فن

حالمون ومحبطون.. “كمال حسني”.. مطرب كبير نافس عبد الحليم وفشل في إدارة موهبته (٣)

ونواصل الرحلة  مع هؤلاء المبدعين الموهوبين الذين  لم يستطيعوا إدارة مواهبهم  بما يكفل لها  التحقق والجدارة التي كانت تستحق .. استكانوا للظروف الصعبة ورهنوا مواهبهم بتوافر كافة العناصر المساندة، وهو أمر لم يكن موجودا ولن يكون موجودا في أى زمان ومكان .. لذلك توقف هؤلاء الموهوبون عند حدود أحلام البدايات وأوهامها.

موهبة تشبه العندليب

“صوت ضاحك .. كدت أذهل من جمال هذا الصوت  الذي يتمتع بكل خواص صوت عبد الحليم .. ويتميز عنه بأنه صوت مبتهج ليس به أثر الصناعة أما صوت عبد الحليم فيغلب عليه الحزن حتى وإن غنى ألحانا فرحة ” هكذا قال الإذاعي الكبير وأحد أشهر المذيعين في تاريخ الإذاعة المصرية حسني الحديدي حين سمع المطرب كمال حسني يغني ويشدو

وهكذا شاء القدر لكمال حسني أن يشبه عبد الحليم  في صوته وفي أدائه وفي رومانسيته وكذلك في أنه كان يماثله في العمر فهو من مواليد  عام 1929 وهو نفس العام الذي ولد فيه العندليب فكأنه كان قرينه، لكنه كان مختلفا تماما عن عبد الحليم في حظه وفي شهرته ونجوميته ومجده الفني .. إذ حقق عبد حليم النصيب الوافر من الشهرة والنجومية والمجد بينما توقف كمال حسني عند محطات البداية فانزوى واختفى وسافر ولم يعد أحد يذكره إلا حينما تجئ سيرة منافسي عبد الحليم .. وربما ضحاياه

ولد كمال الدين محمد في القاهرة عام 1929 ، وعرف بجمال صوته منذ طفولته وكان يغني الأناشيد والدينية وهو في المرحلة الابتدائية، وحين كبر  وأصبح في المرحلة الثانوية كان يقلد عبد الوهاب وفريد الأطرش ويغني أغانيهما بتمكن وتفرد،ثم التحق بكلية التجارة وتخرج منها وعمل محاسبا بالبنك الأهلي، وزاد صوته جمالا وإبهارا، وفي ذلك الوقت كان عبد الحليم قد بدأ انطلاقته الغنائية الكبيرة ولاحظ كثيرون ممن سمعوا غناء كمال حسني ذلك التشابه الواضح بين صوته وصوت عبد الحليم، وحاول كمال أن يلتقي بعبد الحليم ليُسمعه صوته، وتابع حفلات العندليب وأخذ يقلده في  أغنياته الأولى صافيني مرة ولايق عليك الخال وعلى قد الشوق.

وتقدم كمال حسني لركن الهواة بالإذاعة المصرية وقرر أن يغني أمام لجنة الاستماع أغنية على قد الشوق، لكن دوره في الاختبار تأخر شهورا، وظهرت أغنية أخرى لعبد الحليم هي أغنية “توبة” وحققت صدى واسعا ونجاحا كبيرا

فقرر كمال غناءها في ركن الهواة، وأذهل صوته أعضاء لجنة الاختبار  حسني الحديدي وأمين عبد الحميد رئيس قسم الغناء بالإذاعة المصرية آنذاك والملحن علي فراج وانهالت مكالمات المستمعين على هاتف الإذاعة المصرية معلنين عن إعجابهم بهذا الصوت الواعد الجميل، بل إن فهمي عمر وسعد لبيب مقدميْ برنامج مجلة الهواء أذاعا أغنية توبة بكوبليه لعبد الحليم يعقبه كوبليه من غناء كمال حسني ولم يكتشف المستمعون فرقا بين الصوتين واعتقد الجميع أن الأغنية بصوت صاحبها عبد الحليم ..ولشدة إعجاب حسني الحديدي بصوت كمال قرر أن يعطيه اسمه ليصبح كمال حسني كما فعلها حافظ عبد الوهاب مع عبد الحليم من قبل ليصبح هناك وجه آخر للشبه بين كمال وحليم

تصفية حسابات

في تلك الفترة ورغم أن عبد الحليم كان لا يزال في بداية رحلة المجد الفني الكبير فإنه كان قد اكتسب أعداء كثيرين  بدوافع عديدة .. ووجد هؤلاء الأعداء في كمال حسني سلاحا مهما يمكن به التأثير على جماهيرية ونجومية حليم الصاعدتين بسرعة الصاروخ

أول هؤلاء الذين  كانوا يريدون صنع منافس قوي لحليم هي المنتجة ماري كويني التي كانت قد رفضت طلب المخرج عاطف سالم في فيلم فجر الذي أنتجته بأن يظهر عبد الحليم ليغنى إحدى الأغنيات في الفيلم لضرورة  فنية ولكن ماري أصرت أن يظهر صوت حليم فقط دون ظهوره هو شخصيا بحجة أن جسمه صغير الحجم وأنه “مش فوتوجنيك” ولا يصلح للسينما فلما نجح حليم في الغناء بشكل مبهر و حقق حضورا لافتا في فيلمه الأول لحن الوفاء الذي عرض في مارس 1955 زارته ماري في  منزله في محاولة للاعتذار إليه والاعتراف بخطأ تصورها عنه فتعامل معها عبد الحليم بقسوة. ولم يقبل اعتذارها .. وغضبت ماري كويني وسارعت  بطلب المخرج إبراهيم عمارة مخرج  “لحن الوفاء ” لإخراج  فيلم من إنتاجها يفوق لحن الوفاء فنيا من بطولة النجم الصاعد كمال حسني الذي يمثل  معادلا فنيا قويا لحليم كما اعتقدت … وللإمعان في خلق هذه المنافسة  استعانت كويني وإبراهيم عمارة بأغلب الفنانين الذين  شاركوا في لحن الوفاء وهم شادية “البطلة” وحسين رياض وعبد السلام النابلسي  وزوزو نبيل وشارك في البطولة شكري سرحان واستعانت كذلك بالملحن منير مراد ليلحن أغنية دويتو بين كمال حسني وشادية هي “لو سلمت لك قلبي وأديتلك مفتاحه  كما استعانت بمحمد الموجي أحد كبار صانعي نجومية العندليب ليلحن لكمال حسني الأغنية الرئيسية في فيلمه الجديد، وكان الموجي يختلف مع حليم في بعض الأحيان فيلجأ للتلحين لمطربين آخرين  فيضطر عبد الحليم للرجوع إليه لمعرفته بموهبته الموسيقية الجبارة.. واستعانت ماري كويني كذلك بالصحفي الشهير موسى صبري الذي كان على خلاف مع عبد الحليم ليدشن صبري حملة صحفية  لتقديم كمال حسني باعتباره ” المطرب الشاب الذي سيتربع على عرش الغناء في مصر” أو الصوت الذي سيهز مصر كما كتب  .. ليظهر هذا الفيلم بعد لحن الوفاء بحوالي عام ونصف وتحديدا في سبتمبر عام 1956.. وكان فيلم ربيع الحب بطولة شادية وكمال حسني الذي ارتبك ارتباكا واضحا في أول مشاهده مع شادية  وتمت إعادة المشهد أكثر من مرة وقالت شادية لكمال ” اعتبرني واحدة صاحبتك  .. انت ما تعرفش بنات ؟”  وقام فيه كمال حسني بدور الشاب جلال الطالب بالسنة الأولى بكلية الحقوق وعاشق الموسيقى والذي يعيش بصحبة شقيقه الأكبر”شكري سرحان” في قصر عمه ويحب ابنة عمه “شادية” لكن عمه يشترط عليه ترك الموسيقى والتفرغ لدراسته فيرفض ويصاب بالمرض ويترك قصر عمه وتحدث مفارقات كثيرة تؤدي في النهاية إلى عودة الحبيبين مرة أخرى .. ولم ينجح فيلم ربيع الحب النجاح المدوي كما أنه لم يفشل الفشل الذريع لكنه كان في منطقة وسطى بين النجاح والفشل بينما حققت الأغنية الرئيسية في الفيلم “غالي عليا ” التي غناها حسني من تأليف  محمد علي أحمد وتلحين الموجي نجاحا لافتا فاق بكثير ما حققه الفيلم.

صدمة كبرى

في كل هذا الجو المشحون الذي خلقه بعض من حاولوا تصفية حسابات مع  عبد الحليم كان كمال حسني أبسط من كل هذا التفكير الانتقامي .. وكان فقط يريد أن يغني  وفوجئ مثلا بينما كان خارجا من باب نقابة الموسيقيين بعبد الحليم في وجهه فبادر حليم بالسلام واحتضن كمال وقال له : عايز أشوفك .. كما جمع أحد البرامج بين حليم وكمال وغنى حليم جزءا من أغنية  غالي عليا لكمال وغنى كمال جزءا من أغنية توبة لحليم… كما زار كمال عبد الحليم في إحدى أزماته المرضية وفوجئ بكثيرين ممن كانوا يحاولون الوقيعة بينه وبين العنليب ويحاولون إيهامه بأن عبد الحليم يحاربه فوجئ بهم وقد التفوا حول سرير حليم يعودونه ويؤازرونه  ويتمنون له الشفاء .. وصدم كمال حسني كثيرا فيهم بل في الوسط الفني بشكل عام .. ولم يستطع كمال أن يبتعد بنفسه  عن هذه الأجواء وأن يخلص فقط لموهبته وأن  يسير في طريق الغناء والفن بعيدا عن محاولات استخدامه لضرب نجومية عبد الحليم وكانت تلك غلطته الكبرى وخطأه التراجيدي

لم يقم حليم بما يمكن اعتباره حربا ضد كمال حسني وليس هناك ما يدل على أنه كان يتآمر عليه ولم يحدث سوى موقف واحد   ربما يفهم منه  أنه كانت هناك منافسة فنية ، حين كان مقررا أن يغني كمال حسني أغنية نعم يا حبيبي نعم من تأليف مأمون الشناوي، وقبل الاتفاق النهائي أسرع عبد الحليم وأقنع مأمون الشناوي ببيع الأغنية له ليغنيها حليم من ألحان كمال الطويل وتحقق نجاحا هائلا

سار مع التيار واستسلم للظروف

غنى كمال حسني حوالي خمسين أغنية  أشهرها غالي عليا و لو سلمتك قلبي  دويتو مع شادية  وأنا هنا والقلب هناك من تأليف فتحي قورة وتلحين فريد الأطرش وفين أنت غايب عني  وخلاص نسيتني وعند بيت الحلو هدي وع المصنع وعيونه الجميلة خدوني ويا أسمر يا سكر  وسنة واتنين وتلاتة و وقول وطمني وسلامات وغيرها وتعاون مع كبار الملحنين من أمثال الموجي وفريد الأطرش وعلي إسماعيل و منير مراد  وعبد العظيم محمد وحسين جنيد وعز الدين حسني  ومع كبار المؤلفين من أمثال فتحي قورة وعبد  العزيز سلام ومصطفى عبد الرحمن ومحمد أحمد علي .. وهي حصيلة غنائية قليلة جدا مقارنة بموهبة كمال الطاغية  .. ذلك أن كمال حسني لم يتحمل ضغوط الوسط الفني الصعبة ولم يستوعب أجواء المؤامرات وتصفية الحسابات ولم يعرف كيف يواجه ويتعامل مع محاولات استنساخه كبديل لعبد الحليم ، ولم يستطع أن يخط لنفسه مسارا خاصا به بعيدا عن عبد الحليم، كما كان كمال أكثر ارتباطا بأسرته وأولاده الثلاثة نادر ومحمد وأحمد وزوجته  بوسانيا التي كانت تعمل معه في نفس البنك .. فقرر الابتعاد عن الحياة الفنية تماما والاكتفاء بفيلم واحد و بحصيلته الغنائية القليلة التي لا تتناسب مع موهبته الكبيرة وعاد إلى عمله بالبنك في أواخر الستينيات ثم سافر إلى لندن  ليمكث هناك حوالي عشرين عاما  متنقلا ما بين العمل  المصرفي والعمل الحر ..  وحتى بعد أن توفى حليم عام 1977 لم يفكر كمال حسني مطلقا في محاولة العودة من جديد وملء الفراغ الذي تركه حليم .. كان قد زهد واستكانت موهبته.. وعاد إلى مصر في أواخر التسعينيات وسجل بعض الأدعية الدينية للإذاعة المصرية قبل أن يرحل  أول أبريل عام 2005 عن ستة وسبعين عاما.

كان كمال حسني مطربا كبيرا حقا موهوبا حقا صاحب أحلام عريضة  انتهت على مذبح  أجواء مشحونة بالحسابات والخلافات لا تمر من خلالها الموهبة الحقيقية إلا إذا كان صاحبها ذكيا وصبورا ومرنا  يستطيع أن يحافظ على أحلامه ويدفع عنها العقبات والإحباطات .. لم تنجح هذه الموهبة الكبيرة لأن صاحبها فشل في إدارتها فشلا ذريعا.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock