فن

البحث عن “سبارتاكوس” جديد.. الاتجار بالبشر من الواقع إلى السينما 

هل نحن فى انتظار “سبارتاكوس “جديد ؟ … هذا العبد الذى تحول إلى أيقونة لتحرير العبيد بعد أن دفع حياته ثمنا فى معركة تحرير العبيد فى عام 71 قبل الميلاد ليجسد ملحمة ملهمة لكل المناضلون ضد تلك الظاهرة المقيتة التي تسلب الحرية وتحول البشر إلى سلعة يتاجر بها بشر مثلهم

وعرفه القارئ العربى من خلال أعمال سينمائية عديدة وقصيدة “أمل دنقل ” الشهيرة “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”

اختارت منظمة الأمم المتحدة يوم الثاني من ديسمبر من كل عام  وهو اليوم الذي يذكر باتفاقية الأمم المتحدة بشأن منع الاتجار بالأشخاص واستغلال الغير فى البغاء والتي صدرت فى 2 ديسمبر عام 1949

ورغم التطور الذى شهدته البشرية وسن العديد من المواثيق والتشريعات التى تحارب الاتجار بالبشر إلا أن تقارير منظمة العمل الدولية تؤكد وجود أكثر من 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم ضحايا للرق الحديث. وعلى الرغم من أن الاسترقاق الحديث غير معرف في القانون، فإنه يستخدم كمصطلح شامل يشمل ممارسات من قبيل العمل الجبري، واستعباد المدين، والزواج القسري، والاتجار بالبشر. وهي تشير أساسا إلى حالات الاستغلال التي لا يمكن للشخص أن يرفضها أو يغادرها بسبب التهديدات والعنف والإكراه والخداع أو إساءة استعمال السلطة.

وبالإضافة إلى ذلك، يتعرض أكثر من 150 مليون طفل لعمل الأطفال، وهو ما يمثل قرابة واحد من كل عشرة أطفال في جميع أنحاء العالم .

وتكشف التقارير الأممية أن من بين إجمالي الذين يعانون الرق الحديث يوجد 24 مليون فى السخرة و15 مليون فى الزواج القسري كما يوجد بين كل 4 ضحايا طفل يعاني من تلك الكارثة البشري.

وتتأثر النساء والفتيات بصورة غير مناسبة بالعمل الجبري، إذ يمثلن 99 % من الضحايا في صناعة الجنس التجاري و 58 % في القطاعات الأخرى

قد تطور الرق واتخذ أشكالا مختلفة عبر التاريخ. وفي وقتنا هذا ما زالت بعض أشكال الرق التقليدية القديمة قائمة على نحو ما كانت عليه في الماضي، وتحول بعض منها إلى أشكال جديدة.

وتوثق التقارير التي كتبتها هيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية استمرار وجود الأشكال القديمة من الرق المجسدة في المعتقدات والأعراف التقليدية. ونتجت هذه الأشكال من الرق عن التمييز القائم منذ عهد طويل ضد أكثر الفئات استضعافا في المجتمعات مثل أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم من طبقة اجتماعية دنيا والأقليات القبلية

ووفقا لبروتوكول منع وقمع الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال وقمعه والمعاقبة عليه، فإن الاتجار بالأشخاص يعني ” تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم عن طريق التهديد باستعمال القوة أو استخدامها أو غير ذلك من أشكال الإكراه الغرض منها الاستغلال. ويشمل الاستغلال بغاء الغير أو غير ذلك من أشكال الاستغلال الجنسي أو العمل أو الخدمات القسرية أو الرق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاسترقاق أو استئصال الأعضاء. وموافقة الشخص المتجر به لأغراض الاستغلال غير ذات صلة، وإذا كان الشخص المتجر به طفلا، فإنه جريمة حتى بدون استخدام القوة ” .

العبودية فى السينما

هكذا ترى المنظمات الدولية حجم الكارثة البشرية التى نعيشها فى القرن الحادى والعشرين فكيف عالجت السينما هذا الأمر

اهتمت السينما العالمية بتقديم أفلام تعالج تلك الظاهرة سواء بشكلها التقليدى وهو الاتجار المباشر بالبشر أو خلال أشكالها الحديثة مثل الاتجار فى النساء والأطفال عن طريق إجبارههم على أعمال غير قانونية

ويظل الفليم الأمريكي “سبارتاكوس ” للمخرج ستانلي كوبريك والذى أنتج عام 1961 ليجسد ملحمة محرر العبيد الشهير يظل واحد من كلاسيكيات السينما العالمية

حيث يتناول قصة حياة العبد سبارتاكوس الذي ثار على الحياة غير الآدمية التي كان يعيشها العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، وقاد ثورة العبيد الثالثة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية من أجل حريتهم، وكلما تقدموا في طريقهم في البلاد كلما انضم إليهم الآلاف من العبيد من كافة أنحاء الإمبراطورية حتى أصبحت الثورة وقام ببطولة الفليم كيرك دوغلاس الذى جسد شخصية سبارتاكوس وحصل الفليم على أربع جوائز أوسكار إضافة إلى 12 جائزة فى مهرجانات دولية كبرى وقد تم معالجة نفس القصة فى عدد من أعمال الدراما التلفزيونية حملت نفس الأسم .

اسمك جوستين

وحول الاتجار بالنساء فقد قدم المخرج ” رانكو دي بينا ” عام 2006 فيلم “اسمك هو جوستين ” ويحكى عن امراة شابة تدعي ماريولا (آنا سيزلاك) والتى تقع في الحب مع صديقها نيكولا (أرنو فريش) أقترح عليها أن يسافرا معًا إلي جميع أنحاء أوروبا ويعملا هنا وهناك لتسديد ثمن رحلتهما. ويقوم حبيبها ببيعها للعمل في الدعارة عند عبورهم ألمانيا. يتابع الفيلم محنتها وهي تحاول أن تحرر نفسها ولكنها تظل عالقة وتعيش حياة جديدة من العبودية .

ويعتبر الفليم  “صولد ” أحد أهم الأعمال التى تناولت ظاهرة العبودية والاتجار بالبشر وقد تم إنتاجه عام 2017 من إخراج جيفري براون، يروى قصة فتاة نيبالية تدعى لاكشمي يبيعها أهلها كي تعمل كخادمة في المنازل، لكنها تباع لتعمل في الدعارة في كالكوتيا بالهند والفليم مقتبس من قصة الكاتبة والصحفية الأميركية باتريسيا ماك كورميك .

وفى عام 2019 قدم المخرج  ” كاسي ليمونز ” فيلم ” هارييت ” تقوم بدور البطولة في دور سينثيا إريفو في دور هارييت توبمان ، مع ليزلي أودوم جونيور وجو ألوين وجانيل موناي

ومؤخرا كشف النقاب عن استعداد نجم هوليود صاحب البشرة السمراء “ويل سميث ” تعاقد مع المخرج ” إخراج أنطوان فوكوا “على  فيلم يحمل اسم “تحرر القُصر “

حيث يلعب سميث دور عبد هارب من العبودية في رحلة عبر مستنقعات لويزيانا لمدة 10أيام حافي القدمين وهي قصة حقيقة لعبد انضم إلي جيش الإتحاد ولقب بصاحب الظهر البائس بسبب علامات الضرب بالكرباج علي ظهره

الفيلم من سيناريو ويليام نكولاج وسيشارك في السوق الافتراضية لمهرجان كان السينمائي .

ولم تغب السينما العربية عن معالجة تلك الظاهرة والاشتباك معها ورغم أن معظم الأعمال لم تتناول الظاهرة بشكل مباشر وجرئ خاصة أن المؤسسات الدولية تؤكد فى تقاريرها أن منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق آسيا من المناطق التى تنتشر فيها ظاهرة الاتجار بالبشر بنسب كبيرة

إلا أن تعاطى السينما كان أقل من حجم الظاهرة وحاولت بعض الأعمال الاقتراب منها لكن تبقى تجربة المخرجة “إيناس الدغيدى ” فى فيلم ” لحم رخيص ” والذى أنتج عام 1995 ويعرى الفليم ظاهرة تجارة النساء فى الريف المصرى وكيف تتحولت المرأة إلى سلعة

السينما المصرية والاتجار بالبشر

ويعتبر “لحم رخيص ” الذى كتبه صلاح فواز ولعب بطولته “كمال الشناوى ومحمد هنيدى ووفاء مكى ومحمود قابيل ” صرخة فى وجه ظاهرة الاتجار بالنساء وقد تعرض العمل حين عرضه لهجوم حاد واتهمت المخرجة بالإساءة – لسمعة مصر – وتشويه صورة الشعب المصرى وهى تهم معلبة وجاهزة واجهت كل الأعمال التى حاولت كشف ورقة التوت التى تستر عورات المجتمع

وكان المخرج “على عبد الخالق ” قد قدم فيلم “جرى الوحوش ” عام 1987 من تأليف “محمود أبو زيد ” وبطولة نور الشريف وحسين فهمى ومحمود عبد العزيز وتعرض خلاله للاتجار فى الأعضاء البشرية عن طريق قيام ثرى مريض بشراء جزء من جسد مواطن فقير

ولم تكن المعاجة التى قدمها “عبد الخالق ” تصل إلى تقديم حالة سينمائبة بقدر ما تميزت باللجوء للموعظة والإرشاد .

وفى عام 1989 قدم نفس المخرج فيلم “الحقونا ” بطولة نور الشريف وفادية عبد الغنى والذى تناول نفس القضية وهى سرقة الأعضاء البشرية من مواطن فقير

أما فيلم “البداية ” للمخرج الكبير صلاح أبو سيف  والذى قدمه عام 1986 وتناول ظاهرة العبودية بقدر كبير من الفانتازيا الموجعة التى كشفت عن تجذر تلك الرغبة فى استعباد الآخر لدي بعض البشر غير الأسوياء ونظرتهم المتدنية لغيرهم الأقل مكانة أو طبقة اجتماعية ورغبتهم الدائمة فى ممارسة سلطة الاستعباد حينما تحين فرصة ممكنة لذلك

ويعد “البداية ” بسخريته العالية ولغته السينمائية المميزة واحدا من الأعمال التى قدمت صورة فنية لتلك الدوافع التى تسيطر على عقول المستبدين وأسرى الرغبة فى امتلاك الغير.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: