فن

ماجدة الخطيب: التمرد في مواجهة الظلم

يتفتح وعي ماجدة على مشهد اعتقال أبيها “محمد كامل الخطيب” القيادي بحركة “مصر الفتاة” بسبب نشاطه السياسي في مناهضة الاحتلال البريطاني، ورفض الحركة لموقف الملك  إزاء التجاوزات السافرة للمندوب السامي البريطاني بالقاهرة.

يخرج الوالد من المعتقل، ويستمر في النضال ضد الاستعمار ويخصص الطابق الأرضي من عمارته بميدان الجيزة لحزب مصر الفتاة، عندما يعلم الوالد بصدور قرار باعتقال زعيم الحركة ” أحمد حسين، يطلب من طفلته القفز من نافذة خلفية بالمنزل، والذهاب إلى “حسين” في مخبئه، وترتيب انتقاله إلى مخبأ جديد بمقابر أسرة الخطيب بالإمام الشافعي.. ولكن السلطات التي كانت تحاصر المنزل وتراقب الهواتف.. تعود لاعتقال الوالد من جديد.. لكن ماجدة تستمر في زيارة “أحمد حسين” لتنقل توجيهاته وتعليماته لأفراد الحركة.

كانت ماجدة أكبر إخوتها؛ لذلك كان اعتماد والدها عليها كبيرا في كثيرمن الأمور، وكان يحب أن يعاملها كولد، ويناديها باسم “ماجد”. تسوءحالة الوالد المادية ويضطر لبيع عمارته والذهاب للسكن بمصر الجديدةعند إخوته، بعد تردي حالته الصحية وإصابته بمرض خطير.

لا تنتقل ماجدة إلى مصر الجديدة بل تظل في الجيزة عند خالتها لارتباطها بالمدرسة التي شهدت بدايات ارتباطها بالفن، بعد اشتراكها بفريق التمثيل بالمدرسة، وكانت تحرم كثيرا من المشاركة في العروض برغم أنها كانت بطلة الفرقة بسبب عدم التزامها بحضور البروفات.

عند انتقالها إلى مصر الجديدة، تذهب ماجدة للتصوير في استديوالمشاهير بمنطقة غمرة، وعندما تذهب لتسلم الصور تفاجأ بصاحب الاستوديو يبلغها أن المخرج حسن الإمام رأى الصور وأعجب بها ، وأنه ينتظرها في استوديو جلال.

برغم ذهابها في الموعد المحدد، إلا أن بداية ماجدة في السينما كانت مع الفنان “محمود إسماعيل” وليس مع الإمام الذي فضَّل أن تجرّب الفتاة الناشئة حظها مع مخرج آخر، فإذا نجحت أشركها في فيلم من إخراجه، فكانت بدايتها في فيلم “حب ودلع” من إخراج وإنتاج “إسماعيل” و”عبدالفتاح منسا”.. وقد حدث خلاف في الأسرة حول عمل الابنة بالفن.. وافقت الأم وعارض الأب.. ثم اقتنع على أن يبقى الأمر سرا حتى عرض الفيلم.. لكن الأمر تطور عندما شاهدها أحد أقارب والدها وهي تركب أوتوبيس الاستديو.. فأبلغ الأسرة التي تثبتت من الأمر وارتأت تقديم بلاغ في”محمود إسماعيل” يتهمونه فيه بالتغرير بفتاة قاصر.. كانت الأم قد وقَّعت على عقد الفيلم.. ما جعل موقف المنتج سليما من الناحية القانونية.. لكن الأمور تطورت وانتهت بانفصال الوالدين، وعودة الأم لبيت عائلتها بالمنصورة.. وما لبثت ماجدة أن التحقت بها هي وإخوتها بعد أن تردت الأمور بوتيرة متسارعة.

لكن “نداهة” الفن لم تترك الفتاة لتنعم بحياة هادئة بالمدينة الجميلة، لتعود ماجدة إلى القاهرة وتشارك في فيلم “لحن السعادة” وفيلم “البنات والصيف” وعندما يتعرف عليها الفنان “زكي رستم” خال والدتها في الاستديو يوسعها ضربا رافضا بشكل قاطع عملها بالفن.. ما اضطرها إلى مغادرة مصر إلى بيروت بحثا عن فرصة للعمل بالفن، بعد أن تدهورت أحوال الأسرة المادية بشكل كبير.

في بيروت عانت ماجدة من ظروف معيشية بالغة الصعوبة بعد أن تأخرت الرسالة التي أرسلتها لصديقتها المقيمة ببيروت كي تنتظرها، فسافرت الصديقة إلى سويسرا لتجد ماجدة نفسها وحيدة دون مال في بيروت،وكان الشهر رمضان.. وظلت الفتاة صائمة لأربعة أيام متتالية دون أن تتناول شيئا.. حتى ساقت الأقدار إليها الفنان “عبد السلام النابلسي” الذي  كان جالسا في مطعم “اليلدزلار” فدعاها لتناول وجبة سمك، ثم اصطحبها لبيت الفنانة نجاح سلام.

عملت الفنانة ماجدة الخطيب في وظيفة “نادلة” بأحد فنادق بيروت، وكان الفندق قبلة لمشاهير الفن والصحافة، فبدأت في تكوين شبكة علاقات قوية مع مشاهير المجتمع اللبناني كما عملت في بعض المسلسلات التي تنتجها هيئة الإذاعة البريطانية إلى جانب عملها بالفندق.. في تلك الفترة شهدت العلاقات المصرية اللبنانية توترا بسبب استهداف العديد من الصحف والمجلات اللبنانية لشخص الرئيس عبد الناصر والسياسات الخارجية لمصر.. فظن مسئولو الأجهزة الأمنية اللبنانية أن ماجدة تعمل مع المخابرات المصرية للتجسس على ساسة بيروت وصحفييها، وتم اعتقالها والتحقيق معها لساعات، وعندما ثبت لهم براءتها تم إطلاق صراحها وتشديد الرقابة عليها.. كما أرادت الأجهزة المصرية تجنيدها عندما توجهت للسفارة المصرية ببيروت لتجديد جواز سفرها، ففوجئت بضابط مصريفي انتظارها يطلب منها التعاون مع المخابرات المصرية.. لكنها رفضت، فتم إيقاف تجديد جواز سفرها. لكنها تعرفت على ضابط سابق بتنظيم الضباط الأحرار مقيم ببيروت هو “محمد رياض” الذي سينهي المسألة بطريقته، قبل أن يتزوج منها لتعود معه إلى القاهرة.

وتبدأ “ماجدة” رحلتها الفنية الثانية بفيلم “الجبل” من إخراج حلمي رفلة. ولم تصادف الفنانة توفيقا كبيرا في أداء دورها بالفيلم، لكنها تعود لتتألق في “قنديل أم هاشم” من إخراج كمال عطية الذي ستعتبره ماجدة “وش السعد” لأن فيلمه كان سببا في إعجاب وزير الثقافة د. ثروت عكاشة بأدائها؛ ليطلب من المخرجين إشراكها في الأعمال السينمائية، فيسند لها دور “عايدة شداد” في فيلم “قصر الشوق” فتؤديه باقتدار، ثم تشارك فيدور فتاة شريرة في فيلم “بنت من البنات” ثم دور بطولة في فيلم “شقة مفروشة” وهو فيلم كوميدي، لعبت فيه دور “زينب” التي تنتقل من المنصورة للقاهرة للعمل مدرسة للموسيقى، وتواجه مشكلة السكن؛ فتضطر للسكن في شقة مفروشة لتحدث معها بعض المفارقات. ثم تقدم دورا من أروع أدوارها في فيلم “دلال المصرية” عن قصة “العبث” لتولستوي من إخراج حسن الإمام، وهو الدور الذي نالت عنه جائزة التمثيل “الهرم الذهبي” عام 1966،لتشترك بعد ذلك في المسلسل الشهير “القاهرة والناس” من إخراج “محمد فاضل”.

مما لا ينسى لهذه الموهوبة المتفردة أنها قامت ببطولة مسرحية “مطرب العواطف” للإنقاذ الموقف بعد اعتذار بطلة العمل قبل العرض بثلاث ساعات.. ليشير أحدهم على الفنان عبد المنعم مدبولي مخرج المسرحية بالاستعانة بماجدة فهي الوحيدة التي تستطيع إنقاذ الموقف، وقد كان.

أرادت الفنانة دخول مجال الإنتاج السينمائي، فاختارت قصة “نجيب محفوظ “ثرثرة فوق النيل” لتنتجها؛ لكن ما ادخرته لم يفي بنفقات الفيلم فدفعت به إلى المنتج جمال الليثي الذي أنتجه، وقامت الفنانة بتجسيد دور الصحفية “سمارة بهجت” التي تحاول إيقاظ ضمائر نخبة من الكتاب والفنانين والمثقفين، اختاروا أن يعيشوا في غيبوبة الخدر هربا من مواجهة الواقع.

ثم تختار “ماجدة” طريق الشوك بملء إرادتها حين تقبل إنتاج فيلم “زائر الفجر” من تأليف وإخراج ممدوح شكري.. وكان شكري قد عرض فكرة الفيلم على جهات عديدة رفضت إنتاج الفيلم لحساسية القصة.. حيث تتناول الآثار النفسية المدمرة التي يتعرض لها المعتقل السياسي، من خلال حكاية الصحفية الثورية “نادية شريف” التي تعرضت للاعتقال والتعذيب.. لتعيش بعد الإفراج عنها حالة هلع دائم تودي بحياتها.. ومن خلال أحداث الفيلم يتم تشريح المجتمع المصري، والتعرض للفساد داخل أجهزة الدولة، مع الإشارة إلى أن تلك الوقائع المحزنة كانت بمثابة إرهاصات للهزيمة والسقوط.

ورغم أن الفنانة كانت قد حصلت على جميع الموافقات المطلوبة من الجهات المعنية.. إلا أن الفيلم منع من العرض بقرار سيادي بدعوى أنه يحرض على الثورة والشغب في ظرف صعب تمر به البلاد.. ولا يسمح بعرض الفيلم إلاعام 1975، بعد وفاة مخرجه الشاب كمدا.. والمؤسف أن الكثيرين اعتبروه واحدا من أفلام “الكرنكة” وهي مجموعة أفلام بالغة الرداءة صنعت خصيصا لتشويه الحقبة الناصرية، والحقيقة أن “زائر الفجر” كان فيلما ذا قيمة فنية عالية أشاد به كل من شاهده في العروض الخاصة التي تجاوزت الثلاثين عرضا، أقامتها الفنانة في مناسبات عدة ودعت لمشاهدة الفيلم كل من استطاعت من نقاد وفنانين ومسئولين منهم وزير الثقافة آنذاك الكاتب يوسف السباعي، وقد لعبت ماجدة دورها ببراعة شديدة مستحضرة ذكريات اعتقال والدها، ودورها وهي طفلة في حركة مصر الفتاة.

لا شك أن هذا الفيلم وضع الفنانة في تصنيف المشاغبة السياسية لدى بعض أجهزة الدولة، ومما دعم ذلك انسحابها من بطولة فيلم كان يخرجه “علي عبد الخالق” الذي رأت السلطة التنكيل به مع عدد من مؤسسي جماعة السينما الجديدة، فتم إبعاده وإسناد الفيلم إلى مخرج آخر.. ما جعل ماجدة تنسحب تضامنا معه.

كانت الفنانة لا ترى نفسها ممثلة فحسب بل صانعة فن، لذلك حرصت على الاستمرار في الإنتاج رغم الخسائر التي تعرضت لها، فأنتجت عام 1974، فيلم “في الصيف لام نحب” ثم فيلم “توحيده” عام 1976، وفيلم “13 كدبة وكدبة “عام 1977 من إخراج أنور الشناوي، ثم توقفت عن الإنتاج لتعود عام 1986 لتنتج فيلمها “الهروب من الخانكة” وفي نفس العام فيلم “ابن تحية عزوز” الذي دخلت بعده دوامة من الصراعات انتهت باتهامها بتعاطي وتجارة المخدرات.. لكن محكمة النقض قضت ببطلان إجراءات محاكمتها، كما تم تبرئتها في قضية التعدي على قوة الضبط، وتم إحياء قضية قديمة تتعلق بجريمة قتل خطأ حين طاردتها سيارة أثناء عودتها من المسرح ما تسبب في إصابتها وآخر ومقتل شخص، وحكم عليها بالسجن رغم أن شهادة الشهود كانت  في صالحها.. ما اضطرها لمغادرة البلاد في رحلة عذاب استمرت لخمس سنوات قضت منها عامين في باريس.. في ظروف بالغة القسوة بعد فشلها في الاستمرار في مشروع معهد تمثيل أقامته للعرب المقيمين بفرنسا.. ما اضطرها للمغادرة إلى دمشق.. والتسلل منها عبر الحدود إلى لبنان.. لتسوء الظروف أكثر ما يجعلها تضطر للعودة إلى القاهرة وتنفيذ حكم السجن.. لتخرج في عفو رئاسي.. لتبدأ من جديد رحلة الإبداع بعزيمة لا تلين.. لتشارك في عدد كبير من أعمال الدراما التليفزيونية أشهرها “زيزينيا” و”ريا وسكينة” وفي المسرح قدمت أداء بالغ الروعة في مسرحية “الجنزير” كما قدمت عددا من الأدوار السينمائية بالغة الجمال في “يادنيا يا غرامي” وفي فيلم “بنات وسط البلد” مع خان، ومع “رأفت الميهي” في فيلم “تفاحة” الذي نالت عن دورها فيه جائزة أحسن ممثلة دور ثان في مهرجان القاهرة، ومجددا مع المخرج “مجدي أحمد علي” في دور “أم حوده” في فيلم “البطل”.

وفي الفيلم القصير “حنين” تقدم “ماجدة” دور المعلمة التي يزورها تلميذها الذي هاجر إلى كندا منذ سنوات فيجدها تعيش في وحدة قاسية. فيجلس معها ليستعيدا ذكريات الزمن الجميل.. وقد نالت عن هذا الدور جائزة الأبداع في مهرجان القاهرة.. لكنها لم تستطع تسلمها لتدهور حالتها الصحية.. حتى وافاها الأجل في مثل هذا اليوم من عام 2006.

هذه رحلة فنانة كبيرة كان من الممكن أن تنجز أضعاف ما أنجزته- حوالي 185عملا – لو أن الظروف كانت أقل قسوة، وأكثر رحمة.. لكن يبدو أن الأقدار تختار لبعض المبدعين أن يصهروا على جمر المعاناة، ممتحنين بتجارب مريرة.. يخرجون منها برغبة صادقة في مواصلة طريق الإبداع مهما كانت العوائق. رحم الله ماجدة الخطيب المتمردة المظلومة.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock