رؤى

سترونج إندبنديت ومان صباحًا..إنجد “الولية” مساءً

يتداول طلائع التنوير من الجيل الجديد مصطلح سترونج إندبندنت وومان، لوصف المرأة القوية ذات الاستقلال المادي والنجاح المهني والوظيفي وتحقيق الذات، ويجي واحد من الطلائع دول يقول رأي منحط عن جدوى استقلالية المرأة إن لم يكن في حياتها رجل، وأن المرأة المستقلة منحلة بالضرورة أو”مسترجلة”، وتلاقيهم يجروا كمان على النصوص الدينية لعل وعسى يلاقوا حاجة تدعم وجهة نظهرهم، أو يشيروا بوست من بوستات مشايخ الانترنت (ألزمي بيتك يا ولية واتهدي بقى)، دون مراعاة أو فهم للظروف التى تجبر المرأة على هذا الاختيار، أو كأن لديها بالفعل الاختيار..عليا الطلائع ماانتوا نافعين!.

لآلاف السنين سيطر الرجل على المرأة باسم القيادة والقوامة، طُلب من النساء أن تبقى هادئات مختبئات في المنزل، لقرون عدة عانت المرأة من التمييز على أساس الجنس، ومن أعراف اجتماعية معيقة، إلى الآن لاتزال العديد من المجتمعات تضع المرأة كمواطن درجة ثانية، أو يختزل دورها داخل المجتمع على التبعية للرجل، إذا سعت لمجد شخصي أو تطلعات ذاتية ينظر إليها على أنها أنانية أو متجاهلة أو غير مهتمة إلاّ بنفسها، يريد الرجل في الأغلب أن يكون مركز عالم المرأة طوال الوقت، أن تجعله محور الكون لديها، لكن عزيزي الرجل ركّز أنت الأول في نفسك وسيبك من المرأة خالص، أقولك احنا نلغي المرأة.

في العصر الحديث والرأسمالية الضاغطة تتجاوز تطلعات المرأة اليوم حدود ما وضعه لها الأجيال السابقة، نحن في عصر جديد مشبع بالاستهلاك والمادية يدفع كل أعضاء المجتمع للمضي قدمًا لاشباع حاجاته، ومن هنا ظهر المفهوم الشائع عن المرأة المستقلة التي تسعى لتحقيق تطلعاتها الذاتية، لكن هل الاسترونج اندبندينت ومان يقتصر على الاستقلال المادي للمرأة؟، أليست المرأة المعيلة أو المترمّلة أو المطلقة أو السيدة المسنة التي تجلس على الرصيف وتضع أمامها “دلو” لتبيع الترمس في أجواء ممطرة أمراة مستقلة قوية؟، هل تم قولبة مصطلح سترونج اندبندينت ومان في صورة نمطية سلبية؟، وأخيرًا هل جميع النساء سترونج اندبندينت ومان أم أن هناك أخريات تبحث عن “الشوجر دادي” ؟.

الرأسمالية والاسترونج اندبندينت ومان
الرأسمالية والاسترونج اندبندينت ومان

في مديح الاسترونج اندبندينت ومان:

لا يعني مفهوم المرأة القوية المستقلة بالضرورة الاستقلال المادي أو الوظيفي، فكونك امرأة مستقلة وقوية يعني أنك قادرة على إيجاد السعادة بمفردك، لديك الثقة بالنفس دون الحاجة إلى الاعتماد على شخص أو مجتمع آخر، أن تكوني مرتاحة داخل جدران جسدك، بشرتك، ملبسك، وشكلك، ربما تخرجي من المنزل متأنقة  وربما لا، لكن في كلتا الحالتين، تشعري بالثقة في ذاتك، يعني الاستقلال العاطفي، والقدرة على إقامة علاقات صحية مع الآخرين دون الوقوع في أنماط الاعتماد المشترك، أي أنكِ لن تحتفظي أبدًا بأشخاص ساميين في عالمك لفترة طويلة، لست بحاجة إلى جعل الحياة أكثر إرهاقًا مما هي عليه بالفعل، لا تحتاجي إلى سلبيتهم تثقل كاهلك، أنتِ تقطعينها في أسرع وقت ممكن، لأنكِ تعلمي أنك قوية بما يكفي للبقاء على قيد الحياة بدونهم أن تعبري عن هويتك دون خجل أو صوتٍ عال، وأنك لستِ في حاجة لتركيب قالب نمطي معين لإرضاء الآخرين، أن تكوني قادرة على الاعتناء بنفسك، أن تتحدثي عن رأيك، أن تضعي نفسك أولاً، أن لا تخافي من اختيار الخيار “الأناني”، لن تضحي أبدًا بأحلامك أو سعادتك أو عقلك من أجل البقاء في علاقة، أن تدركي أن هناك أشياء معينة أهم من الحب، أن تدعمي النساء الأخريات، أنتِ لا تحكمي عليهن بناءً على ما يرتدونه أو الوظيفة التي يشغلونها، تعامليهن على أنهن زميلاتك في الفريق، أن تكوني سعيدة للقيام بالأشياء بمفردك، قادرة على النوم بمفردك، تقبل الوحدة، والعيش بمفردك، لست بحاجة إلى شخص يعلمك ويحميك، يمكنك حماية نفسك، أن تتبعي شغفك، لا تهتمي بما يقوله أي شخص آخر عنك، لأنك فخورة بنفسك لمطاردة أحلامك، إنها ببساطة المرأة التي تتحمل المسؤلية دون كلل أو ملل.

حقيقةً لا تأتي هذه المرحلة إلاّ بثمن باهظ، فعلى الأقل قد تكون المرأة  قد عانت من الحزن، الفقد، الرفض، المرض، الغضب، الألم الجسدي العاطفي، الخداع، الهجر وغيره، فالمرأة المعيلة التي أجبرت على الخروج للشارع “بدلو” لبيع الترمس أو غيره، والمرأة التي تذهب صباحًا ومساءًا لتوصيل أولادها للمدرسة وقضاء حاجة المنزل، والمرأة التي حققت مجد ذاتي على حساب عدم تكوين أسرة وغيرها من النماذج، تصبح بمرور الوقت ومع حصاد التجربة سترونج اندبندينت ومان، أو “انجد الولية” أيهما أقرب.

بائعة الترمس

تبحث “المرأة القوية المستقلة” عن مساهم متساوٍ في العلاقة، وليس شخصًا يسعى لإنقاذها أو السيطرة عليها، “المرأة القوية المستقلة” لا تحتاجك كرجل لأي شيء، إنها لا تحتاجك لتمويل حياتها، ليست بحاجة للاستحمام بالهدايا أو المجاملات، هي لا تحتاجك لحمايتها، هي لا تحتاج منك أن تعولها، هي فقط مهتمة بك، النساء اللواتي تهتم بهن لا يحتجن إليك لأنهن بالفعل مكتفين ذاتيا، فالرغبة في الشريك تختلف عن الحاجة إلى الشريك، إذا كنت تبحث عن امرأة لإصلاحها وإنقاذها وتوفيرها والتحكم فيها – فأنت بحاجة إلى النظر إلى نفسك واستكشاف سبب رغبتك في أن تكون المسيطر في علاقتك بدلاً من أن تكون متساوية.

المتساوون في العلاقة يدعمون بعضهم البعض، لكنهم لا يرعون بعضهم البعض، أنت رجل بالغ ويجب أن تكون مستقلاً أيضًا، لديك هواياتك واهتماماتك وأهدافك في الحياة، قم بالغسيل بنفسك، والطبخ الخاص بك، والتنظيف الخاص بك، ودفع فواتيرك، تذكر عيد ميلاد والدتك بنفسك، اعتني بالأطفال، لا تتوقع منها أن تتخلى عن كل ما تفعله لرعايتك أنت وحياتك فقط، من المرجح أن يكون لدى المرأة القوية المستقلة مجموعة كاملة من الأهداف والأولويات والمسؤوليات والأدوار في حياتهن التي لا تحتاج إلى أن تكون أنت جزءًا منها، لا يعني ذلك أنكَ لا يجب أن تهتم بما هي متحمسة له، لكن ليس عليك أن تكون مركز كل هذا، لست مضطرًا لأن تكون مدرجًا ولا يجب أن تكون مركز اهتمامها طوال الوقت، اللي هوة أنا هاخش أريح ساعتين ألاقيكي حضرتني الغدا، وغسلتي القميصين، ومحافظة على جمالك ورشاقتك وطورتي نفسك واهتميتي بالولاد، وحليتي مشكلة الاحتباس الحراري!..كلاكما ما زالا موجودين كبشر في حد ذاته، ليس من الضرورة فعل كل شيء بمفردها، عليك فقط بالمشاركة، فالنساء لسن إعادة تأهيل لك، ليس فقط المرأة المستقلة القوية التي تتخيلها – ولكن أي امرأة على الإطلاق، صديقتك، والدتك، زوجتك السابقة، زميلاتك، لا أحد منهم موجود هنا لإصلاحك ورعايتك، بغض النظر عما حدث لك في طفولتك أو في حياتك، فليس من عمل المرأة إصلاح القطع المكسورة بك، النساء لسن في العالم لإصلاح الرجال المكسورين، افعلها بنفسك، كما فعلت النساء ذلك لآلاف السنين..

رجل وزوجته في المطبخ

ولا يوم  من أيامك يا شجر الدر:

دائمًا ما يضع المجتمع تصورات مسبقة عن أي دور يخص المرأة، بل شجع كذلك على تكوين هذه الصور من خلال وسائل الإعلام المختلفة، حيث تم تسريع التنميط بشكل كبير من خلال السوشيال ميديا التي تربط المستخدمين بأعضاء مشابهين لهم في التفكير، وتزودهم بمعلومات “مفلترة” تعزز تصوراتهم المسبقة، مما يخلق لهم التواجد في “صوامع” أضيق من أي وقت مضى، وبالمثل، نال مصطلح (سترونج اندبندينت ومان) ما ناله من تنميط سريع، أعاد معه تكوين صورة قديمة وتمييزية لما يجب أن تكون عليه حياة المرأة المستقلة، أو المرأة عمومًا في كل مرحلة من مراحل حياتها.

ساهم هذا التنميط في النفور من مفهوم المرأة القوية المستقلة، وترتب عليه آثار سيئة للمرأة على الصعيدين الشخصي والمهني، ولابد من معالجة هذا التنميط السلبي وتصحيه ليس فقط لأنه غير صحيح بل أيضًا لأنه جعلها تشعر أن حياتها -بغض النظر عن مدى رضاها عنها- لا تفي بالصورة التي يرغب معظم الناس في رؤيتها.

حقيقة يعود تاريخ شيطنة المرأة إلى الحضارات القديمة، ولفهم النفور من النساء القويات نسترجع أسطورة (ميدوسا) في اليونان القديمة، تشويه وطمس اسم الملكة حتشبسوت من قبل الفراعنة اللاحقيين، مأساة كليوباترا والتآمر على تحجيم نفوذها، حتى شجر الدر لم تسلم من “الهيترز” والحاقدين وموتها المأساوي كما تذكر كتب التاريخ، هذا الازدراء القديم لقوة المرأة يستمر إلى الآن في تشكيل المواقف والاتجاهات بطرق أكثر وضوحًا عما سبق، جميع الأنماط التقليدية والحديثة ربط قوة المرأة بحياة العزلة، وللإنصاف ليس الرجل وحده هو الملام في هذا، النساء كذلك ساهمت في تشكيل صور نمطية عن بنات جنسها، كنت أتمنى أن تختفي خاصة بوجود الانترنت وتدفق المعلومات، لكن من الواضح أن بعض النساء مازالن يقبعن في “أحراش” الانترنت إذا جاز التعبير، داخل فقاعتهم المقصورة على البحث عن العريس الغني والحجاب السابش وتقديس الأهل والأخلاء، ونفاجأ بأرآء من نوعية  “تظهر نظافة المرأة في ملابس الرجل، وتظهر رجولته في ملابس المرأة”، (ليه الرجل منتظر نظافة ملبسه من المرأة مش فاهمة؟! وطبعًا رجولة الرجل ليست في طهارة اليد أو مرؤته أو شهامته أو عدم أذية غيره، تؤ تؤ أبسلوتلي، رجولته في تحكمه في ملبس المرأة! أي والله زي مابقولك كده الآراء دي على الفيسبوك، وفعلاً ولا يوم من أيامك يا شجر الدر.

ميدوسا
ميدوسا

بالطبع ليس من الإنصاف أن نقول إن النساء أفضل من الرجال، قد تبحث المرأة عن علاقة من أجل إصلاح نفسها أو لكسب خادمة أو الترقي لمستوى مادي واجتماعي ما، أو كفيل بدوام كامل، على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى عالم الأموال فإننا نجد أن خضوع المرأة ينتاسب طرديًا مع شعارات الاستقلال التى تختفي بمجرد ظهور “الشوجر دادي”، حينها يقتصر دورها على الميراث.

بالبحث عن أكثر النساء ثراءً في عام 2020 نشر موقع DW تصنيف مجلة forbes لسيدات حصلن على الثروة عن طريق الرجل سواء بالميراث أو بتسوية طلاق، ستفاجأ عزيزي القاريء أن جميع النساء في التصنيف حصلوا على ثرواتهم بأسهل طريق للحصول على المال وهو الرجل “الشوجر دادي”(كان رجلاً عاديًا حتى ذهب لخطبتها فأصبح على الفيسبوك السند والضهر ومسكن للآلام ومعطر للجو)، نستشهد بهذا المثال لأن في بعض الحالات قد تفضل النساء الطريق السهل بدلاً من التشدق بالاستقلالية.

أخيرًا، الاستقلالية هي التغيير الجذري في سرد كيفية السعي لتحقيق الإنجاز، سواء كنتي معيلة أم لا، صغيرة فالسن أو كبيرة، لديك وظيفة بدوام كام أو حرفة حرة، الاستقلال من أي نوع هو الخطوة الأولى لإيجاد حياة نعيشها بشكل أصيل دون معايير محددة سلفًا تمنع النساء من عيش حياتهن، بعيدًا عن القوالب النمطية التي تعيق المرأة بشكل غير مباشر، فيجبرن على تجنب الاستقلال الحقيقي، لأنهن قد يشعرن بأنهن أقل استحقاقًا من غيرهن، قد نعتقد أننا سترونج اندبندينت وومان صباحًا لكن عندما يأتي المساء نحن كذلك بحاجة لمن “ينجد الولية”.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: