فن

سينما “الكريسماس” بين الاحتفال والتشريح الاجتماعي

قليلة هى الأفلام المصرية التى تناولت ليلة ” الكريسماس ” لكنها رغم عددها المتواضع بالمقارنة بحجم الإنتاج السينمائى المصرى خلال تاريخها الممتد لأكثر من قرن فقد تنوعت بقدر كبير فى زوايا التناول وقدم صناعها رؤى متعددة ليلة رأس السنة.

ورغم أن السينما تناولت هذا الاحتفال فى عدة أعمال منذ فيلم “أغلى من حياتي” عام ‏‏1965، لشادية وصلاح ذو الفقار حتى فيلم ‏”سكر مر” لأيتن عامر وأمينة خليل وشيري ‏عادل مرورا بأفلام ” الباشا ” و” المنسى ” و “ليلة البيبى دول “‏

البعض تناول التناقض الطبقى والاجتماعى من خلال “الكريسماس ” وكانت تلك الزاوية هى العامل المشترك بين عدد من الأفلام المهمة والتى نحاول الاقتراب منها ومن معالجة صناعها للحدث

كانت محاولة المخرج “داود عبد السيد ” الاقتراب من الطبقة المتوسطة وعلاقتها برأس السنة مفعمة بالتفاصيل والتوترات والبحث فى القضايا المركبة

ويذهب “عاطف الطيب ” إلى إلقاء الضوء على حياة الفئات المطحونة من البسطاء بينما يسلط المخرج ” محمد صقر ” فى فيلمه “رأس السنة ” الضوء على كيف يحتفل الأثرياء بتلك المناسبة السنوية بكل ما يحمله الاحتفال من سلوكيات وممارسات تكشف عن كيفية حياتهم وقناعاتهم

بين تلك المحاولات التى تمثل علامات مهمة فى مسيرة السينما من جهة ورؤى تحمل الكثير من التنوع من جهة أخرى فقد استخدم صناع الأعمال مناسبة “رأس السنة ” لتقديم وجهة نظر فنية واجتماعية وسياسية وكان الاختيار مدخلا للكشف عن قضايا متعددة ومتشابكة

أرض أحلام الطبقة الوسطي

فى بداية عقد التسعينيات كانت الأعمال الإرهابية تضرب مصر وكان المناخ الطائفي المعادي للأقباط ينعق كالبوم عبر حناجر الجماعات المتشددة والتى تنامت بشكل مخيف وصارت تسيطر على الوجدان العام وتسعى لتزييفه بمعدل مطرد مع تراخي الدولة عن المواجهة الفكرية الكافية و الحاسمة

فى تلك الأثناء قدم “دواود عبد السيد “مع الكاتب “هاني فوزي ” فيلم “أرض الأحلام ” وهو آخر أعمال الكبيرة فاتن حمامة

نجح “عبد السيد ” فى استخدام خلفية الاحتفال بالكريسماس للكشف عن تفاصيل وأوجاع “نرجس ” – سيدة مصرية قبطية – هاجر أبنائها إلى أمريكا ونتيجة ضغوط منهم وافقت على اللحاق بهم والهجرة لكن الأحداث تتوالى بعد فقدانها لجواز السفر وتبدأ رحلة البحث عن – هويتها – وتتعرف على الساحر”روؤف ” لتكشتف عوالم جديدة وحياة مختلفة غير التى اعتادت عليها وفى النهاية تقرر البقاء فى مصر وعدم الهجرة منها

كشف “عبد السيد ” بحساسية شديدة ودون افتعال عن عمق الأزمة التى تعيشها الطبقة المتوسطة وسط  كم هائل من التناقضات القيمية والفكرية التى تعصر المجتمع وتهدد وجود تلك الطبقة من الأساس

ليلة المقهورين الساخنة

فى عام 1996 كانت السينما المصرية تعيش مرحلة نضج واضحة على يد عدد من المخرجين الذين بدأوا مسيرتهم فى ثمانينيات القرن العشرين وكان ” عاطف الطيب ” أحد رواد تلك المرحلة – الواقعية الجديدة – وفى تعاون بينه وبين الكاتب “رفيق الصبان ” قدم فيلم “ليلة ساخنة ” الذى واصل خلاله الغوص فى عالم البسطاء والانحياز لكشف أوجاعهم تلك المسيرة التى بدأت مع فيلم “سواق الأتوبيس “عام 1982 واستمرت حتى نهاية رحلته الفنية فى 1995

فى ليلة ساخنة حاول “الطيب ” أن نرى معه كيف يحتفل البسطاء أو بمعنى أدق كيف يقضي هؤلاء المهرولون وراء “لقمة العيش ” ليلة الكريسماس

سائق تاكسي “نور الشريف ” الذى اختار العمل ليلة رأس السنة بحثا عن زبائن أثرياء أملا في تدبير مئتي جنيه مصري (ما يقارب ‏‏13 دولارا أميركيا)، لعلاج حماته التي تراعي طفله بعد وفاة زوجته ولكن الصدفة تجمعه بفتاة ليل تائبة وعادت للعمل تلك الليلة أيضا ‏من أجل جمع مبلغ لا يزيد كثيرا على المئتي جنيه لترميم منزلها المهدد ‏بالسقوط، رغم التناقض الظاهري بين كل منهما ولكن على مدار الفيلم ‏يقتربان أكثر فأكثر ويتطرق “الطيب ” للدور الذى تقوم به الجماعات الإرهابية

يكشف الفليم عن حجم التناقضات التى يعشيها المجتمع … تلك التناقضات – الطبقية – الزاعقة التى تُحول المجتمع إلى طرفين  لا يمكنهما التعايش بهذا الوضع وتلك الكيفية التى يمتلك أحدهما كل شيء لدرجة البذخ المستفز فى حفلات رأس السنة والطرف الثانى يعجز عن توفير ثمن علاج مريض لا يتجاوز 200 جنيه مصرى

كريسماس الأرستقراط

“رأس السنة ” وهو من إنتاج 2020 للمخرج محمد صقر وهو مخرج شاب قدم من قبل أعمال منها فيلمي “الصيف ” و”هيبتا ” كما قدم مسلسل “حارة اليهود ” ومؤخرا طرح فى دور السينما أحدث أعماله “رأس السنة ” بالتعاون مع الكاتب والمنتج “محمد حفظى “

وأثار الفليم جدلا واسعا بعد عرضه الأول لما قدمه من صورة وصفها البعض بتشويه صورة الأثرياء وتقديم حياتهم بشكل سلبى ومسيء .

وبعيدا عن هذا الجدل فإن الفليم الذى يتناول احتفال عدد من الأثرياء  برأس السنة داخل إحدى المنتجعات بمدينة الغردقة ويكشف عن قدر كبير من التناقضات الداخلية لشخصيات العمل وعَرى الفليم طبقة الأثرياء ورصد تراجع للأخلاقيات المتعارف عليها داخل المجتمع المصري والمستقرة لدى الغالبية العظمي من أبنائه .

ولعل صناع الفليم أرادوا أن يتناولوا تفاصيل الحياة الخاصة لشريحة من هذه الطبقة الاجتماعية التى تستحل كل شيء وتغرق فى ملذاتها وشهواتها وتدينها الشكلي من خلال عيد الكريسماس وهو أحد الأعياد الذى يلقى اهتماما كبيرا بين أغنياء القوم بينما يكتفى غالبية البسطاء بقضاء هذا اليوم فى منازلهم ومتابعة التلفزيون أو التجمع العائلي

في بداية الأحداث يضطر  البطل ” شريف ” – أحمد مالك  –  ابن الأثرياء أن يتعرف على تاجر المخدرات كمال ” إياد نصار ” في ليلة رأس السنة، ويرافقه في توصيله للمواد المخدرة لغرف فندقية وفلل راقية يرى فيها شريف أصدقاءه ومعارفه وفي النهاية يكتشف أن أخته من بين زبائن المخدرات .

وتتصاعد الأحداث وسط سلوكيات الخيانة الزوجية والمخدرات وعوالم الفساد المالي والأخلاقي وتسيطر على الشخصيات حالة خوف وقلق دائم من بعضهما البعض ومن أن يعرف الأخرون ممارساتهم تلك ويحاولون طول الوقت التحدث عن مبادئ لا يمارسوها مع أنفسهم  لكن المسيطر على قناعاتهم دائما هو مفهوم “الحرية الشخصية ” لما يقومون به من أفعال بينما يرفضوا تلك الحرية أذا حاول غيرهم – خاصة أخته أو زوجته – ممارستها وتبدو هذه هى السمة المشتركة بينهم جميعا

جاء آداء “أحمد مالك ” مميز ومعبر عن تناقضات الشخصية بينما كررت ” شيرين رضا ” دور قد استهلكته فى أعمال عديدة ولم تعد تقدم فيه جديدا بينما اجتهد “إياد نصار ” ورغم ذلك فقد سيطرت عليه نمطية واضحة .

من خلال ثلاث أفلام تناولت الحدث اختار كل منهم طبقة اجتماعية ليقدم رسالته من خلالها ويطرح أسئلته عبر حياتها . ويبدوالمشترك الأساسى فيما بين الأعمال الثلاثة رغم البعد الزمني بينهم خاصة حقبة التسعينينات والمرحلة الآنية من حياتنا هو رصدهم قدر التناقض الذى يعيشه المجتمع بين أفراده ذلك التناقض فى الانحيازات القيمية والأخلاقية و يرى صناع الأفلام أنه وليد لانتماء طبقي ما وبالتالي تعبير عن ثقافة ورؤية حياتية ما.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: