رؤى

إسماعيل صدقي.. مؤسس علم هندسة الانتخابات في مصر

لمصر تاريخ حافل مع تفصيل الانتخابات العامة، فمنذ إجراء أول استحقاق نيابي بعد إقرار دستور 1923 والذي حصل فيه حزب الوفد على أغلبية مكنته من تشكيل أول وزراة دستورية، انطلق دون توقف قطار هندسة وتفصيل الاستحقاقات الانتخابية -برلمانية ورئاسية ومحلية-، كان إسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية ثم رئيس وزراء مصر في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي هو الرجل الذي وضع أسس وقواعد علم تفصيل الانتخابات وهندسة البرلمانات.

تولى إسماعيل صدقى باشا «١٨٧٥ – ١٩٥٠»، عدة حقائب وزارية منها الأوقاف والزراعة والداخلية والمالية، وانضم إلى حزب الوفد عند تشكيله على مشارف ثورة ١٩١٩، وكان أحد الباشوات الأربعة الذين نفوا إلى مالطة وقامت الثورة بسبب نفيهم، وتولى رئاسة الوزارة مرتين فى عامى ١٩٣٠ و١٩٤٦.

ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى إن من أهم إنجازات، إسماعيل صدقى، وضع أسس علم تزوير الانتخابات النيابية، وابتكار آلياته وخططه، التى استفاد منها، وأضاف إليها الذين ساروا على دربه، وكان ينطلق فى ذلك من إيمان حازم بأن الدستور ثوب فضفاض على المصريين، لأنه منحهم حقوقاً لم ينضجوا بعد لكى يمارسوها، وهى فكرة ترسخت فى ذهنه عندما رشح نفسه فى الانتخابات الدستورية الأولى عام ١٩٢٤، فى مسقط رأسه، ومقر أسرته وعزوته وأنصاره بمدينة طنطا، متسلحاً بما يعتقد أنه كفاءاته، وبدوره فى استصدار تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، الذى ألغى الحماية البريطانية على مصر، وضمن لها استقلالاً ذاتياً منحها الحق فى إصدار الدستور، وإجراء انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان، فإذا به يخسر الدائرة أمام محام صغير هو «نجيب الغرابلى أفندى».

«منذ ذلك الحين ازداد يقين إسماعيل صدقى بأن الشعب لا يحسن اختيار من يمثلونه، وأنه زحام من الكائنات الوقحة التى يجب أن تتعلم وتتربى قبل أن تمارس حقها الانتخابى، فهى تتحرك فى رأيه بغرائزها لا بعقلها، وبعواطفها وليس بمنطقها، وهى مجرد حشود تجمعها صفارة…  وتفرقها عصا»، يضيف عيسى.

الكاتب الصحفي صلاح عيسى
الكاتب الصحفي صلاح عيسى

صدقي ومقلب الوفديين

بعد حادث مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان، أقيلت حكومة سعد زغلول رئيس الوفد، وصدر مرسوم ملكي بحل مجلس النواب الأول الذى كانت أغلبيته وفدية، وتطلب الانقلاب الدستورى الذى تلا ذلك وزيراً للداخلية يستطيع شل مقاومة «الوفد»، ويمكنه وهو الأهم من إجراء «انتخابات مضمون سلفاً أنها لن تعيد سعد زغلول وأنصاره من الأفندية المتشددين الغوغائيين إلى الحكم».

ويتابع عيسى في كتابه «حكايات من دفتر الوطن»: تقدم إسماعيل صدقى يبرز مواهبه وكفاءاته ووضع أسس علم هندسة وتزوير الانتخابات التى تشمل، التلاعب بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية وتزوير الكشوف التى تتضمن أسماء الناخبين، وشراء الأصوات، ونشر قوات الأمن حول لجان الانتخابات بأعداد تتناسب مع عدد الأصوات التى يتوقع أن تحصدها أحزاب المعارضة.

كانت المعركة صراعاً بين فكر إسماعيل صدقى ودهائه السياسى، ومكر هذه الجموع من الدهماء والصعاليك الذين يسمون بالشعب، وانتهت بهزيمة صدقى هزيمة منكرة، وفق ما أورده عيسى في كتابه، «خطط صدقي لضم عدد من أعضاء مجلس النواب الوفدي المنحل الى حزب الحكومة، مؤكدا لهم بأن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تضمن لهم استرداد حقائبهم البرلمانية، ومهددا إياهم بأنهم إذا لم يقبلوا فإنه سيزور الانتخابات ضدهم فلا يفوزون ببلح الشام ولا بعنب اليمن».

دهش صدقي حين رحب النواب الوفديون بالعرض، ولم يشترطوا عليه سوى شرط واحد وجده معقولا فقبله وهو أن يظل اتفاق انضمامهم إلى حزب الحكومة سرا حتى يضمنوا أصوات الناخبين الوفديين، ودهش أكثر حين نشطوا في جلب آخرين من زملائهم النواب الوفديين الذين أبدوا استعدادهم لعقد اتفاق مماثل مع الحكومة، وما كادت النتائج تظهر وقد فاز جميع مرشحيها حتى أعلنت الحكومة بكل فخر أنها حصلت على أغلبية برلمانية كاسحة، وأنها باقية على مقاعدها، وأعلنت أنها سترشح عدلي يكن باشا رئيسا لمجلس النواب الجديد!.

عدلي يكن
عدلي يكن

وما كاد المجلس الجديد يعقد أولى جلساته لانتخاب رئيسه حتى فوجئت الحكومة برئيس الوفد ـسعد زغلول يتقدم لترشيح نفسه ضد عدلي يكن، وذهلت حين أسفرت نتيجة الانتخاب عن فوز سعد برئاسة المجلس بأغلبية كاسحة، لم يكن لما جرى معنى إلا أن صدقي باشا «قد شرب أكبر مقلب في حياته»، وأن النواب الوفديين خدعوه ليحولوا بينه وبين تزوير الانتخابات ضدهم ولم يكن لها نتيجة إلا أن الحكومة لن تحوز على ثقة المجلس النيابي فأسرع صدقي يستصدر مرسوما ملكيا بحل المجلس الجديد، فضرب الدستور في مقتل إذ كان يحظر حل المجلس النيابي مرتين للسبب نفسه!.

الانتقال إلى التزوير الخشن

منذ ذلك الحين كف اسماعيل صدقي عن استخدام ذكائه في مسألة هندسة الانتخابات وتزويرها بالشكل الناعم الذي جرى في تلك الانتخابات، ولجأ بعد ذلك الى التزوير الخشن المباشر والعلني، وفي ابتكار كل الأساليب التي شاعت بعد ذلك في التزوير، من التصويت بدلا من الموتى والمهاجرين والغائبين إلى حشو الصناديق قبل التصويت ببطاقات انتخابية لصالح المرشح المطلوب إنجاحه، إلى إلقاء الصندوق بما فيه في النهر واستبداله بآخر تصوت فيه الحكومة نيابة عن الناخبين!.

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد إقرار دستور 1923 قاد الملك فؤاد ثلاثة انقلابات دستورية، أولها في مارس 1925، عندما عطل الحياة النيابية لمدة عام وشهرين تقريبًا، ثم عطلها مرة ثانية من يوليو 1928 إلى أكتوبر 1929. إلا أن ثالث تلك الانقلابات الدستورية وآخرها في عهد فؤاد كان الأخطر والأطول والأشد تأثيرًا، وقد وقع ذلك الانقلاب الدستوري بعد أقل من عام من عودة الحياة البرلمانية في أكتوبر 1929، وكان مصطفى النحاس باشا قد شكل الوزارة في الأول من يناير سنة 1930.

مصطفى النحاس
مصطفى النحاس

فشلت حكومة الوفد في انتزاع معاهدة مع إنجلترا تحقق آمال الشعب، واصطدمت بالملك حول حقوق الأمة، عندئذ قدم النحاس استقالة حكومته في 17 يونيو 1930، فقبلها فؤاد رغم رفض البرلمان لها، وكلف إسماعيل باشا صدقي بتشكيل الوزارة في 20 يونيو 1930.

كان أول قرار لحكومة صدقي هو إصدار مرسوم بتأجيل اجتماع البرلمان الذي جدد الثقة في حكومة النحاس المستقيلة، والذي بالطبع لا يريد منح الثقة للحكومة الجديدة. رفض البرلمان بغرفتيه «الشيوخ والنواب» قرار التأجيل، ورد ويصا واصف باشا رئيس البرلمان على إنذار صدقي بعدم حديث النواب بعد تلاوة مرسوم تشكيل الحكومة وتأجيل انعقاد البرلمان برد حاسم جاء فيه: «إنه ليس من حق الحكومة أن توجه إلى رئيس مجلس النواب مثل هذا الخطاب لما فيه من تدخل للسلطة التنفيذية في إدارة جلسات المجلس».

جاء رد صدقي أعنف مما يتوقع أحد، فأمر بحصار البرلمان وإغلاق أبوابه بالسلاسل، فتوجه النواب بقيادة واصف باشا إلى البرلمان وأمروا الحرس بتحطيم السلاسل الحديدية، ودخل النواب وعقدوا الجلسة، ووجه رئيس مجلس الشيوخ عدلي باشا يكن رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى «الحكومة الصدقية».

أقسم النواب خلال اجتماع عقدوه في النادي السعدي على الدفاع عن الدستور ومقاومة أي اعتداء يقع عليه، ونشروا بيانًا بما جرى في اجتماعهم، فاندلعت موجات احتجاج عارمة في الشوارع والميادين تلبية لنداء النواب للشعب بالدفاع عن الدستور، واجهتها قوات الأمن بعنف شديد، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.

استمر السجال بين البرلمان ونوابه من جهة والحكومة الجديدة والملك من جهة أخرى، وانتهى الأمر باحتلال البرلمان بالقوة المسلحة، وأعلن صدقي أنه اتفق مع الملك على إصدار دستور جديد.

مبنى البرلمان
مبنى البرلمان

انقلاب دستوري جديد

«مضى صدقي إلى نهاية الشوط وأعلن إلغاء دستور الأمة واستبدل به دستور الملك، وصدر بذلك المرسوم الملكي بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1930، كما صدر في اليوم نفسه قانون الانتخاب الجديد. وصدر الأمر بحل مجلسي النواب والشيوخ القائمين»، يروي المؤرخ الدكتور عماد أبوغازي في دراسته «مناضلون على طريق الحرية».

اللافت أن إسماعيل صدقي روج لما جرى على أنه إصلاح دستوري وسياسي يعمل على ترسيخ الاستقرار بالبلاد بدعوى أن من وضعوا دستور 1923 نقلوا نصوصًا من دساتير دول بلغت من الديمقراطية ما لم تبلغه مصر.

«لم يعلم المطلع على تاريخ الدساتير الأوروبية أن الدساتير وضعت في كل بلد وفق أحوالها المعاصرة وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية بعد أن تبلغ مداها يكون لها أثرها في تعديل الدساتير تعديلًا يجئ تارة بطريق قلب الدستور وتغييره، وطورًا بالطرق التي رسمها الدستور نفسه»، هكذا برر صدقي قراره، وفقا لما سرد في مذكراته التي وضع لها عنوان «مذكراتي».

وقال صدقي في مذكراته «لم يحقق دستور 1923 في تلك السنين ما عقدت عليه من الآمال من أنه خير ما تمتعت وتتمتع به البلاد من صور الحكم وأكفلها بإقرار النظام والسلام وتوجيه الأمور العامة إلى خير الغايات على يد الصالحين لذلك القادرين عليه».

واعتبر صدقي أن من شاركوا في وضع دستور 1923 أسسوا من حيث لا يدرون نظامًا سياسيًا كانوا يظنون أنه «خير الأنظمة» بإقرارهم نظام الانتخابات على درجة واحدة من خلال عموم الناس بديلًا عن نظام الانتخاب على درجتين، «توهموا أن هذا النوع من الانتخاب هو خير نظام أخرج للناس».

ورأى الرجل أن مصلحة البلاد فرضت عليه أن يمحو الماضي بما له وما عليه وأن يصدر دستورًا جديدًا تستفتح به صفحة جديدة في تاريخها الحديث «أردت علاجًا يتلمس أرفق وسائل الإصلاح، إصلاح يتم في هوادة وفق ناموس التطور وتنعدم منه كل أسباب الشكوى وتستقر به الأمور»، مضيفًا «إذا كانت الضرورات ألجأتني إلى انتهاج هذه السبيل فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه الظاهرة.. ظاهرة إبدال دستور بدستور.. وهدفي هو إنقاذ الوطن من سوء المصير».

أطلق الدستور الجديد سلطة الملك في حل البرلمان ومنحه حق تعيين أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ وتعيين شيخ الأزهر والرؤساء الدينيين، وحال دون طرح الثقة في الحكومة، وقنن التعدي على الحريات العامة، فشرعن تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف.

انتقم صدقي من الصحف التي خاضت معركة الدفاع عن الدستور، وأصدر قرارات تعطيل طالت صحف «كوكب الشرق» و«البلاغ» و«اليوم» و«السياسة» و«المؤيد الجديد» و«صدى الشرق». ثم أدخل تعديلًا على قانون العقوبات بهدف حصار أصحاب الرأي والصحفيين، ليعاقب كل من ينشر أخبارًا بشأن تحقيق جنائي قائم أو من ينشر أمورًا من شأنها التأثير على القضاة أو رجال النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بالتحقيق، أو التأثير في الرأي العام.

«الجهاد» وخطابات التزوير

وحتى يكمل صدقي قبضته ولا ينازعه الشعب عبر ممثليه في قراراته استصدر مرسومًا من الملك بحل جميع مجالس المديريات (المحافظات). وتطبيقًا للدستور الجديد صدر قانون الانتخابات الذي يحرم الشعب من اختيار ممثليهم، ويحرم قطاعًا كبيرًا منه في ممارسة حقه في الترشح أو الاقتراع، فجعل الانتخابات على درجتين بدلًا من الانتخاب المباشر.

وما أن انتهى صدقي من وضع قواعد اللعبة الجديدة، حتى أسس حزبًا سماه «الشعب» وشارك به في أول انتخابات برلمانية، وكما عبث صدقي بالدستور والقوانين المكملة، تلاعب في الانتخابات واستخدم أجهزة الحكومة المختلفة لتشارك في عمليات التزوير بكل أنواعه، خشن وناعم.

تتبعت الصحافة عمليات التزوير ونقلت محاولات تغييب إرادة المصريين، ونشرت جريدة «الجهاد»، لمالكها توفيق دياب، صورًا لخطابات أرسلها صدقي إلى مأموري أقسام البوليس والبنادر يطلب فيها تزوير الانتخابات لصالح حزبه، فصدر قرار بالقبض على دياب وإحالته إلى التحقيق ومحاكمته بصورة عاجلة.

شكل صدقي برلمانه المزور على جثث 100 شهيد مصري و175 مصابًا خرجوا مع مئات الآلاف للدفاع عن أصواتهم، ووصلت حالة الهياج إلى حبس مئات المعارضين والصحفيين في محاكمات هزلية، وقطع أرزاق الآلاف لمجرد تفوههم بكلمة نقد ضد الحكومة، فضلًا عن شن حملات تشهير على أصحاب الرأي.

ولما أدى صدقي دوره وضاقت به السراي والإنجليز، دُفع إلى الاستقالة من حزب الشعب وانتخب الحزب عبدالفتاح باشا يحيى رئيسًا له، وأيد البرلمان الذي صنعه صدقي على يديه قرار تعيين  رئيس الحكومة الجديد.

ورغم استوزاره بعد ذلك في أكثر من حكومة إلا أن التاريخ حجز لهذا الرجل مكانًا يليق بمثله من المستبدين، وقرن اسمه بالعنف والقتل والانقلاب على الدستور وتزوير الانتخابات وتقييد الحريات العامة وحجب وتعطيل الصحف، وأنهى صدقي حياته بفضيحة لا تزال تلاحقه حتى الآن، فكان أول مؤيد لاقتراح تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب رغم معارضة مصر الرسمية لهذا المقترح.

……………………………………………………………………………

مراجع

كتاب «حكايات من دفتر الوطن» – صلاح عيسى

دراسة «مناضلون على طريق الحرية»- عماد أبو غازي

«مذكراتي» – مذكرات إسماعيل صدقي

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: