: ” علمتنا ألا نتسرع في الحكم، ونتأمل الأشياء، وكيف نتسامح لدرجة غير مخلة، لأن لكل شيء أكثر من وجه، وكل موقف له وما عليه، علمتنا الفلسفة النظرة الكلية للأشياء، ننظر للشجرة وننظر معها للحديقة، وفي أشد الأزمات تعقيدًا كانت الفلسفة تعطينا قدرًا كبيرًا من العزاء العقلي ثم لماذا أغفل فضل الفلسفة على كتاباتي؟

*مرحلة التوقف الثانية:

حيث تحدث عن ميله لكتابة التاريخ وكان قد هيأ نفسه لكتابة تاريخ مصر القديمة كله في شكل روائي على نحو ما صنع ” وولتر سكوتط في تاريخ بلاده، وأعد بالفعل أربعين موضوعًا لروايات تاريخية، كتب منها ثلاثة بالفعل هي ” عبث الأقدار” و”رادوبيس” و” كفاح طيبة”.وفجأة إذا بالرغبة في الكتابة تموت في نفسه!

عبث الأقدار ورادويس وكفاح طيبة
عبث الأقدار ورادويس وكفاح طيبة

*المرحلة الثالثة ” التوقف الثالث”

وبعد التوقف عن الكتابة التاريخية وجد نفسه يتحول إلى الواقعية في القاهرة الجديدة وظل غارقًا في هذه المرحلة حتى الانتهاء من الثلاثية في إبريل عام 1952وبقيام ثورة يوليو توقف عن الكتابة في هذا الاتجاه الواقعي النقدي بموت الدافع عنده للاستمرارية وتصور وقتها أنه أنهى مهمته كأديب، فكان التوقف الثالث.

الأساتذة

أما عن أساتذته فيذكر فضل توفيق الحكيم واصفًا إياه بالمعلم الحقيقي للأشكال الأدبية الحديثة، يقول: أنا تعلمت في الجامعة الفلسفة، ولكن تعلمت الأدب الحقيقي في أدب توفيق الحكيم “ومن كثرة اعتزاره بفضل الحكيم أورد الكاتب حديثًا في فصل كامل عن جائزة نوبل قائلا:

” واعتقد أنه لو كان الحكيم حيًا – عندما اتجهت الجائزة نحو العرب أخيرًا- لكانت قد أعطيت له… ولو كان الله قد شاء أن يمد في عمره لكانت جاءته قبل أن تأتيني…”

أما عن العقاد يقول: إنه خلق عنده غريزة، أولها قيمة الأدب كفن سام لا وسيلة تكسب، وكيف كان يرتفع بالفن إلى مستوى الرسالة المقدسة، وثانيها أهمية الحرية في الفكر وفي حياة الإنسان عمومًا، وتحدث عن نبوءته التي تحققت بأن نجيب محفوظ يستحق نوبل.

ولا ينسى مرحلة التأسيس الأولى بلغة طه حسين والمنفلوطي في كتاباته التي لم ينشرها.

أنا والثورة

القسم الثاني من الكتاب يذكر فيه الكاتب على لسان محفوظ علاقته بالثورة وبعبدالناصر والسادات من بعده:

“ولقد تصديت لنقد الزعيم الراحل، من موقع الانتماء إلى ثورته، مقرا في الوقت ذاته بتراثه الثوري العظيم. وما تصورت فيه من نقص فهو النقص الذي يلحق لسوء الحظ بكبار الرجال لا النقص الذي يقع فيه ضعاف النفوس ممن تغريهم الدنيا “

في هذه المرحلة من عام 1952: 1957 توقف عن الكتابة بعد أن فقد رغبته في فيها بشكل مفزع، وتحول فيها إلى كتابة السيناريو.

أما بخصوص مرحلة العودة للكتابة اعتبرها البعض معارضة للثورة، بينما اعتبرها هو بمثابة دعوة للديمقراطية التي لم تحققها ثورة 52على الرغم من أنها في نداءاتها ومبادئها كان أهم ما بشرت به. فكانت “ميرامار” تعرية للتسيب ولذلك اعتبرت نذيرًا للهزيمة:

” ثرثرة فوق النيل” تحدثت عن عزلة المثقفين والشعب عن المسئولية.

” الحب تحت المطر” صورت التناقض الحاد بين حارة ومدينة غارقة في اليأس.

“الكرنك” جهاز الرعب الذي اقتلع روح أبناء الثورة.

“شهر العسل “: ووجوب التغييرالجذري.

وقصة “الخوف “التي يقول عنها إنها واقعية عن ضابط أدّب فتوات الحسينية، والرمز هنا للثائرالذي ما إن يجلس على الكرسي حتى يتحول إلى تقمص الاستبداد الذي ثار عليه، إنها تتحدث عن طبيعة إنسانية، وتكشف نوعًا من الثوار هم في أعماقهم مستبدون كالذين يحاربونهم.

جمال عبد الناصر ونجيب محفوظ والسادات
جمال عبد الناصر ونجيب محفوظ والسادات

وعن علاقته بالسادات يقول:

” ليس هناك تأييد مطلق ولا معارضة مطلقة، أنا كنت مع السادات قلبًا وقالبًا في السادس من أكتوبر وكذلك في محاولته من أجل السلام، لم أكن ناصريًّا ولم أصبح ساداتيًا، أنا وطني مصري ولم أتغير.”

وتحت عنوان كيف أكتب، يتطرق نجيب محفوظ عن رحلته مع الكتابة وتجريبه لكل أنواع الكتابة واستفادته من كتابة السيناريو كثيرًا من حيث الوعى بالإيجاز والتكثيف والاقتصاد في القول وما له من مردود حيوي على العمل الفني.

أصدقاء محفوظ

في هذا الفصل رحلة ممتعة عن صداقاته وهي من أكثر السعادات التي يحظى بها الإنسان في الحياة…هى نوع من الحب النقي، بل أكثر نقاء من الحب المألوف وأكثر دوامًا…وتنوعت مراحل الصداقة في حياة محفوظ؛ فهو يجمع بين ثلاثة أجيال من الصداقة: الجيل القديم أصدقاء العباسية، وجيل الحرافيش، وجيل قهوة ريش.

هنا يحدثنا عن دور المقهى في حياته وتنقله بين الكثير من المقاهي، منذ سنوات الدراسة الأولى حيث كان يجلس مع والده على قهوة ” الكلوب المصري” ثم مرحلة الثانوي وارتياده المقاهي مع أصدقائه من قشتمر لمقهى إيزيس، ومقهى عرابي الذى كان يرتاده أكابر العصر، مرورًا بسيدنا الحسين، ومقهى الفيشاوي وسهراتهم فيها التي لا تدانيها أية متعة أخرى.

ويحكى عن مجلس الحكيم وجلسة بترو الصباحية، وعن أصدقائه الذين كان لقاؤهم نزهة روحية سنوية بالنسبة له، وهنا يحكي لنا عن أول يوم ذهب فيه إليها وكيف استقبله الحكيم وقتها:

” استقبلني الأستاذ بلطفه المعهود، ورأى بثاقب نظره أن يضيء لي السبيل فقال لي: ممكن أطلب لك فنجان قهوة على حسابي وستضطر أن تطلب لي غدًا فنجانًا على حسابك، بدلا من ذلك التعب فليدفع كل حسابه بنفسه. فقلت له: إذا كان ما يمنعك هو خوفك من أن أضطر أن أطلب لك فنجان قهوة غدًا فإني أعدك ألا أطلبه، وممكن تطلب لي الفنجان وأنت مرتاح. ولكنه ضحك وقال: وهل يعقل هذا وأنت باين عليك طيب وابن حلال، اطلب القهوة على حسابك، وقد حصل ومن يومها وأنا أدفع ثمن قهوتي وطلبات ضيوفي طبعًا، بل كذلك طلبات ضيوف الحكيم العموميين أي المعجبين، وارتاح الأستاذ لذلك وقربني إليه وغمرني بعطفه”.

توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأم كلثوم
توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأم كلثوم

المرأة :الحب والزواج

يعترف محفوظ بأن شخصية كمال عبد الجواد في الثلاثية هي شخصيته وتتشابه إلى حد كبير مع قصة حبه الأول. أما عن المرأة في عالمه فهى مفتاح التطور الفني والأدبي بالذات، وعلاقتها بالرجل عنصر جوهري في كل عمل فني؛ ولذلك فإن الزاوية التي يُنظر منها إلى المرأة في العمل الأدبي تصبح مقياس الكشف عن موقف الكاتب من التطور، وعن زواجه من زوجته  عطية الله يقول:

” كانت زوجتى خير معين لي على رحلتي مع الكتابة، إذا كانت تقوم بالواجبات الاجتماعية بدلاً منى وبذلك تعفيني من الحرج، وتتيح لي أن أكتب، فأنا أكتب، وعندما أكتب أقوم بذلك في وقت معين، وقد يحدث أن يجيء زوار من الأهل مثل أخي أو أختى وأنا أكتب، فكانت زوجتي تجلس معهم، حتى لا أنشغل عن الكتابة”.

أما المرأة المومس فتناولها ليضرب بها نماذج في المجتمع تتسم بالعهر الفكري أو الدعارة السياسية، ومعنى هذا أنه حاول القول بأن المومس مضطرة غالبًا، أما الأشكال الأخرى للبغاء الفكري والسياسي فما هي حاجة أصحابه إليه؟

المقارنة ستتولد تلقائيًّا عند القارىء في مجرى الأحداث حتى أنه قد يفاجأ بأن المومس في طبيعتها مثلا في ” السمان والخريف ” هي أقرب إلى الرمز السياسي، وأحيانًا تصبح في حالة عشق حقيقي كما هو في حالة نور في اللص والكلاب.

جائزة نوبل

ولأهمية حصول محفوظ على جائزة نوبل، يكون من الصعوبة بمكان عدم ذكرها في أي كتاب يتعلق بسيرته أو بحياته أو حتى بما يخص كتاباته:

” إننى سعيد لأننى كسرت القاعدة…التي تقضي بأن الحصول على أي شىءالآن _ دع عنك هذه الجائزة_ إنما يقتضي مسلكًا خاصًا يقوم على قاعدة انتهازية وعلاقات عامة واتصالات دائمة بهنا وهناك، أنا لا أقول إنني وضعت جديدا، أقول فقط إننى كسرت القاعدة السائدة وقدمت درسًا لكل المجتهدين والجادين”

ويختتم الكاتب كتابه هذا بحديث للسيدة عطية الله تتحدث فيه عن زوجها  نجيب محفوظ وعن رحلتها معه منذ عام1954 وأهم المحطات في حياتهما، وتنقلاتهما إلى جانب طقوسه في الكتابة والقراءة ومقابلة الأصدقاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: