ثقافة

يحيى حقي..المحامي الذي انحرف إلى الأدب

تمر اليوم ذكرى رحيل الأديب الكبير وأحد رواد فن القصة القصيرة في الأدب العربي،يحيى حقي، الذي غادرنا في التاسع من ديسمبر 1992.

“إن فاتك الميري”

ولد الطفل يحيى في 17 يناير 1905 في بيت صغير من بيوت وزارة الأوقاف المصرية وراء “المقام الزينبي” في حي السيدة زينب بالقاهرة؛ لأسرة مصرية من أصول تركية متوسطة الحال غنية بثقافتها. هاجر جده المباشر “إبراهيم حقي”  من الأناضول وأقام مع أسرته عدة سنوات في شبه جزيرة “المورة”، قبل أن ينزح إلى مصر ـ في أوائل القرن التاسع عشر، قادما من اليونان، وكانت خالته السيدة حفيظة المورالية خازندارة ( أمينة خزينة ) بقصور الخديوي إسماعيل ؛ فتمكنت من تعيين قريبها الوافد في خدمة الحكومة، حيث تدرج في الوظائف حتى أصبح وكيلًا لمديرية البحيرة.  جسدت مسيرة حياة الجد مثالا نموذجيا لذلك النمط الشائع  في ذلك الزمن واستمر في أوساط الطبقة الوسطى المصرية المكافحة ذات الأصول، سواء كان جدودهم من عائلات تركية أو مصرية انتقلت في الأغلب من عائلات الريف إلى المدن. بالنسبة لهذه الأسر كان التعليم – وليس الإرث – وسيلتها الوحيدة للترقي في السلم الاجتماعي وللهروب من مخاوف التدهور الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تؤرق المنتمين لهذه الطبقة.

كان من الطبيعي أن تجد هذه الأسر في الوظيفة الحكومية – أو الوظيفة المهنية الخاصة عند الاضطرار – مصدرا للاحترام والشعور بالأمان وفقا للمثل المصري الشائع من وقتها “إن فاتك الميري، اتمرغ في ترابه”، وهو ما يتطلب تعليما متميزا وحرصا بالغا على التفوق الدراسي يضمن فرصا في وزارات مميزة وأولوية في الترقى وصولا للهدف النهائي، احتلال وظائف قيادية في الجهاز الحكومي، وهو الذي اعتادت هذه الأسر غرسه في الأطفال منذ مولدهم، وهو ما نشأ عليه الطفل يحيى بين أقارب فخورين بأنفسهم كونهم من كبار الموظفين المهنيين والمعلمين ..الخ. سلك الوالد  محمد إبراهيم حقي نفس مسار الجد ليجد نفسه موظفا بنظارة الأوقاف قبل أن يتزوج من (سيدة هانم حسين) التي كانت تنتمي أيضاً إلى أب تركي وأم ألبانية في بندر المحمودية بمحافظة البحيرة، قبل أن تنتقل الأسرة لحى السيدة زينب العريق في قلب القاهرة.

على الدرب..رحلة التفوق

رغم أصوله التركية وتميز المستوى المهني والثقافي لعائلته، زامل الطفل يحيى منذ نعومة أظافره أقرانه من البسطاء والفقراء في الحى والمدرسة إلى جانب زملاء طبقته الوسطى، بداية من كُتَّاب “السيدة زينب”، ثم مدرسة “والدة عباس باشا الأول” الابتدائية بحي “الصليبية” بالقاهرة عام 1912، وكانت مدرسة مجانية للفقراء والعامة، وهي التي تعلم فيها مصطفى كامل باشا. عام 1920م التحق الشاب يحيى حقي بالمدرسة “السعيدية”، قبل أن ينتقل إلى المدرسة “الخديوية” التي حصل منها على شهادة (البكالوريا)، ولما كان ترتيبه الأربعين من بين الخمسين الأوائل على مجموع المتقدمين في القطر كله، فقد التحق في أكتوبر 1921 م بمدرسة الحقوق السلطانية العليا في جامعة فؤاد الأول، وكانت وقتئذٍ لا تقبل سوى المتفوقين، وتدقق في اختيارهم؛ وزامل فيها عددا من الوجوه التي لمعت فيما بعد ومنهم توفيق الحكيم، وحصل منها على درجة (الليسانس) في الحقوق عام 1925، وجاء ترتيبه الرابع عشر.

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم

بعد التخرج خضع الشاب يحيى لضغوط أسرية نجحت- إلى حين – في طمس مواهبه الفنية ونزعاته الفكرية وتأملاته الثقافية التي كانت تعكر أحيانا صفو انتظامه كموظف مهني منضبط، فبعد حصوله على الحقوق قضى يحيى حقي فترة التمرين بمكتب نيابة “الخليفة”، وما لبث أن ترك هذه الوظيفة بعد فترة وجيزة ليتنقل من مكتب محام كبير لآخر، أو لنقل أنه تنقل من فشل لآخر حتى وجد له أهله وظيفة معاون إدارة في منفلوط بالصعيد الأوسط؛ بعد وفاة والده عام 1926، فقبلها مضطرا على مضض وتسلم عمله مهموما في 1 يناير 1927 حاملا معه أحلام الأدب والفن.

ميول فنية معاكسة

ولكن يبدو أن ثمة نزعة فنية وجدانية كانت تكمن في جينات عائلة حقي خلف تلك النزعة العملية العقلانية الشائعة التي كانت تتجسد في تقديس “الوظيفة المهنية”، وهى النزعة التي لم يفلت منها في عائلة حقي سوى إثنان، أصرا الأول على اختيار طريق الإبداع الفني دون شريك وهو عمه الأديب المعروف محمود طاهر حقي ، أما الثاني فتوصل إلى صيغة للجمع بين ممارسة الإبداع الفني واختيار “وظيفة” مرتبطة بالثقافة والمثقفين، وهو أخوه “موسى حقي” الذي تخرج في كلية التجارة، ثم أصر على الحصول على درجة (الماجستير) في السينما وشغل وظيفة كبيرة بإحدى المؤسسات السينمائية، وهى الصيغة التي طبقها يحيى بنجاح مبهر كأديب مبدع وناقد ومسؤول ثقافي استثنائي في العديد من المواقع، إضافة لنجاحه كدبلوماسي أيضا.

خلال سنوات دراسته للحقوق، كان حقي قد انخرط في جماعة موازية لجماعة الحقوقيين الذين لم يهتموا إلا بالقانون، هذه الجماعة هي “جماعة الأدباء”، الذين كانوا يجتمعون بمقهى “الفن” الشهير في عماد الدين، أمام مسرح رمسيس ـ (مسرح الريحاني الآن) ،حيث كان أقرب الأصدقاء إلى نفسه الأديب محمود طاهر لاشين والدكتور حسين فوزي إلى جانب العديد من المبدعين والكتاب الذين التقى بهم يحيى حقي في مقهى “الفن”.

الدكتور حسين فوزي
الدكتور حسين فوزي

منفلوط .. مفاجأة القدر

في منفلوط والقرى المتاخمة لها كانت المفاجأة التي خبأها القدر للأديب الشاب يحيى حقي، فعلى الرغم من استيائه الشديد في البداية لاضطراره لقبول “النفى الاختياري” للصعيد والقبول بوظيفة “معاون الإدارة” بعد أن كان قد بدأ حياته العملية كمعاون نيابة،  إلا أنه بدأ يكتشف مع الوقت أن وظيفته الجديدة – بغض النظر عن مكانتها – كانت أهم وظيفة إدراية في زمانه حيث كانت تلقي على عاتقه أعباء كافة الوزارات بخبراتها الحياتية المتنوعة، لدرجة أنه اعتبر فترة عمله بالصعيد بمثابة أهم سنتين في مسيرته الفكرية والأدبية على الإطلاق .. ” أتيح لي أن أعرف بلادي وأهلها، وأخالط الفلاحين عن قرب، وأهمية هاتين السنتين ترجع إلى اتصالي المباشر بالطبيعة المصرية والحيوان والنبات، والاتصال المباشر بالفلاحين والتعرف على طباعهم وعاداتهم”.

على عكس ما كان يتوقع حقي كانت فترة الصعيد هى مرحلة بناء وعيه بالمجتمع المصري وإلمامه بالأغوار العميقة للشخصية المصرية، وهو ما سينعكس فيما بعد في أعماله الأدبية التي لاتزال قادرة على فهم حياة المصريين وتفسير طبائعهم  حتى اليومبشكل تجاوز ما قدمه علماء الاجتماع في الكثير من الأحيان.

فؤاد السعيد

كاتب وباحث مصري متخصص في الثقافة السياسية felsaid58@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock