رؤى

المفاهيم المؤسسة للإسلام السياسي المتطرف: النكاية (8)

ما إن يموت واحد من المفكرين والأدباء والفنانين المدنيين الكبار حتى تسارع كتائب جماعات متطرفة إلى القول: “نفق فلان”، وهو فعل يطلق على الموتى من الحيوانات. ويتعجب عموم الناس من هذا القول الإخواني، وينعتون أتباع الجماعة بأنهم قوم شامتون شتامون، لكن الأغلبية الكاسحة من المتعجيبن لا يدركون أن هذه الشماتة يبررها أتباع جماعة البنا على أنها واقعة في قلب “فقه النكاية”.

وقد بلغ هذا المسار مداه مع تنظيم داعش، الذي يعد النكاية المرحلة الأولى في طريقه إلى السيطرة التامة على بعض الدول، والتي تمر بإدارة التوحش، حيث الإفراط في القتل والتدمير بغية إنهاك الدولة القائمة، وإسقاط سلطتها المركزية.

ويستند المتطرفون في تبرير النكاية

ويعتمد تطبيق “النكاية” على استخدام القوة العنيفة بلا تردد، وهو جزء من منهجية “جماعة الإخوان المسلمين” نفسها، حسبما  قال مؤسسها حسن البنا فى رسالة المؤتمر الخامس: “أما القوة فشعار الإسلام فى كل نظمه وتشريعاته، فالإخوان المسلمين لا بد أن يكونوا أقوياء ولا بد أن يعملوا فى قوة”.

وفي مطلع 2015 أصدر القيادي الإخواني محمد كمال، الذي لقي مصرعه على يد قوات الأمن، دراسة مصغرة بعنوان “فقه المقاومة الشعبية”، استكمل بها دراساته السابقة فيما أسماه التأصيل الشرعي لوجوب مناهضة النظام الحاكم، مثل دراسات “زاد الثائر” و”دليل السائر” و”كشف الشبهات”، وهي جميعها تعد مرجعية لدى شباب في الجماعة، الذي انخرط في العنف المادي.

تعاملت الدراسة مع الرئيس الراحل محمد مرسي بصفته “أول إمام تنعقد له بيعة صحيحة”، ومع الدستور الذي صدر عام 2012 على أنه “عقد البيعة”، وأن الشعب بموافقته على “الإمام” و”العقد” يجب أن يلتزم بطاعة مرسي وحمايته، واصفا نظام حكم ما بعد إسقاط الإخوان بأنه قد جمع رذائل البغاة والخوارج والمحاربين، أي المعتدين الخارجين على الملة، وعلى الإمام الشرعي، وبذا يستحقوا حد الحرابة، وإعمال فقه النكاية فيهم، بقتالهم واستحلال أموالهم.

ويضع القيادي الإخواني عدة خطوات لتنفيذ تلك النكاية تحت لافتة “مراحل قتال النظام ورد الصائل”، تبدأ لديه بالتذكير عبر المؤتمرات والتظاهرات، ثم التهديد، بعدها يأتي الضرب، الذي يبدأ بمناوشات خفيفة مع قوات الأمن، ثم القتل، واغتيال رموز القوى المدنية التي وقفت ضد حكم الإخوان، وبعدها الدخول في عملية إنهاك الدولة واستنزافها، دون التورط في حرب شاملة مفتوحة على كل الجبهات، إنما هجمات نوعية، تتم وفق ما يقتضيه الموقف تأسيسا على ما يسميه “فقه الموازنات”.

ومن هنا بدأت مطالبة “شباب الإخوان” بالإكثار من العمليات النوعية لأن “العمليات الشبابية غير المحسوبة على التنظيمات الكبيرة، يمكنها أن تسدد ضربات موجعة”، كما طالب قيادات الإخوان بألا يتبرعوا بتخطئة هؤلاء الشباب طالما التزموا بالخطوط العريضة للحراك، بل ينبغى أن يدعموهم وإن لم يكن فى العلن أو على المستوى الرسمى. وهذا بالطبع يفسر كثير من العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر في سنوات ما بعد رحيل الإخوان عن الحكم، ولم يعلن أحد مسؤوليته عنها.

إحدى التفجيرات الإرهابية في شمال سيناء
أحد التفجيرات الإرهابية في شمال سيناء عام 2019

وعلى التوازي مع الإخوان أخذت النكاية مداها لدى داعش، تحت لافتة “ضربة عصا على رأس العدو”، وهي تمثل المرحلة الأولى في مشروع التنظيم الإرهابي، وتقوم على إنهاك المجتمعات التي يحتلها التنظيم، توطئة للتحكم فيه وفق ما يسمى “إدارة التوحش”  التي يتبعها ما يعتقد هذا التنظيم الإرهابي أنه “التمكين”.

وتعني “شوكة النكاية والإنهاك” استمرار الهجوم بلا هوادة بغية إنهاك الحكومة المركزية حتى تتخلى عن إدارة المنطقة التي يقصدها داعش، وهي تبدأ بعمليات محدودة لا تتوقف، ثم تتصاعد فستهدف تدمير البنية التحتية بالكامل، على يد خلايا أو مجموعات إرهابية منفصلة، تنشط في كل الدول المسلمة، حتى تعج بالفوضى، ولا يكون أمام مجتمعاتها من سبيل سوى القبول بحكم داعش.

وتجري النكاية وفق خطوات محددة، أولها إنهاك القوات الحكومية والمتعاونة معها وتشتيت جهودها، ومنعها حتى من التقاط أنفاسها عبر عمليات متواصلة، وإن كانت محدودة. وثانيها العمل على تعبئة إرهابيين من كل حدب وصوب لخوض هذه المعارك. وثالثها إخراج المناطق المستهدفة من قبضة السلطة المركزية. ورابعها تدريب المجموعات الإرهابية على مختلف فنون القتال، وتأهيلهم للقيام بالمرحلة التالثة التي تسمى “إدارة التوحش”.

داعش
داعش

وتصورت داعش أن نجاح شوكة النكاية، وحدوث التمكين لها في بقعة من الأرض، سيكون نقطة انطلاق نحو ما تسميه فتح البلدان المجاورة، ومنها يمضي مقاتلوها في كل الأرض، للسيطرة على كافة البلدان، حتى في شرق آسيا وأعماق أفريقيا، وأوروبا والأمريكيتين.

وترفض دراسات فقهية وسياسية عديدة التعامل مع “النكاية” على أنها نوع من الجهاد، وتنظر إليها باعتبارها عمل وحشي، مفرقة في هذا بين بين العنف والجهاد، الذي يتعدى فقهيا القتال ليبدأ بمجاهدة النفس، ومشروط بمبادئ أهمها: الوفاء بالعهد واحترام الإنسانية. من ثم فإن التجويع والتشفي والإضرار محرمة شرعا، وإن سماه أصحابه جهادا، ففي النهاية فإن الجهاد لا يحل حراما موجود بإفراط في تطبيق مسألة النكاية.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: