رؤى

نهب الفقراء..الشركات عابرة القومية نموذجًا

وسط الجدل الصاخب الذي رافق انتخابات الرئاسة الأمريكية تبارى العديد من الكتاب في تحليل نتائجها وأثرها على مختلف القضايا العالمية ومنها بالطبع أثرها على بلدان العالم الثالث، وترافق مع هذا الجدل نسج خيط رفيع لفكرة تراجع دور الدول العظمي في مقابل تصاعد دور الشركات عابرة القومية، فهل حقا باتت الشركات عابرة القومية أكثر تأثيرا من الدول العظمى؟!، وما هى طبيعة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تتركها تلك الشركات على عالم الفقراء بالبلدان النامية بشكل خاص؟

الكاتب الصحفي المتخصص بمجال الاقتصادي جون ميدلي في كتابه «نهب الفقراء .. الشركات عابرة القومية واستنزاف موارد البلاد النامية» الذي نقله للعربية الأستاذ بدر الرفاعي يطرح قضية الشركات عابرة القومية وأثرها على البلدان الفقيرة وحياة الفقراء.

تعود أهمية الكتاب إلى كون مؤلف الكتاب جون ميدلي قبل أن يتخصص في مجال الصحافة الاقتصادية كان قد عمل عقب الانتهاء من دراسته بإحدى الشركات عابرة القومية لمدة عشر سنوات، وهو ما مكنه من رؤية منطق وطريقة تفكير وآليات عمل تلك الشركات وعلى مدى ثلاثين عاما طاف خلالها بنحو خمسين بلد من بلدان العالم النامي باحثا لعدد من القضايا التي تمس حياة الفقراء وأثر الشركات عابرة القومية عليهم.

يغطي الكتاب أنشطة الشركات عابرة القومية في البلاد النامية بعدد من المجالات: «الغذاء والزراعة والغابات وصيد الأسماك وإمدادات المياه والصحة والتعدين والتصنيع والطاقة والسياحة» والتي قد تنشط بعض تلك الشركات في أكثر من قطاع من هذه القطاعات بذات الوقت.

المثير حقا بشأن كتاب «نهب الفقراء» أنه يطرح مفارقة تتعلق بكون الركود الاقتصادي الذي تعاني منه البلدان المتخلفة إنما يعزز دائما من قوة وجود الشركات عابرة القومية بتلك البلدان، حيث تنتهز تلك الشركات الفرصة لتقديم نفسها للمسئولين بتلك البلدان بوصفها المنقذ الذي سينتشل تلك البلدان من الضياع؟! .. وربما تسعى حكومات تلك البلدان ذاتها لهذه الشركات لجذبها للعمل ببلدانها؟! إما بدافع اليأس الشديد الناجم عن حالة الركود الاقتصادي وعجزهم عن مواجهته أو بدافع المصلحة الذاتية لأفراد بعينهم من مسئولي تلك الحكومات.

الشركات عابرة القومية وقطاع الصحة

توقف جون ميدلي عند مختلف القطاعات التي تنشط بها الشركات عابرة القومية غير أنني أخترت التركيز على قطاع الصحة وكيف أثرت الشركات عابرة القومية على هذا القطاع؟ هنا يشير ميدلي إلى أن الكثير من البلدان النامية تعاني من انخفاض الميزانيات التي تخصصها الحكومات لخدمات الصحة والأمر لا يقتصر على ضعف الميزانيات ولكن الأزمة الأكبر تتمثل في كون ما بين 20% و40% من تلك الميزانية يتم إنفاقه على الأدوية فقط وعلى الجانب الآخر تعادل قيمة شركات الأدوية الخمس الكبرى -من بينهم شركة فايزر التي أعلنت مؤخرا عن توصلها لدواء لفيروس كورونا- ضعف إجمالي الناتج المحلي لبلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مجتمعة!.

سيطرة شركات الدواء عابرة القومية على الأسواق مكنتها إلى حد كبير من تحديد ما تنتجه مع تحديد سعره، وهى بالطبع تتراخى في إنتاج الأدوية رخيصة الثمن التي يحتاج إليها الفقراء بشدة، وهو ما يطرح تساؤل يتعلق بكيفية إدارة تلك الشركات الكبرى ومن بينهم شركة «فايزر» لأزمة دواء فيروس كورونا، هل سيتمكن فقراء العالم من الحصول على المصل المضاد للفيروس أم سيتم التضحية بهم؟!

شركات الأدوية عابرة القوميات
شركات الأدوية عابرة القومية

تزعم الشركات عابرة القومية العاملة في مجال الأدوية أنها تراعي مصلحة الفقراء ولكن واقع الأمر يشهد بأنه خلال الفترة من «عام 1975 وحتى عام 2004» اكتشفت شركات الدواء عابرة القومية «1556» من العناصر الدوائية الفعالة الجديدة، غير أن النسبة التي تم تخصيصها للأمراض الإستوائية لم تتجاوز 18% وهى الأمراض التي يعاني منها غالبية الفقراء بالبلدان النامية.

وتعد براءات الاختراع أحد الآليات التي أثرت على سعر الدواء بالعالم، فشركات الدواء عابرة القومية تحمي منتجاتها من الأدوية استنادًا لمبدأ براءات الاختراع ما جعل تلك البراءات بمثابة الحامي لأرباح تلك الشركات، فلجوء الشركات عابرة القومية إلى اتفاقية حقوق الملكية التي وضعتها منظمة التجارة العالمية قد أثر على قدرة الفقراء على الحصول على الأدوية رخيصة الثمن.
يلفت الكتاب النظر إلى أن الشركات عابرة القومية التي تعمل في مجال الأدوية إنما تنفق ما بين 15% إلى 20% من عوائدها السنوية على تسويق منتجاتها والدعاية لها، وهى نسبة تزيد عن معدل إنفاقها على اكتشاف أدوية جديدة، وعلى الجانب الآخر يتأثر أصحاب الدخول المحدودة من البلدان النامية بتلك الدعاية المخصصة لأدوية المضادات الحيوية والفيتامينات على وجه التحديد، فالبلدان النامية التي يعاني سكانها من سوء التغذية يتم إغراء أهلها بأهمية الفيتامينات مع إغفال الدعوة لأن أفضل مصدر لتلك الفيتامينات يكمن في الغذاء الجيد وليس الدواء، ويزداد الأمر سوءً إذا علمنا أن سياسات منظمة الصحة العالمية باتت تحرص في الكثير من الأحيان على تجنب معارضة مصالح الشركات عابرة القومية العاملة في مجال صناعة الدواء.

تجارة الدواء
تجارة الدواء

هل حقا قوة الشركات عابرة القومية تفوق تأثير البلدان العظمى؟

الكتاب يؤكد على أن الشركات عابرة القومية باتت تتمتع بأرفع قنوات الاتصال بكبار صانعي السياسات فبإمكانهم مخاطبة رؤساء الدول ورؤساء الوزراء ورؤساء الوكلات الدولية الرئيسية بالعالم، حتى أن تلك الشركات أصبحت تؤثر على سياسات الأمم المتحدة ذاتها ووكلائها، وتتمتع تلك الشركات بوضعية خاصة بأكبر وكالة تابعة للأمم المتحدة وهى منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو» حيث تحصل الشركات عابرة القومية على معلومات قيمة حول فرص الاستثمار المقبلة فكأن منظمة الأغذية العالمية أصبحت وكانها بمثابة وكالة خاصة للشركات عابرة القومية بدول العالم النامي، حتى وإن كانت هناك بعض الأنشطة التي تقوم بها منظمة الأغذية والزراعة العالمية تعمل حقا لدعم الدول النامية!

من جانب آخر تحول مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية «أونكتاد» الذي تأسس عام 1964 من كونه مصدر لدعم آفاق التجارة بالبلدان النامية إلى منظمة تدعم بشدة سياسات الشركات عابرة القومية، كما تمكنت تلك الشركات الكبرى من التأثير على أداء وأجندة عمل منظمة التجارة العالمية.

مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية «أونكتاد»
مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية «أونكتاد»

يخلص جون ميدلي في كتابه إلى أن هناك حالة من تراجع الحكومات وتقلص دورها الاقتصادي والاجتماعي في مقابل نمو دور الشركات عابرة القومية حيث انتقلت السلطة من الحكومات إلى تلك الشركات التي أصبحت تستخدم سلطتها تلك للتأثير على سياسات الحكومات لتغيير القوانين لصالحها والدفع بفكرة الخصخصة وتولي بعض الأدوار الاقتصادية التي كانت تلعبها الحكومة يوما ما.

لقد أصبحت الشركات عابرة القومية في كثير من الأحيان بمثابة العائق الرئيسي أمام سياسات مكافحة الفقر بالبلدان النامية كما أصبحت اللاعب الأكبر في التاثير على حياة البشر المنتمين لبعض القطاعات مثل قطاع الزراعة حيث تمارس شركات الأغذية الزراعية عابرة القومية قوتها في الأسواق من أجل رفع سعر مستلزمات الزراعة بطريقة تفوق قدرة فقراء الفلاحين وهو ما يؤثر بالطبع على سعر المنتج النهائي.

السؤال المطروح الآن: هل يمكن الاستغناء عن خدمات الشركات الكبرى عابرة القومية أو على أقل تقدير الحد من سطوتها؟ .. طرح البعض سلاح مقاطعة المنتجات بوصفه سلاح فعال يملكه المستهليكن للحد من سطوة تلك الشركات، ولكن إذا كان المستهلكين بالبلدان المتقدمة يتاح لديهم منتجات بديلة تمكنهم من تفعيل سلاح المقاطعة فهل يملك مستهلكي البلدان النامية رفاهية المقاطعة، مع احتمالية عدم وجود منتج بديل؟! .. لعل الإجابة تكمن في قدرة البلدان النامية على تشجيع المنتجين المحليين على توفير المنتجات البديلة الملائمة للمستهلك المحلي مع الدفع بسياسات الأسواق المشتركة داخل تلك البلدان النامية كأن يتم تفعيل فكرة السوق العربية المشتركة والسوق الإفريقية المشتركة على سبيل المثال وغيرها من الأفكار التي يمكن أن تحد من سطوة تلك الشركات عابرة القومية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: