رؤى

انقلاب إسرائيل في الخليج: كيف فقد الفلسطينيون حلفاءهم العرب (1 – 2)

عرض وترجمة: أحمد بركات
أسباب كثيرة تتردد هنا وهناك عن السرعة المذهلة والنطاق الواسع اللذين انطلق بهما قطار اتفاقات التطبيع الأخيرة بين الدول العربية وإسرائيل، بدون مقايضة في شكل اعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية.

من بين التفسيرات التي تم إعلانها للحماس الإماراتي والبحريني والسوداني، والآن المغربي: ضمان الحصول على تسليح أمريكي متقدم، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول إيران، واستمرار مطاردة الطموحات الجيوسياسية لتركيا أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين، وتحجيم فريق بايدن، ووقف الضم الوشيك للأراضي في الضفة الغربية.

وكل ما عليهم عمله في المقابل هو إلقاء الفلسطينيين تحت الحافلة المجازية.

وسكب احتمال مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض بعد انتخابات 2020 مزيدا من الوقود على الحماس العربي. فقد عرفوا أنه لن يتعاطف معهم رمز آخر في البيت الأبيض مثلما فعل ترامب، ولن يشاركهم أحد رؤيتهم الكونية، ليس فقط حول إيران، وإنما أيضا بشأن قضايا أخرى (ربما لا تمثل بالنسبة إليهم أي أهمية) كقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلما شاركهم.

لم يهتم ترامب بهذه القضايا. لقد كان الرجل رجل أعمال، وقائد يؤله القادة المستبدين.. وبالنسبة إليهم الرئيس الأمريكي الأمثل.

والأكثر من ذلك، ستكون معذورا تماما إذا اعتقدت أن موجة التطبيع هذه كانت واحدة من لحظات الإجماع الإقليمي النادرة والتزامن التام بين الحكام والمحكومين.

على أي حال، تحفل وسائل الإعلام بالعديد من القصص التي تثلج الصدور عن صفقات تجارية حديثة ووفود متبادلة بين إسرائيل والإمارات على وجه التحديد – الإمارات هي اللاعب الرئيس في الأمر برمته؛ فكل دولة اعترفت بإسرائيل تعرضت بشكل خاص لضغوط دبلوماسية من الإمارات.

لكن القضية الفلسطينية لا تزال تمثل قضية عاطفية في العالم العربي، ولا يمكن حسابها بالعملة الصعبة. وقد كشفت التعليقات الحادة التي أطلقها الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للاستخبارات السعودية على مدى أكثر من عقدين من الزمان، والسفير السابق لبلاده في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حالة الانقسام التي لا تزال تغشى العالم العربي بشأن قضية تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ففي خطابه في مؤتمر في البحرين، أصر الأمير تركي الفيصل على أن أي تطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل لا يمكن أن يحدث إلا في حال التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين إسرائيل وفلسطين يتضمن حل الدولتين.

لكن العلاقات المليئة بالحيوية سرعان ما طغت على هذا الرفض السعودي للتطبيع. كيف أمكن هذا؟ كيف تم دفن الحقوق الوطنية الفلسطينية التي كانت يوما متجذرة حتى النخاع في التوافق العربي، تحت أطناب النسيان الرسمي بهذه السرعة والسهولة؟

يتعلق الأمر كله بالسردية.. في هذه الحالة، بإتقان إسرائيل وحلفائها الجدد لرسالة التطبيع، وجهودهم لتغيير المواقف الخليجية تجاه الفلسطينيين وما يبدو فشلا تراجيديا فلسطينيا لتجذير سرديتهم بعمق أكبر في الخليج.

يبدو أن التعاطف مع محنة الفلسطينيين قد تراجع بين بعض النخب الخليجية. أو – على الأقل – هذا هو ما تريد منك الدبلوماسية العامة الإسرائيلية (الهاسبارا) أن تصدقه.

لا يكاد جيل الشباب من العرب يذكرون الانتفاضات الفلسطينية الأولى والثانية، ناهيك عن أمجاد القومية العربية. بالنسبة لهذا الجيل، ليست الكولونيالية سوى موضوعا يقرأون عنه في الكتب.

هذه نقطة ضعيفة تحاول جهود الدبلوماسية العامة الإسرائيلية (الهاسبارا) التركيز عليها. ولا نبالغ إذا قلنا أن جهود جيش الدفاع الإسرائيلي ووزارة الخارجية والجماعات الموالية لإسرائيل، مثل اللجنة اليهودية الأمريكية، قد تمحورت على مدى العامين الأخيرين حول استهداف هذا الجيل الصغير، وذلك من خلال الدفع بوسائل التواصل الاجتماعي العربية لتغيير السردية العربية عن إسرائيل.

ليس هذا هو الوضع بالنسبة للأمير تركي، الذي يبلغ من العمر 75 عاما، والذي يتذكر هذه الأيام جيدا. لذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن يصف الأمير السعودي في خطابه في مؤتمر البحرين إسرائيل بأنها “آخر القوى الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط”.

المشكلة هي أنه وراء الهاسبارا الإسرائيلية ووسائل الإعلام العربية لا نعرف حقيقة ما يعتقده الرأي العام الخليجي بشأن هذه الصفقات. لكن يوجد من الأدلة ما يكفي لإثارة الشكوك بأن وجهة النظر الشعبية العربية تدعم قطار التطبيع.

ليس من قبيل المصادفة أن الدول العربية التي اعترفت بإسرائيل بما يخالف مبادرة السلام العربية تخضع لحكم قادة مستبدين لا يمنحون مساحة كافية للمجتمع المدني لانتقادهم علانية.

وحيثما تتاح المعلومة بشأن الرأي العام العربي، فإنها تتكشف عن تعاطف واسع النطاق مع الفلسطينيين، أو، على الأقل، معارضة التطبيع قبل أن يكون هناك دولة فلسطينية.

في هذا السياق، أشارت الباحثة وأستاذة السياسة المقارنة، دانا الكرد إلى بحث أجراه “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، والذي أظهر أن 6% فقط ممن تم استطلاع رأيهم في المملكة العربية السعودية أيدوا الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل. وفي الكويت، رفض 88% من العينة المشاركة في الاستطلاع هذا الاعتراف، مقابل 10% مؤيدون. وفي قطر، رفض 88% أيضا هذا الاعتراف بإسرائيل.

وبرغم عدم تضمين الإمارات العربية المتحدة والبحرين في هذا الاستطلاع، إلا أن الكورد أكدت أن أرقام التليفونات الإماراتية “تلقت رسائل WhatsApp حكومية قبل إعلان [التطبيع] تحذر من أن معارضة ’السياسة الرسمية‘ غير مسموح بها”.

وبرغم الحكومة القمعية في البحرين، لا يزال مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي هناك يعربون عن آرائهم أكثر من نظرائهم في الإمارات والسعودية، وهو ما ساعد على تدشين العديد من الحملات النشطة المناهضة للتطبيع، سواء على الإنترنت أو من قبل منظمات المجتمع المدني.

وعندما سألت صديقا عربيا عما يعتقده زملاؤه في الإمارات بشأن التطبيع، أخبرني بأنه لم يكلف نفسه حتى مجرد سؤالهم لأنهم “لن يقولوا الكثير إذا كانوا تحت المراقبة”. وأضاف أن كثيرا من أصدقائه لن يعلنوا مواقفهم لأن “أعمالهم وأموالهم هناك”، والمعارضون قد يتعرضون للترحيل.

وبرغم عدم توافر بيانات مؤكدة عن ردود الفعل الخليجية على التطبيع، إلا أن هناك حملة إعلامية نشطة منذ فترة لجعل التطبيع أكثر قبولا في العالم العربي، حتى قبل الربيع العربي. هذا الجهد المكثف بلغ الآن ذروته.

ولتوضيح هذه النقطة، أسوق هاتين القصتين:

الأولى حدثت في حفل عشاء حضرتها في منزل البروفيسور وليد الخالدي بجامعة كامبريدج، ماساتشوستس، منذ أكثر من عقد من الزمان، عندما أخبرني المؤرخ الفلسطيني المرموق أنه توقف عن كتابة مقالات الرأي في الصحف التي تصدر باللغة الإنجليزية لأنه صار معنيًا أكثر بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن القضية الفلسطينية في الصحافة العربية

كان البروفيسور قلقا من أن يكون الفلسطينيون قد أهملوا العالم العربي، وأن جيلا جديدا من العرب أصبح غير مطلع على تفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي. أعتقد أن هذه المخاوف قد تحققت الآن بامتياز.

لقد صبت القيادة الفلسطينية جل تركيزها على العواصم الغربية وأهملت في مقابل ذلك حديقتها الإقليمية الخلفية، ليس فقط فيما يتعلق بالاهتمام والتركيز، وإنما أيضا بالرسائل والتضمينات. إن مقاسا واحدا لا يمكن أن يناسب الجميع، والسردية التي تصلح في واشنطن لا يشترط بالضرورة أن تصلح في دبي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيكتور قطان – زميل أبحاث أول في كلية القانون بجامعة نونتجهام، ومستشار في “شبكة السياسات الفلسطينية، وزميل أول سابق في “معهد الشرق الأوسط” بجامعة سنغافورة الوطنية

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock