رؤى

عن صعود الرئيس الأمريكي إلى السلطة.. كيف يعمل المجمع الانتخابي؟!

عرض وترجمة: أحمد بركات
تبقى هذه الحقيقة واحدة من الحقائق الأكثر إثارة للدهشة في قضية التصويت في الولايات المتحدة الأمريكية: بينما ينتخب التصويت الشعبي أعضاء الكونجرس ورؤساء البلديات وحكام الولايات والمشرعين وحتى المسئولين المحليين الأقل شهرة، إلا أنه لا يقرر الفائز بالرئاسة الأمريكية، المنصب الأعلى في العالم.

يقع هذا القرار المهم بالكامل على عاتق “المجمع الانتخابي”. فعندما يدلي الأمريكيون بأصواتهم، فإنهم، في واقع الأمر، يصوتون لمجموعة من المرشحين المعينين من قبل أحزاب سياسية عهدت إليهم بدعم مرشحها (رغم أنهم لا يوفون دائما بهذا العهد).

يؤدي هذا إلى التركيز بقوة على الولايات المهمة التي تمثل ساحة معركة انتخابية حامية الوطيس، حيث يتطلع المرشحون إلى تعزيز ميزتهم الانتخابية باستهداف الولايات التي يمكن أن تساعدهم على الوصول إلى عدد الأصوات التي يحتاجون إليها (270 صوتا من إجمالي 538 صوتا). كما يلهم “المجمع الانتخابي” أيضا العديد من سيناريوهات ’ماذا لو؟‘، التي يكون بعضها أرجح من الآخر.

هل يمكن أن يخسر الرئيس في التصويت الشعبي ويفوز بالانتخابات؟

نعم. حدث هذا بالفعل في عام 2016 عندما فازت هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي الوطني بنحو 3 ملايين صوت، بينما حصل دونالد ترمب على ما يقرب من 57% من أصوات المجمع، وهو ما كان كافيا لفوزه بمقعد الرئاسة.

حدث الشيء نفسه في عام 2000 أيضا. فرغم فوز آل جور بالتصويت الشعبي، إلا أن منافسه الجمهوري جورج دبليو بوش حصل على المزيد من الأصوات الانتخابية داخل المجمع بعد إعادة فرز الأصوات محل النزاع في ولاية فلوريدا، وصدور قرار المحكمة العليا.

وفي عام 1888، نجح بنيامين هاريسون في هزيمة الرئيس جروفر كليفلاند في المجمع الانتخابي، برغم هزيمة الأول في التصويت الشعبي. وبعد أربع سنوات، شارك كليفلاند مجددا في السباق الانتخابي، واسترد على إثر ذلك عرش البيت الأبيض.

وتزخر القائمة بالعديد من الرؤساء الذين خسروا معركة التصويت الشعبي، لكنهم عادوا في نهاية السباق وفي جعبتهم مقعد الرئاسة من بوابة الأصوات الانتخابية لأعضاء المجمع، مثل – من بين أسماء أخرى – جون كوينسي آدامز ورذرفورد بي هايز في انتخابات عامي 1924 و1876.

واختار مجلس النواب آدامز على أندرو جاكسون الذي لم يفز في سباق التصويت الشعبي، ولكنه حصد أغلبية الأصوات في المجمع الانتخابي. كما اختارت لجنة خاصة شكلها المجلس هايز على صامويل جيه تيلدن بعد التنازع على 20 صوتا انتخابيا في فلوريدا ولويزيانا وساوث كارولينا.

كما منح المجمع الانتخابي الرئاسة لمرشحين فازوا بأغلبية نسبية في التصويت الشعبي (أقل من 50%) في عدد من الحالات، أبرزها أبراهام لنكولن في عام 1860، وجون كينيدي في عام 1960، وبيل كلينتون في عامي 1992 و1996.

ماذا يحدث في حالات ’التعادل‘؟

بالنظر إلى أن المجمع الانتخابي يضم حاليا عددا زوجيا من الأصوات، فإن ’نتيجة التعادل‘ تصبح واردة. وفي حال حدوث ذلك، فإن القرار يذهب مباشرة إلى مجلس النواب المنتخب حديثا، حيث تصوت كل ولاية كوحدة واحدة.

وبرغم عدم تعرض الدستور لذلك بشيء من التفصيل، إلا أن ممثلي كل ولاية يصوتون على المرشح الذي يدعمونه كمجموعة، كما قال أخيل ريد عمار، أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة ييل. وفي حال تعادل أصوات ممثلي الولاية، فإنه لا يتم احتساب تصويتها. ويحتاج المرشح الرئاسي إلى 26 صوتا على الأقل للفوز بمقعد الرئاسة.

وفي الوقت الحالي، يمتلك الحزب الجمهوري نوابا عن 26 ولاية، بينما يمتلك الديمقراطيون نوابا عن 22 ولاية فقط. ويتقاسم النواب الجمهوريون والديمقراطيون ولاية بنسلفانيا، بينما يمثل ميشيغان سبع نواب ديمقراطيين مقابل 6 جمهوريين ونائب واحد مستقل. بالطبع، قد يتغير الأمر برمته في يوم 3 نوفمبر القادم حيث تظل مقاعد مجلس النواب حتى ذلك الحين محل تنافس انتخابي.

ويقع عبء اتخاذ القرار المتعلق بنائب الرئيس على عاتق مجلس الشيوخ المنتخب حديثا، حيث يدلي كل عضو بصوته. وفي النهاية قد تودي الخلافات بشأن الإجراءات بكل شيء إلى المحكمة العليا.

أخيل ريد عمار
أخيل ريد عمار

ماذا لو نكث الناخبون عهدهم؟

يُطلق عليهم “الناخبون الخائنون”. ففي عام 2016، خالف 7 ناخبين (5 من الديمقراطيين و2من الجمهوريين، وهو أكبر عدد في تاريخ انتخابات الرئاسة الأمريكية) وعودهم بالتصويت لصالح مرشح الحزب الذي ينتمون إليه، وقاموا بالتصويت لمجموعة من المرشحين غير المدرجين في الاقتراع، مثل بيرني ساندرز وكولن باول ورون بول وآخرين. لكن ذلك لم يغير في نتيجة التصويت شيئا.

وقد خضع سؤال “هل يحق للناخبين تغيير مواقففهم؟” لجدل محتدم إلى الحد الذي دفع بالمحكمة العليا في يوليو الماضي إلى أن تحكم بالإجماع بأنه يحق للولايات أن تطالب ناخبيها بالالتزام بوعودهم بدعم مرشح بعينه.

وقد أكد بعض الباحثين أنهم لا يتفقون مع هذا الحكم على الإطلاق، معللين ذلك بأنه يضع حرية الناخب في اتخاذ ما يراه مناسبا من قرارات على المحك، كما أن اختيار هؤلاء الناخبين يتم في العادة بناء على ما عُرف عنهم من ولاء لمرشح أو لحزب بعينه.

في هذا السياق يقول البروفيسور عمار: “سيلتزمون بوعودهم إذا قام المرشحون بعمل جيد”

وتمتلك 33 ولاية، إضافة إلى مقاطعة كولومبيا، قوانين تنص على تصويت الناخبين لمرشحهم الذي وعدوا بدعمه. كما تستبدل بعض الولايات الناخبين وتلغي أصواتهم في حال تخلفهم عن تعهداتهم.

وتشرع ولايات أخرى عقوبات ضد هؤلاء الناخبين. ففي ولاية نيو مكسيكو، يمكن توجيه تهمة جنائية إلى الناخبين في حال عدم التزامهم بما قدموا من وعود. وفي أوكلاهوما، قد يواجه “الناخب الخائن” تهمة ارتكاب جنحة.

خريطة توزيع أعضاء المجمع الانتخابي
خريطة توزيع أعضاء المجمع الانتخابي

كيف تطور هذا النظام؟

خرج المجمع الانتخابي إلى الوجود في المؤتمر الدستوري الذي عقد في فيلادلفيا في عام 1787.

كان مؤسسو البلاد يأملون في تهدئة موجة تشكيل الفصائل والأحزاب السياسية القوية، وأرادوا وضع آلية لا تعتمد فقط على الأغلبية الشعبية أو الكونجرس. وبرغم الاسم (Electoral College)، لا يمت هذا المجمع بصلة إلى “الكليات” بالمعنى التربوي الحديث للكلمة، وإنما يشير إلى فرقة أو مجموعة من الزملاء.

ومنذ البداية، حققت هذه المنظومة نتائج غير معتادة، وهو ما تجلى في انتخابات عام 1800 عندما تقاسم توماس جيفرسون وآرون بور أصوات المجمع الانتخابي. لكن الكونجرس كسر حالة التعادل بين المرشحين، وتبوأ جيفرسون مقعد الرئاسة، بينما حصل بور على منصب نائب الرئيس (حتى التصديق على التعديل الثاني عشر في عام 1804، كان منصب نائب الرئيس يؤول إلى المرشح الذي يحصل على المركز الثاني في عدد الأصوات).

وفي هذا العام، يجتمع أعضاء المجمع في ولاياتهم في يوم الأثنين التالي ليوم الأربعاء الثاني في شهر ديسمبر، والذي يوافق في هذا العام 14 ديسمبر، للإدلاء بصوتين منفصلين على مقعدي الرئيس ونائب الرئيس بعد انتخاب المرشحين الذين حصلوا على أغلبية الأصوات.

ويجري اختيار الناخبين في المجمع كل أربع سنوات في الشهور السابقة على يوم الانتخابات من قبل الأحزاب السياسية في ولاياتهم. وتتباين الإجراءات من ولاية إلى أخرى، ويتم اختيار الناخبين في في بعض الولايات خلال مؤتمرات الجمهوريين والديمقراطيين في هذه الولاية. وتدرج بعض الولايات أسماء ناخبي المجمع في اقتراع الانتخابات العامة.

وتعد عملية اختيار الناخبين “لعبة داخلية”، كما تصفها كيمبرلي ويل، الأستاذ بجامعة بالتيمور ومؤلفة كتاب What You Need to Know about Voting and Why. وأضافت أن هؤلاء الناخبين غالبا ما يكونون من مشرعي الولاية، أو قادة الأحزاب، أو المانحين.

كيمبرلي ويل، مؤلفة كتاب What You Need to Know about Voting and Why
كيمبرلي ويل، مؤلفة كتاب What You Need to Know about Voting and Why

كم عدد الأصوات اللازمة للفوز داخل المجمع؟

270 صوتا. أما إجمالي عدد الأصوات داخل المجمع الانتخابي في الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة فهو 538 صوتا. ويختلف العدد الإجمالي للأصوات الانتخابية المخصص لكل ولاية بحسب عدد سكانها، لكن كل ولاية لديها على الأقل ثلاثة أصوات انتخابية، كما تمتلك مقاطعة كولومبيا ثلاثة ناخبين منذ عام 1961.

هل الفوز بعدد المجموعات أم بعدد النقاط؟

“الأمر يشبه تماما لعبة التنس، فالمهم هو عدد المجموعات، وليس عدد النقاط، حتى تحسم النتيجة لصالحك. يجب عليك أن تفوز بالمجموعة، وفي نظامنا الانتخابي يجب عليك أن تفوز بالولاية”، كما قال البروفيسور عمار.

يوجد استثناءان فقط من هذه القاعدة، هما ولايتا مين ونبراسكا اللتان تعتمدان على دوائر الكونجرس لتقسيم أصوات المجمع الانتخابي، حيث يحصل الفائز في التصويت الشعبي للولاية على صوتين انتخابيين، بينما يتم منح صوت واحد إلى الفائز بالتصويت الشعبي في كل دائرة تابعة للكونجرس.

وتذهب بعض الآراء إلى أن الولايات ذات الكثافات السكانية الأقل تُمثل تمثيلا زائدا في المجمع الانتخابي، حيث يتبع كل ولاية ثلاثة ناخبين على الأقل بغض النظر عن تعدادها السكاني. وأبرز مثال على ذلك هو ولاية وايومنغ ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي لديها ثلاثة أصوات انتخابية بينما يبلغ عدد سكانها حوالي 580 ألف نسمة، مما يمنح ناخبيها تأثيرا انتخابيا يفوق بكثير نظرائهم في الولايات ذات الكثافات السكانية المرتفعة مثل فلوريدا وكاليفورنيا ونيويورك. وفي ذات الوقت، لا يمتلك المواطنون الأمريكيون الذين يعيشون في أقاليم مثل بورتوريكو وجوام وجزر فيرجن الأمريكية ناخبين يمثلونهم.

“عندما تتحدث عن المجمع الانتخابي باعتباره المحدد الأساس للانتخابات، فإنه يشكل الانتخابات طوال الوقت لأنه يركز على ولايات معينة دون غيرها”، كما يقول ألكسندر كيسار، أستاذ التاريخ والسياسة الاجتماعية بجامعة هارفارد.

هل سيتغير هذا النظام في وقت ما؟

على مدى سنوات دارت نقاشات كثيرة حول إلغاء المجمع الانتخابي بشكل كامل، حتى أعادت انتخابات عام 2016 هذا النقاش بقوة إلى السطح مجددا. كما شكل موضوع إلغاء المجمع أيضا نقطة نقاش مهمة بين المرشحين الديمقراطينن للرئاسة في عام 2020.

وتحظى هذه الفكرة بتأييد شعبي، لكنها تواجه انقساما حزبيا، حيث يستفيد الجمهوريون في الوقت الراهن من النفوذ الانتخابي للولايات الريفية الأقل سكانا.

وتشير إحصاءات معهد جالوب إلى أن 61% من الأمريكيين يدعمون إلغاء المجمع الانتخابي لصالح التصويت الشعبي. رغم ذلك، فإن هذا الدعم يتباين على نطاق واسع على أسس حزبية، حيث تصل نسبة الدعم في أوساط الديمقراطيين إلى 89%، بينما تتراجع إلى 23% فقط عند الجمهوريين.

قد يمثل التعديل الدستوري وسيلة لهذا الإلغاء، وهو ما يتطلب موافقة الثلثين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ وتصديق الولايات، أو مؤتمرا دستوريا يدعو إليه ثلثا أعضاء المجالس التشريعية في الولايات.

ويأمل البعض في تقليص أهمية المجمع الانتخابي دون إجراء تعديلات دستورية. وقد وقعت خمس عشرة ولاية ومقاطعة كولومبيا، التي تسيطر معا على 196 صوتا انتخابيا، على ميثاق مشترك تتعهد فيه بمنح أصواتها إلى الفائز بالتصويت الشعبي الوطني. ولن تدخل القوانين المحلية حيز التنفيذ إلا بعد أن ينضم إلى هذا الميثاق عدد من الولايات لديها 270 صوتا انتخابيا.

وأخيرا، قد تجد قضية متعلقة بالانتخابات طريقها إلى المحكمة العليا، وهو ما يمنح أهمية أكبر للتركيبة القضائية للمحكمة، كما قالت البروفيسور ويل.

وأضافت: “يتطلب الأمر خمسة أشخاص يشغلون مناصبهم مدى الحياة لتعديل هذا الدستور من خلال رأي قضائي”.

أليسون وولر – عضو في فئة الزمالة في صحيفة نيويورك تايمز للعام 2020 – 2021

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: