رؤى

لطيفة الزيات.. سجينة بتهمة رفض التطبيع

الحديث عن مظاهر مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني التي تجدد طرحها في سياق رفض حادثة التطبيع المشينة التي وقعت مؤخرا لا يمكن أن يمر دون الحديث عن الأديبة والناقدة لطيفة الزيات التي شاركت بفاعلية في تأسيس ورئاسة «لجنة الدفاع عن الثقافة القومية» تلك اللجنة التي تأسست عام 1979 وضمت نخبة من خيرة مثقفي مصر ووضعت نصب أعينها مناهضة اتفاقية كامب ديفيد ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني، ما دعا الرئيس الراحل أنور السادات أن يصدر قراره بإعتقال عدد من مثقفي مصر كان من بينهم الأستاذة لطيفة الزيات فيما عُرِفَ بحملة اعتقالات سبتمبر 1981.

كتبت لطيفة الزيات عن حملة اعتقالات سبتمبر 1981 التي جاءت كعقاب لها ولخيرة مثقفي مصر لرفضهم الاعتراف بمعاهدة كامب ديفيد ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني وكيف أصبحت تجربة السجن لديها محملة بدلالات مناقضة تماما لما هى عليه بأرض الواقع ذلك أن السجن بات وكأنه تجربة تشير إلى تحرر الذات عبر مواصلة رحلة السعي إلى الحرية والوفاء بمتطلباتها.

في سيرتها الذاتية التي حملت عنوان «حملة تفتيش .. أوراق شخصية» التي صدرت عام 1992 وبمختلف كتاباتها روت لطيفة الزيات عن حياة المرأة والصراع اللذين مثلا موضوعي الكتابة المفضلة لديها، كتبت عن الحرية وكيف أن الفعل الإنساني محكوم بجدلية الضرورة والحرية في آن واحد.

حملة تفتيش .. أوراق شخصية
حملة تفتيش .. أوراق شخصية

جذور النشأة

«يا مصر ما تخافيش … دا كلام كله تهويش … أحنا بنات الكشافة … وأبونا سعد باشا وأمنا صفصف هانم» … بتلك الأنشودة كانت تتغني لطيفة الزيات في طفولتها بمدينة دمياط التي ولدت بها في الثامن من أغسطس من عام 1923، كان والدها يعمل بالمجالس البلدية ما منحها فرصة التجوال بعدد من المدن المصرية بدمياط والمنصورة وأسيوط.

تعلمت لطيفة الزيات بالمدارس الحكومية المصرية وحين التحقت بالجامعة كان نجم حزب الوفد إلى أفول فشاركت في الحركة الوطنية منتمية إلى إحدى المنظمات الشيوعية وعندما بلغت الفرقة الرابعة من دارستها الجامعية عام 1946، كانت قد أصبحت إحدى قيادات الحركة الطلابية المصرية ومن ثم تم انتخابها كممثلة للطلاب بسكرتارية «اللجنة الوطنية العيا للطلبة والعمال» التي شاركت في تنظيم المظاهرات الطلابية في 9 فبراير ومظاهرات 21 فبراير الأوسع نطاقا عام 1946، حيث حاصرت الشرطة الطلاب على كوبري عباس وأطلقت عليهم النار وفتحت الكوبري على الطلاب ليستشهد عدد منهم وبذلك يصبح يوم 21 فبراير يوما للطلاب حول العالم.

حصلت لطيفة الزيات على ليسانس الآداب في اللغة الإنجليزية من جامعة «فؤاد الأول» القاهرة حاليا عام 1946 وما أن انتهت من إعداد رسالتها للدكتوراه عام 1957 حتى تفرغت لكتابة رواية «الباب المقتوح» التي صدرت عام 1960 معلنة عن مولد أديبة سوف يصبح لها شأن كبير في الحياة الأدبية والثقافية في مصر والعالم العربي.

تروي لطيفة الزيات في سيرتها «أوراق شخصية» عن زوجها الأول وكيف تنقلا معا في خمسة بيوت خلال عام واحد «1948-1949» هربا من البوليس السياسي وكيف قام البوليس السياسي بتشميع مسكنها بسيدي بشر بالأسكندرية حتى وجدت نفسها بالحبس الانفرادي بسجن الحضرة في مارس من عام 1949 على ذمة تحقيق استمر حتى شهر يوليو وفي أعقاب الإفراج عنها بعد حصولها على حكم مع إيقاف التنفيذ بتهمة الانضمام وآخرين إلى تنظيم شيوعي يسعى لقلب نظام الحكم، خطت كتابها «في سجن النساء» الذي انتهت منه عام 1950 وروت فيه تجربتها مع السجن، غير أن هذا الكتاب لم يكتب له النشر حتى أقدمت على كتابة سيرتها الذاتية فاستعانت بمقاطع مما حواه ختمتها بأنشودتها: «في يوم من أيام الحياة .. سيزدهر الربيع من جديد .. في أرض حرة حرة .. فيها نحيا من جديد .. فيها نُحِب ونُحَب من جديد».

الباب المفتوح

“مساء 21 فبراير 1946 .. كانت دور السينما مُضربة وكذلك المحال العامة والأتوبيس والترام، وسيارات البوليس تمر في الشوارع محملة بجنود مسلحين بالبنادق، والمارة قلائل .. يتحدثون”

بهذا المشهد افتتحت الدكتورة رضوى عاشور حديثها عن رواية «الباب المفتوح» الصادرة عام 1960 للطيفة الزيات في كتابها «لكل المقهورين أجنحة» مشيرة إلى أن تلك الرواية قد مثلت علامة فارقة في كتابة المرأة العربية لا لتماسك بنائها وحيوية شخوصها فحسب وإنما لأن الرواية عمدت على أن تخرج المرأة من الهامش الاجتماعي المحدود الذي كانت تقبع فيه وزجت بها في قلب الحياة العامة والكتابة معا، ومن ثم دفعت بها وبحكاياتها إلى مركز الحدث التاريخي.

تم تحويل رواية «الباب المفتوح» لعمل سينمائي من بطولة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وصالح سليم وحصلت لطيفة الزيات عن روايتها تلك على جائزة نجيب محفوظ الأدبية عام 1996 وهو ذات العام الذي حصلت فيه على جائزة الدولة التقديرة في الآداب.

لطيفة الزيات نجم ساطع في الحياة الثقافية المصرية

لم تكتفي لطيفة الزيات بالكتابة الأدبية بل تنوعت طبيعة الأنشطة الثقافية التي شاركت فيها بخلاف عملها كأستاذة جامعية بكلية البنات بجامعة عين شمس، فخلال الفترة من عام 1962 وحتى عام 1970 داومت على تقديم برنامج إذاعي خاص بالنقد الأدبي من خلال البرنامج الثاني بالإذاعة المصرية ومن عام 1965 حتى عام 1968 حررت بابا أسبوعيا خاصا بشئون المرأة بمجلة حواء، كما أشرفت لسنوات عدة على الملحق الأدبي الخاص بمجلة الطليعة اليسارية.

عاشت لطيفة الزيات نكسة 5 يونية 1967 وكأنها هزيمتها الشخصية ظلت لشهور عدة تدق على صدرها مرددة: «هذه الهزيمة حدثت لي أنا على المستوى الشخصي، وأقسى ما حدث لي على المستوى الشخصي» لم يدرك سوى قلة من المحيطين بها مغزى مقولتها تلك، حاولت مع حراك الطلاب خلال عامي 1972 و1973 أن تتجاوز أزمتها غير أنها لم تتمكن من ذلك حتى جاء انتصار أكتوبر 1973 لتنطلق مع المئات خلال عرض مسرحي تنشد «باليوم والغد، بالحرب والزرع، بالأرض وملح الأرض» -كلمات الشاعر سمير عبد الباقي وتلحين وغناء عدلي فخري- فينزاح عنها الشعور بالنهاية والوجوم الذي سكنها طوال السنوات ما بين نكسة 1967 وإنتصار 1973.

سجن القناطر 1981

تتواصل الرحلة ويتم توقيع معاهدة كامب دايفيد ويصدر السادات أمره بالتحفظ على نحو 1500 من خيرة مثقفي مصر المعارضين لتوقيع الاتفاقية من بينهم لطيفة الزيات، لتجد نفسها تخرج من مبنى أمن الجيزة في طريقها لسجن القناطر بعد منتصف ليلة 8 سبتمبر 1981، وكان قد تم إلقاء القبض عليها من مسكنها قبل ساعات قليلة، وسبقها في الاعتقال أخوها ودائرة واسعة ممن تربطهم بها علاقة صداقة شخصية في إطار الحملة التي بدأت في يوم 5 سبتمبر، وحين تصل بوابة السجن يسألها معاون الشرطة عن عملها فتجيبه «أستاذة في الجامعة .. فيرد مبهوتا .. يا خبر أسود».

خلال عام 1986 عادت لطيفة الزيات للكتابة الأدبية فكتبت المجموعة القصصية التي حملت عنوان «الشيخوخة وقصص أخرى» وفي عام 1991 كتبت روايتها القصيرة «الرجل الذي عرف تهمته» وفي عام 1994 كتبت رواية «صاحب البيت» ومسرحية «بيع وشراء».

صاحب البيت لطيفة الزيات
صاحب البيت لطيفة الزيات

كانت الكتابة الأدبية بالنسبة للطيفة الزيات «فعل من أفعال الحرية» أما الكتابة النقدية فكان الأمر فيها جد مختلف ذلك أنها كانت تحتكم فيها إلى المنهج التحليلي حيث تلغي ذاتيتها وتخضع نفسها مكتملة لمنطق العمل الأدبي، أيا ما كان منطقه مخالفا لمنطقها، غير أنها وبالخبرة تحررت من هذا المنطق بصفة خاصة خلال بحثها عن صورة المرأة في القصص والروايات العربية حيث أصبح صوتها يظهر جنبا إلى جنب الصوت الآخر الذي يحمله العمل الأدبي فبات منطقها يظهر جنبا إلى جنب منطق النص الذي تعمل على تحليله.

توفيت لطيفة الزيات في 11 سبتمبر من عام 1996 عن عمرٍ يناهز 73 عاماً إثر إصابتها بمرض السرطان، بعد أن ربطت منذ روايتها الأولى «الباب المفتوح» مسار الفرد بمسار الوطن وجمعت بينهما في سياق من التطور الاجتماعي والتاريخي وبات كل نص تكتبه فيما بعد بمثابة بابا مفتوحا طلت من خلاله أجيالا متعاقبة من الكاتبات العربيات أنتسبن إليها وواصلن الطريق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: