فن

وداعًا حاتم علي: فارس الدراما العربية

 برحيل المخرج والممثل السوري المبدع حاتم علي٫ فقدت الدراما التلفزيونية العربية٫ المصرية والسورية على حد سواء واحدًا من أبرز فنانيها الذي أثرى محتواها بأعماله المتنوعة على مدار نحو عشرين عامًا وأكثر.

ولد حاتم علي عام ١٩٦٢ ونشأ في أوج فترة تاريخية مضطربة من تاريخ سورية٫ ورغم دراسته الجامعية للفلسفة إلا أن الشاب الجامعي المثقف وجد ضالته في مجال الفن الذي دخله لأول مرة كممثل. كانت تجربة علي الأولى كممثل من خلال مسلسل درامي مميز هو “دائرة النار” الذي أخرجه رائد الدراما السورية هيثم حقي وقدم علي من خلاله كوجه جديد عام ١٩٨٨.

وعلى مدار عقد التسعينيات تنوعت أدوار علي ما بين الدراما الاجتماعية في مسلسلات مثل “الخشخاش” عام ١٩٩١ و الفانتازيا التاريخية في مسلسلات مثل “الجوارح” و”العبابيد” وكلاهما للمخرج نجدت إسماعيل أنزور والأعمال الكوميدية مثل “مرايا ٩٩” مع الفنان ياسر العظم وغيرها.

إلا أن مسيرة علي أخذت منحى آخر مع نهاية التسعينيات حيث توجه إلى الإخراج٫ فبعد أن قدم عددًا من السهرات التلفزيونية كمخرج أضافة إلى فيلم كتب له السيناريو هو “آخر الليل” عام ١٩٩٦ بدأت مسيرته مع إخراج المسلسلات التلفزيونية وكانت باكورتها المسلسل الكوميدي “عائلتي وأنا” الذي لعب بطولته النجم دريد لحام. ثم بدأت ملامح أسلوب علي الإخراج تتبدى في أعمال مثل “الزير سالم” عام ٢٠٠٠ الذي تعاون فيه مع الشاعر والكاتب الراحل ممدوح عدوان وقدما من خلاله رؤية جديدة لحرب البسوس التي شهدتها البادية العربية قبل الإسلام.

وبداية من عام ٢٠٠١ كون علي ثناىيًا مع الكاتب الأردني وليد سيف كان نتاجه سلسلة من الأعمال التاريخية المتميزة وفي مقدمتها مسلسل “صلاح الدين الأيوبي” الذي سرد جانبًا مهمًا من تاريخ الحروب الصليبية في المشرق بداية بتحرير إمارة الرها ونهاية بتحرير القدس.

ثم توالت أعمال المبدعين فيما عُرف لاحقًا باسم الثلاثية الأندلسية التي تناولت قصة دولة الإسلام في الأندلس من خلال ثلاث محطات : الأولى كانت في مسلسل “صقر قريش” عام ٢٠٠٢ الذي تناول سيرة عبد الرحمن الداخل مؤسس دولة بني أمية في الأندلس ثم “ربيع قرطبة” عام ٢٠٠٣ الذي تناول شخصية “المنصور بن أبي عامر” مؤسس دولة العامرية وصعوده إلى قمة السلطة في قرطبة ثم مسلسل “ملوك الطوائف” عام ٢٠٠٥ والذي رصد بداية تفكك وانهيار حضارة العرب في الأندلس من خلال سيرة المعتمد بن عباد أحد أبرز ملوك الطوائف.

وفي عام ٢٠٠٤ قدم كل من سيف وعلي مسلسلًا معاصرًا هو “التغريبة الفلسطينية” الذي يعد أحد أهم الأعمال الدرامية العربية التي تناولت القضية الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى نهاية الستينيات من خلال ثلاثة أجيال مختلفة من أسرة فلسطينية تتجرع مرارة النكبة وحياة اللجوء.

وكان آخر عمل جمع بين علي مخرجًا وسيف مولفًا هو مسلسل “عُمر” الذي تناول سيرة الخليفة الراشد عٌمر بن الخطاب وتميز بإنتاج ضخم غير مسبوق في الدراما العربية عام ٢٠١٢.

ولم تنحصر إبداعات علي في بلده سوريا٫ حيث قدم عددًا من المسلسلات البدوية على الشاشة الخليجية مثل “صراع على الرمال” ٢٠٠٨ و”أبواب الغيم” عام ٢٠١٠ وكلاهما مستوحى من أشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي. أما في مصر٫ فقدم علي عددًا من الأعمال الدرامية المميزة بدأها بمسلسل “الملك فاروق” عام ٢٠٠٧ الذي أثار الكثير من الجدل عند عرضه بسبب كيفية تناوله لقصة حياة ملك مصر الراحل. ثم مسلسل “تحت الأرض” عام ٢٠١٣ الذي أطلق نجومية الممثل المصري أمير كرارة والمسلسل البوليسي “حجر جهنم” عام ٢٠١٧ الذي جمع عددًا من نجوم الشاشة العربية مثل إياد نصار من الأردن وكندة علوش من سوريا وشيرين رضا من مصر.

وكانت آخر أعمال علي في مصر مسلسل “أهو ده اللي صار” عام ٢٠١٩ الذي جمعه بالكاتب المصري عبد الرحيم كمال وتناول سيرة أسرة مصرية على مدار نحو قرن كامل من الزمان ولعب بطولته كل من النجمة الشابة روبي والممثل المصري الشاب أحمد داوود. عُرف علي كصانع للنجوم٫ حيث كان دائم الاعتماد على الممثلين الشبان في أعماله والدفع بهم في أدوار رئيسية مثل النجم السوري تيم الحسن الذي منحه أول أدواره في مسلسل “الزير سالم” و النجمة السورية سلافة معمار التي دفع بها من خلال دور صغير في مسلسل “صلاح الدين الأيوبي” ونسرين طافش في مسلسل “ربيع قرطبة” أضافة إلى ممثلين شبان مثل جفرا يونس ودانا مارديني وغيرهم.

أما على مستوى الأعمال السينمائية ففي رصيد علي عدد من الأفلام المميزة مثل فيلم “سيلينا” عام ٢٠٠٩ المقتبس عن مسرحية “هالة والملك” التي لعبت بطولتها السيدة فيروز. وبرحيل علي تفقد الشاشة العربية واحدًا من أبرز من ساهموا في صياغة محتوى هادف وقيم وممتع في نفس الوقت.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock