فن

الشامخ شوقي.. البطل بالناس

يطل علينا وجهه المحبب كثيرا.. ليس عبر الشاشات فقط؛ بل في كثير من مواقف الحياة التي تستلزم ظهور رجل من “أولاد البلد” لديه من الحكمة والقبول ما يجعله قادرا على الحسم حين يتردد الجميع.. في كثير من الشخصيات التي قدمها أهدانا “الشامخ” تلك القيمة الإيجابية العظيمة.. قيمة فعل الإقدام ابن الرغبة الصادقة في التغيير.. بطل من آحاد الناس.. وظل هكذا إلى آخر حياته.. لم يمنحه الفن البطولة المطلقة.. لكنه كان طوال الوقت البطل بالناس.

لم يكن حي الحلمية الذي أمر بإنشائه الخديوي “عباس حلمي” حيًا للقصور تفخر بسكناه الطبقة الأرستقراطية؛ لزمن طويل.. فعندما تمدد الحي متوسعا في منطقة الدرب الأحمر جذب عديدا من الأسر المصرية ذات الأصول الريفية.. ومنها أسرة تاجر الحبوب “شامخ بيومي” القادم من إحدى القرى التابعة لمركز “شبين الكوم”.

رضي العم “شامخ” بما قسمه الله له عندما رُزق بأربع إناث؛ لكن شوقه للصبي لم يفتر.. إلى أن حقق الله مراده في إحدى ليالي صيف عام1949، ليرى “محمد شوقي” النور؛ وليكون سندا وعونا حقيقيا لأبيه ولكل أفراد أسرته؛ طيلة نصف قرن؛ في تفان واضح قلما نجد له مثيلا.

في سنوات الدراسة الأولى بإحدى مدارس حي الحلمية يكتشف الصبي “شوقي” شغفه بالفن، فقد جذبه النشاط المسرحي بالمدرسة والذي كانت توليه وزارة التربية والتعليم اهتماما خاصا، وتنتدب له أساطين المسرح لتدريب الفرق المدرسية والتحكيم في المسابقات التي كانت تجريها بين المدارس.. ولا ينقطع ذلك الشغف بل يزداد في المرحلة الثانوية في المدرسة الخديوية التي كان شوقي نجم فريق التمثيل بها.

عام 1967، يحصل فناننا على الثانوية العامة، ويقرر الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ويجتاز “شوقي” اختبارات القبول ويبدأ بالانتظام في الدراسة وسط أجواء يغلفها الحزن، ولا ينقصها الإصرار في تلك الفترة الصعبة من عمر الوطن.. لكن الشاب العاشق للفن لا يرى في عين والده الحبيب علامات الرضا؛ فيسارع إلى سؤاله عن ما يحزنه، فيصارحه بأنه لا يرى لهذه المهنة التي اختارها الابن لنفسه مستقبلا مضمونا.. وهو الابن الأكبر الذي تقع على عاتقه مسئولية رعاية الأسرة وحمايتها بعد عائلها.. فكيف سيقوم الابن بهذه الواجبات وهو لا يحصل على راتب ثابت يقيه شر غدرات الزمن.

تأثر الشاب الشغوف بالفن بكلمات والده والتماع الدموع في عينيه؛ فقرر أن يكون على قدر تلك المسئولية. يترك “شوقي” المعهد وهو في أشد حالات الحزن، ويلتحق بكلية التجارة جامعة عين شمس، لكنه لم يبرح مسرح الجامعة خلال سنوات الدراسة الأربع، مشاركا في العروض التي كانت تتبارى فيها الجامعات؛ إلى أن رآه الفنان الكبير “عبد الرحيم الزرقاني” في أحد العروض وتحدث معه معجبا بموهبته.

بعد تخرجه يلتحق “شوقي” بوظيفة مراجع حسابات بوزارة التربية والتعليم في إدارة العلاقات الخارجية الثقافية.. ولهفوة حسابية يعاقب بالنقل إلى إدارة المسرح المدرسي بالوزارة التي كان على رأسها الفنان القدير”صلاح منصور” الذي لم يتردد في ضمه لفريق الوزارة للتمثيل الذي كان يخوض غمار المسابقات منافسًا الفرق الأخرى للوزارات، وكان هذا التقليد قد تم إرساؤه منذ أوائل الستينات.

ولإعجاب “منصور” به يشركه معه في مسرحية بعنوان “الشنطة في طنطا” ويقدمه للمخرج “سمير العصفوري” الذي يمنحه دورا في عمل مسرحي آخر هو “سوق الدلالة”.. وفي أحد عروض فريق التمثيل بالوزارة يشاهده الفنان “فؤاد المهندس” الذي حضر بصحبة وزير التعليم الذي كان صديقا له.. فيشركه في دور صغير في عرض مسرحي لم يكتب له النجاح.. لكنه كان سببا في تعرّفه على فرقة الفنانين المتحدين.

لم يجد “شوقي شامخ” الأمر مجديًا، وخشي أن تتحقق نبوءة والده فيسرق الفن عمره دون فائدة، فيقرر قبول وظيفة موجه مسرح بالجزائر؛ ليقضي هناك عاما كاملا، يتوجه بعده إلى فرنسا ليمضي عاما آخر دون مردود مادي مُرضٍ؛ فيضطر للعودة إلى مصر.

ثم تكون بداية الانفراجة بمشاركته في مسرحية “شاهد ماشفش حاجة” في دور المخرج التليفزيوني للبرنامج الذي يقدمه “سرحان عبد البصير” بعنوان “هيا بنا نلعب”.. وكان مرشحا لأداء دور وكيل النيابة الذي أداه الفنان” سعيد طرابيك”.

أثناء تقديم المسرحية يلتقي “شوقي” بالمخرج القدير “إبراهيم الصحن” الذي يرشحه لدور “شوكت المغربي” في مسلسل “الشوارع الخلفية” الذي جمع أشهر أبناء جيله، وعلى رأسهم الفنان “صلاح السعدني” و”صبري عبد المنعم” و”سامح الصريطي” و”عهدي صادق” و”مصطفى متولي” و”محمد متولي” وآخرين.. وهذه المجموعة ارتبط “شوقي” بأفرادها بعلاقة صداقة قوية لم تنفصم عراها أبدا.

مع نهاية عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات يتجه العديد من فناني مصر إلى العمل في أعمال درامية تاريخية واجتماعية تنتجها استوديوهات الخليج واليونان وتونس. وصف البعض هذه الأعمال بأنها دراما “البترودولار” لكن الإنصاف يقتضي القول أنها كانت في مجملها أعمالا ذات قيمة فنية كبيرة؛ لكن الجمهور المصري لم يشاهد أغلبها لاقتصار عرضها وتوزيعها على الدول العربية الأخرى، كما مثلت هذه الأعمال متنفسا لكثير من الفنانين المصريين الذي عانوا من التضييق والإبعاد بعد أن ناصبت السلطة الفن الهادف العداء.. لتدخل الفن المصري نفقا مظلما من التفاهة والإسفاف لم يخرج منه إلا بعد سنوات باجتهادات فردية لجيل المخرجين الشباب أمثال: خان والطيب وبشارة وعبد السيد والكاشف والقليوبي، وغيرهم ممن وصفت سينماهم بسينما الواقعية الجديدة.

عمل “شوقي شامخ” لعامين في تلك الأعمال الدرامية، وقدم عددا من الأدوار الرائعة.. لم يكن حريصا في تلك الفترة على العمل في مصر.. فلما أراد أن يعود وجد أن الأدوار التي تعرض عليه قليلة وهامشية؛ فقرر الاعتزال لكن القدر يجمع بينه وبين أحد أهم كتاب الدراما الذي سيصير أقرب أصدقائه.. الكاتب أسامة أنور عكاشة الذي يقنعه بقبول دور في مسلسل ” أبواب المدينة” لتبدأ رحلة “شوقي شامخ” مع دراما “عكاشة” والمخرج “جمال عبد الحميد” تلك الرحلة التي بدأت بدور “مكرم” في “الشهد والدموع” وهو دور مركب لشاب مسيحي تسكن عائلته بجوار أسرة “شوقي رضوان” فترتبط الأسرتان برباط المودة؛ لكن الشاب القبطي يقع في حب ابنة عم جيرانه، وهو حب مستحيل لا يستطيع حتى الإفصاح عنه.. فيحترق بنيران الهوى الذي لا يستطيع له ردا.. براعة “شوقي” في أداء هذا الدور تسببت في أن يكون اختيار المخرجين الأول لأداء الشخصية القبطية، فقدم بعد ذلك شخصية “كمال خِلَّة” في ليالي الحلمية وأبدع فيها، كما قدم شخصية “نسيم” القبطي الانتهازي الذي يتزوج من سيدة إيطالية في عمر والدته طمعا في ثروتها في مسلسل “زيزينيا” وقد قدم فناننا في هذا الدور أداء بالغ السلاسة، شديد التوازن.. لدرجة جعلت من الصعب على المشاهد الفصل في أمر “نسيم” هل هو عاشق أم طماع؟!.

من الطريف أن البعض قد أطلق على “شوقي شامخ” لقب “الممثل الرسمي للشخصية القبطية في الدراما المصرية” أما الأطرف من ذلك فهو أن أحد رجال الكنيسة المصرية هاتفه عارضا عليه أداء دور أحد القديسين في فيلم تنتجه الكنيسة؛ فقبل “شوقي” وطلب أن يرسلوا له سيناريو الفيلم؛ لكن ممثل الكنيسة اعتذر بعد أيام له بعد أن أخبره أحدهم أن “شامخ” مسلم واسمه “محمد” فهاتف الفنان معاتبا؛ لأنه لم يخبره أنه مسلم…فتساءل “شوقي” وما علاقة ذلك بالفن؟ وأنه على استعداد تام لأداء الدور.. لكن رجل الكنيسة اعتذر له؛ واصفا الأمر بأنه شديد الحساسية!.

يتحرر فناننا من أسر الشخصية القبطية مقدما عددا من الأدوار الرائعة منها دور “زغلول اللول” في مسلسل “النَّوَّة” ودور “إبراهيم العباسي” في “أبدا لم يكن لها” قبل أن يقدم دورا لا ينساه أبدا جمهور الدراما العربية، وهو دور “أفرايم سولومون” الشاب اليهودي المصري في الجزء الأول من “رأفت الهجان” ثم دوره الذي اعتبره البعض مفاجأة لأنه فجَّر طاقات الأداء الكوميدي لدى “شامخ” لأول مرة، وهو دور المهندس المعماري “شريف ظاظا” في مسلسل “أرابيسك”.. أعقب ذلك تألق غير عادي في عدد من الأعمال الدرامية منها مسلسل “ومنين أجيب ناس” في شخصية المحامي، وكما قدم شخصية الانتهازي ببراعة في مسلس “الحاوي” وتميز بأداء شديد الروعة والعذوبة في “حلم الجنوبي” و”رجل من زمن العولمة”و”لقاء على الهوا” و”كناريا وشركاه”.. كما تحقق له ما أراد عندما شارك مع نجمه المفضل الفنان “محمود مرسي” في مسلسل “لما التعلب فات” الذي لم يحقق النجاح المنتظر.

في السينما وكالعادة مع أصحاب الموهبة؛ لم يحظ “شوقي شامخ” بالفرصة المستحقة؛ فجاءت مشاركاته قليلة جدا، وكثير منها في أدوار ثانوية، لكن معظمها من علامات السينما المصرية؛ أهمها بالطبع مع عاطف الطيب في “كتيبة الإعدام” في دور “الرائد كمال” الذي نال عنه جائزة جمعية الفيلم. وكان عاطف قد قدمه في فيلم “ملف في الآداب” في دور الموظف “شريف” وفي دور أحد المعتقلين في فيلمه الجريء “البريء”.. كما أبدع في دور ضابط الشرطة في “البحث عن سيد مرزوق” لداود عبد السيد، وهو فيلم لم ينل ما يستحق من حفاوة برغم روعته.. وفيلم “البحر بيضحك ليه” من إخراج وتأليف الرائع الدكتور محمد كامل القليوبي، ودور “وطني” قريب “أنور عبد المولى” الذي لعب دوره الفنان أحمد زكي في فيلم علي عبد الخالق “أربعة في مهمة رسمية” كما شارك بدور “علي بوبي” في “ليه يا بنفسج” لفيلسوف السينما المصرية “رضوان الكاشف” وغيرها من الأعمال السينمائية التي بلغت ثلاثين فيلما.

هناك جوانب إنسانية عديدة لم يتسع المجال لذكرها في شخصية الفنان “شوقي شامخ” الذي كان لصيقا بناسه في مسقط رأسه بمركز “شبين الكوم” وقد رفض أن يبيع أرض أبيه وداره بالقرية، كما عاهد أمه على ذلك، وظل لآخر حياته متكفلا بالإنفاق على إخوته وأولادهم حتى لا يضطروا لبيع الأرض، كما كان ودودا لأقصى حد مع جيرانه بحي الحلمية، وما زالوا يتذكرونه بكل خير بمواقف تقطر شهامة ومروءة وجودا كذلك أهل حي العجوزة الذي انتقل للعيش فيه بعد زواجه.. لذلك كان عزاؤه بحي العجوزة مشهودا ومثار دهشة الكثيرين من زملائه.. رحم الله الفنان “شوقي شامخ” الذي آمن بأن الفن الحقيقي عطاء بلا حدود، وحالة منالوجد الصوفي تتسامى بصاحبها فوق الصغائر، فتفتح له القلوب، ويوضع له القبول، ويخلد ذكره الحسن في الناس أبد الدهر.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock