رؤى

حديث قطع الرؤوس.. ما لم يقله لنا “إيمانويل ماكرون”

ما أكثر ما نسيه او تناساه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه الذي بدا في ظاهره تابيناً للمدرس الفرنسي الذي قُتل في عملية ذبح بشعة وفي جوهره مغازلة من الرئيس لليمين الفرنسي المتطرف عبر ترديد نفس منطقه.

فات السيد ماكرون أن ما تعرض له المدرس هو أمر يجرِّمه الدين الإسلامي٫ تلك العقيدة التي وصفها ماكرون في خطاب آخر أنها “تعاني من أزمه”.

لا يدرك ماكرون٫ شأنه شأن أسلافه الذين سبقوه إلى تبوؤ نفس المنصب٫ أن الخطاب القرآني يحرِّم قتل النفس البشرية أياً كانت إلا بالحق أي في حالة القصاص٫ وإن ذات الخطاب اعتبر أن من يسفك دم فرد واحد كمن قتل الناس جميعاً.

تحدث السيد ماكرون عن المدرس القتيل باعتباره كان يمثل فكرة “الحرية” في حد ذاتها٫ إلا أن ماكرون ومن سبقوه يضنون بهذا الوصف على 233 ألف جندي شكلوا أكثر من نصف جنود الجيش الفرنسي الحر الذي شكله الجنرال شارل ديجول لتحرير فرنسا من الاحتلال النازي إبَّان الحرب العالمية الثانية وكانوا من أبناء المستعمرات الفرنسية في شمال وغرب أفريقيا: مثل الجزائر وتونس والمغرب وكان أغلبهم – بطبيعة الحال – من المسلمين.

جنود فرنسا المسلمين
جنود فرنسا المسلمين

وتم الدفع بهولاء الجنود مع غيرهم من أبناء المستعمرات في أتون الحرب محققين لفرنسا أول نصر في الحرب منذ هزيمتها واحتلالها من قبل ألمانيا النازية عام 1940.

كما لم يذكر السيد ماكرون أن الحرية التي تعد إحدى شعارات الثورة الفرنسية الثلاث “حرية – إخاء- مساواة” لم تشفع للكاتب الفرنسي روجيه غارودي حين شكك في الرواية الصهيونية عن المحرقة النازية في كتابه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” والذي تسبب في صدور حكم على الكاتب بحظر مؤلفاته وتغريمه آلاف الفرنكات الفرنسية.

روجيه غارودي
روجيه غارودي

كما لم يدن ماكرون الذى رأى في إعادة مجلة “شارلي إيبدو” نشر الرسوم المسيئة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) نوعاً من الإبداع٫ لم يُدن انتهاك الحرية المتمثلة في انسحاب عدد من نواب البرلمان الفرنسيين من اجتماع حول كورونا والشباب بسبب حجاب «مريم بوجيتو» رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا.

مريم بوجيتو
مريم بوجيتو

وفي حين ذرف ماكرون الدموع على المدرس الذبيح لم يشر بكلمه واحدة الى الآلاف الذين ذُبحوا على يد فرنسا في مستعمراتها حول العالم.

لم يقل ماكرون أن حصد الرؤوس كان أحد الأساليب المفضلة لدى المستعمرين الفرنسيين وأن نابليون بونابرت٫ أحد أبرز أبطال فرنسا العسكريين٫ استخدم هذا الأسلوب ضد المصريين في أعقاب ثورتهم ضد غزو بلادهم ضمن ما عُرف باسم ثورة القاهرة الأولى٫ حيث لجأ الجنرال إلى المقصله كأداة لعقاب الثوار وإلقاء رؤوسهم المقطوعة في شوارع القاهرة ليكونوا عبرة لمن يعتبر.

وتكرر الأمر مع ثائر آخر هو سليمان الحلبي٫ طالب الأزهر الذي اغتال الجنرال الفرنسي كليبر٬ إذ لم يكتف الفرنسيون بإعدامه هو وثلاثة من رفاقه بل لجأوا إلى أسلوب عثماني٫ هو القتل على الخازوق وذلك بعد تعذيب الحلبي بوضع جمرة في يده.

وفي حين دُفن جسد الحلبي في مصر٫ احتفظ أحد أطباء الحملة الفرنسية برأسه واصطحبها معه إلى فرنسا لينتهي بها الحال معروضة في متحف الإنسان بقصر “شايوه” في باريس.

اغتيال كليبر
اغتيال كليبر

وهو النهج الذي ستسير عليه فرنسا في مستعمراتها منذ تلك اللحظة فصاعداً٫ فقد أصبح قطع رؤوس من يجرؤون على الثورة ضد الاستعمار الفرنسي والاحتفاظ بتلك الرؤوس أمراً مُسْتَحَبّاً بل ومفضلاً لدى المستعمرين الفرنسيين.

ففي شهر يوليو الماضي٫ ردت فرنسا إلى مستعمرتها السابقة الجزائر جماجم ٢٤ شهيداً كانت تحتفظ بها في متاحفها٫ إلا أن الجماجم المعادة لا تشكل إلا نسبة صغيرة للغاية من بين أكثر من ١٨ ألف جمجمة لا زالت فرنسا تحتفظ بها في أماكن متفرقة جمعتها من كافة مستعمراتها.

ومن بين تلك الجماجم بطبيعة الحال ثوار الجزائر الذين تفنن جنرالات فرنسا في تعذيبهم إبّان ثورتهم التحررية (١٩٥٤- ١٩٦٢).

حيث اعترف أحد جنرالات فرنسا في الجزائر وهو مارسيل بيغارد في حوار أجرته معه جريدة لوموند عام ٢٠٠٠ أن التعذيب والاغتصاب وقطع الرؤوس كان بمثابة “شر لا بد منه” شارك هو نفسه في تطبيقه إبّان حرب الجزائر.

ولم يختلف الأمر كثيراً في مستعمرات فرنسا الآسيويه مثل ما أسمته فرنسا “الهند الصينية” وهو اسم جامع لكل من فيتنام ولاوس وكمبوديا٫ ففي سبيل قمع إحدى ثورات الفيتناميين ضد الاستعمار الفرنسي لبلادهم الذي بدأ في القرن التاسع عشر٫ لم يتورع الفرنسيون عن قطع رؤوس الثوار الفيتناميين والتي احتفظوا بها أيضاً لسبب غير مفهوم.

الجماجم في متحف الإنسان
الجماجم في متحف الإنسان

وفي مواجهة الطلبات المتزايدة لرد هذه الجماجم٫ قال مدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا “إنّ الجماجم موضوعات علمية، والتعرّف إلى هوية أصحابها لا يحمل قيمة علمية، وتبقى فقط القيمة الأخلاقية لهذه الجماجم، كوننا نتحدث عن مطالب سلالة من الأبناء والأحفاد؛ لذا لا بدّ من منطق مختلف في التعامل معها، خصوصاً أنّ استعادة الجماجم تتم عبر طلب عائلي أو قرار سياسي فرنسي، لا مجرد جمعية أو عريضة يوقع عليها الأفراد، فهذه الجماجم والرفات البشريّة ملكية للدولة، ولا بدّ من قانون لإخراجها من التراث الوطني، وجعلها مباحة للنقل”.

الحقيقه أن دموع ماكرون المسفوكة على المدرس الذبيح ليست سوى تكرار لنهج “اختطاف الكارثة” الذي سبقه إليه الرئيس الامريكي جورج بوش الابن٫ وهو ببساطة استغلال جريمة لا يكاد يختلف اثنان على بشاعتها لفرض أجندة سياسية تتناقض مع أبسط المبادئ التي تحدَّث عنها السيد ماكرون وفي مقدمتها “الحرية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: