ثقافة

قصة الثانوية العامة

منذ ما يزيد عن ثمانين عاما أطلق الدكتور طه حسين صاحب المقولة الشهيرة «التعليم كالماء والهواء » صرخته المدوية في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر » منددا بتلك الأثار السلبية الناجمة عن تعدد نظم التعليم المصرية ما بين تعليم رسمي «أميري» وتعليم ديني «أزهري» وتعليم أجنبي «إنجليزي وفرنسي وإيطالي» ومن ثم اقترح ضرورة تدخل الدولة بهدف وضع منظومة تعليمية تتضمن الإلتزام بتعليم اللغة العربية وعلوم التاريخ والجغرافيا والدين كأساس لأي نوع من التعليم يتم داخل مصر.

ولعل مرور ما يقرب من قرنين من الزمان على تأسيس ما يعرف بشهادة الثانوية العامة أو شهادة البكالوريا سابقا يعد بمثابة مناسبة لطرح تاريخ تلك الشهادة وطبيعة التغيرات التي لحقت بها، وتأثير تعدد أنظمتها ما بين تعليم ديني أزهرى وتعليم مدني وبين نظام تعليم حكومي عام وتعليم خاص إلى جانب المدارس الدولية متعددة الانتماء ما بين مدارس «أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية وكندية»، وأثر كل ذلك على تشكيل الهوية الوطنية لأبناء هذا الجيل.

الكاتبة الصحفية إيمان راسلان مديرة تحرير مجلة المصور والمتخصصة بمجال قضايا التعليم في كتابها المعنون: «مستوطنات تعليمية .. قصة الثانوية العامة» تتبع التاريخ الاجتماعي والسياسي لشهادة الثانوية العامة في علاقتها بالتاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي لمصر على مدى ما يقرب من قرنين من الزمان.

مستوطنات تعليمية .. قصة الثانوية العامة
مستوطنات تعليمية .. قصة الثانوية العامة

بذور النشأة

ارتبط تاريخ التعليم في مصر ارتباطا وثيقا بالمشروع النهضوي لمحمد على باشا والذي قام على تاسيس المدارس الحربية وإرسال البعثات العلمية للخارج إلى جانب تأسيس المدارس العليا كالمهندسخانة التي تأسست عام 1816 ومدرسة الطب التي تأسست عام 1827، واعتمدت تلك المدارس العليا في بداية نشاتها على طلاب الأزهر، وبهذا جاء تأسيس المدارس العليا سابقا على تأسيس المدارس الثانوية.

غير أن التأريخ الدقيق لنشاة شهادة الثانوية العامة في مصر قد اقترن بتأسيس أول مدرسة تجهيزية «ثانوية» خلال عام 1825 وقد ظل التعليم الثانوي قاصرا على الذكور دون الإناث خلال القرن التاسع عشر، وجاء عام 1907 ليشهد بداية التحاق الإناث بالتعليم الثانوي حيث رصد الكتاب التحاق أول خمس فتيات مصريات بالتعليم الثانوي من بين 250 طالب وطالبة التحقوا بالتعليم الثانوي خلال هذا العام، وقد ترافق مع نشاة المدارس التجهيزية «الثانوية» تأسيس مدارس الجاليات الأجنبية والإرساليات المسيحية ما سمح ببروز ظاهرة تعدد أنظمة التعليم المصرية ما بين «ديني وميري وأجنبي» منذ بداية النشأة.

محمد علي باشا
محمد علي باشا

على مبارك .. التعليم حق للجميع

لفتت إيمان رسلان النظر إلى الدور المميز الذي لعبه علي مبارك في تطوير منظومة التعليم في مصر مشيرة إلى أنه بعد عودته من بعثته لفرنسا التي سافر إليها بعد تخرجه من مدرسة المهندسخانة ساهم في وضع لائحة كانت بمثابة أول لائحة تفصيلية للتعليم في مصر وعرفت بلائحة رجب 1868 وتضمنت تلك اللائحة النص على حق المصريين جميعا في الالتحاق بالتعليم بمرحلته الأولى الإبتدائية، وقد تزامن ذلك مع إنشاء مجلس النواب الذي اشترط لعضويته أن يكون المرشح ملم بالقراءة والكتابة، مع إقرار اللائحة لأول مرة بتوحيد امتحان «البكالوريا – التجهيزية» كشهادة عامة، كما دعا على مبارك إلى ضرورة تدريس اللغة العربية لطلاب المدارس الأجنبية.

من سعد زغلول إلى طه حسين .. وزيرا المعارف العمومية

جاء عام 1906 ليشهد تعين سعد زغلول وزيرا للمعارف العمومية، ما آهله للطواف بأرجاء مصر للتعرف على حالة التعليم ومن ثم إتخاذ قرارا برفع ميزانية التعليم إلى 3.4% من حجم الموازنة العامة بعد أن كانت لا تتجاوز حدود  ال 1% فقط، هذا إلى جانب قراره بضرورة تعريب عدد من المواد الدراسية بعد أن كانت تدرس بالإنجليزية منذ بداية عهد الإحتلال مع زيادة حصص الدين.

دعا سعد زغلول إلى التوسع في التعليم الثانوي، ومن ثم ساهم مع رواد الحركة الوطنية المصرية في إطلاق تلك الدعوة الخاصة بتأسيس الجامعة المصرية التي تم بدء الاكتتاب لها عام 1908، كما دعا لتدريس مادة الفلسفة بالمرحلة الثانوية عام 1909.

تندلع ثورة 1919 بقيادة طلاب المدارس الثانوية والعليا ويأتي دستور 1923 ممهورا بثلاث مواد تخص التعليم ومتوجا بالمادة 19 التي تنص على إلزامية التعليم الأولي وبمساواة تامة بين الذكور والإناث، ويأتي عام 1928 لترتفع مخصصات التعليم إلى 6.8% وهو ما سيؤدي إلى زيادة الطلب على التعليم الثانوي.

تتواصل الرحلة وصولا لطه حسين الذي ساهم بجهد مميزا في طرح قضايا التعليم بمصر بوصفه حق أصيل لعموم الشعب المصري ومناديا بالمجانية التامة للتعليم وفي يناير من عام 1950 تولى منصب وزير المعارف لمدة عامين حتى حريق القاهرة في يناير 1952 فأقر ما كان قد دعا إليه من الحق في مجانية التعليم حتى نهاية التعليم الثانوي الذي كان يبلغ خمس سنوات وكان يطلق على الشهادة الثانوية حينها «التوجيهية» لكونها توجه إلى التعليم العالي والجامعي.

طه حسين وسعد زغلول
طه حسين وسعد زغلول

التوسع في التعليم الثانوي

عشية ثورة يوليو 1952 كان عدد المدارس الثانوية أقل من خمسين مدرسة على مستوى الجمهورية، وجاءت الثورة ليتم التوسع في التعليم الثانوي وخاصة مع صدور قرار مجانية التعليم الجامعي عام 1961/1962، وزيادة ميزانية التعليم بدرجة لم يسبق لها مثيل حيث بلغت نحو 16% من الموازنة العامة للدولة.

تأتي السبعينيات ومعها سياسة الانفتاح الاقتصادي لتشهد مصر صعودا في تأسيس المدارس الخاصة بجميع المراحل الدراسية ومن ثم يبلغ عدد المدارس الثانوية الخاصة سنة 1976 نحو 121 مدرسة، تلك المدارس التي كان لا يلتحق بها سوى ذوي المجموع المنخفض من تلاميذ المرحلة الإعدادية لتنتشر بالإذاعة المصرية لأول مرة عند إعلان نتائج الثانوية العامة مقولة «مدرسة ……. الخاصة .. لم ينجح أحد» وبذات السياق الانفتاحي يبدأ تأسيس المدارس الدولية التي أقبل عليها أبناء الطبقة العليا لنصل لما أصبح عليه التعليم الثانوي الآن من تعدد وتنوع لا مثيل له في أي من بلدان العالم.

بيزنس المدارس الدولية

تزايد بمصر عدد المدارس الثانوية الخاصة حتى وصل نحو 1200 مدرسة خاصة وفي القلب منها المدارس الثانوية الخاصة الدولية التي بلغ عددها العام الماضي نحو 371 مدرسة دولية، من بينها 181 مدرسة أمريكية و154 مدرسة بريطانية و13 مدرسة فرنسية و11 مدرسة ألمانية، وثماني مدارس تمنح شهادة البكالوريا الدولية وأربعة مدارس كندية، وقد تجاوزت مصروفات بعض تلك المدارس المائة وعشرين ألف جنيه سنويا. الغريب في الأمر أن الدولة المصرية ذاتها قد دخلت سوق المدارس الدولية حيث أسسست عام 2009 خمس مدارس «مدارس النيل» هذا إلى جانب تحويل عدد من المدارس القومية إلى مدارس دولية.

مدارس النيل المصرية
مدارس النيل المصرية

التعليم والهوية الوطنية

أزمة شهادة الثانوية العامة بمصر باتت تتجاوز أزمة الاعتماد على الدروس الخصوصية كبديل لدور المدرسة، ذلك أن أزمة التعليم المتعدد الأنواع «الدولي بصفة خاصة» لا تقتصر على ضعف مستوى الخرجين فحسب وإنما الأزمة الحقيقية تكمن في تهديد الهوية الوطنية، فكيف للتعليم الدولي المتنوع ما بين «أمريكي وفرنسي وبريطاني وكندي وألماني .. إلخ» أن يضمن الحفاظ على الهوية الوطنية لأبناء الجيل الحالي.

كيف لجيل لا يتقن العربية جيدا وهى لغته الأم أن نتوقع منه أن يكون حريصا على الانتماء الوطني مؤمنا بقضايا الوطن العربي، كيف لجيل لا يدرس تاريخ وطنه وتاريخ أمته العربية أن يقف في وجه التطبيع مع العدو الإسرائيلي على سبيل المثال؟

توحيد نظم التعليم بجميع مراحله تعد بمثابة الفريضة الغائبة إن لم يعيها مسئولي التعليم بمصر فإنه لا مجال للحديث عن الهوية الوطنية لهذا الجيل والأجيال القادمة، ولعل كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» أن يكون مرشدا وهاديا لمن يبحث عن مستقبل التعليم في مصر.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock