مختارات

هل ما كتبه سعد زغلول حقا مذكرات؟

بقلم: خالد أبو بكر، نقلا عن مجلة إبداع

خالد أبو بكر

 

 

 

“مذكرات سعد زغلول هى أعظم وأصدق مذكرات كتبها سياسي منذ أن ظهرت كتابة المذكرات في مصر”.. العبارة السابقة صارت شبه مسلمة من فرط تكرارها من قبل كثير من المؤرخين والكتاب والصحفيين، خصوصا عند صدور أي مذكرات أو سيرة ذاتية جديدة. الحقيقة أن هذه المقولة (شبه المسلمة) تحتاج إلى مناقشة عميقة، تنطلق من العلم الموضوعي لا الرأي الانطباعي الذاتي. وأول سؤال أطرحه في سياق هذه المناقشة هو: هل ما كتبه سعد زغلول حقا مذكرات؟

الإجابة التي لا تقبل ذرة من شك: لا.. ليست مذكرات Memoirs ، بل يوميات Diaries، كتبها الزعيم التاريخي يوميا (تخللها فترات انقطاع استمرت لأشهر أحيانا) بداية من سنة 1907 إلى وفاته سنة 1927، وشتان بين الجنسين (المذكرات واليوميات)، ذلك أن المذكرات يكتبها صاحبها بأثر رجعي، أي بعد مضي فترة طويلة على وقوع الحوادث، معتمدا على الذاكرة في غالب الأحيان، وعلى عكس السيرة الذاتية التي تتطلب في كتابتها التزاما بالترتيب الزمني لحياة صاحبها (الميلاد، الطفولة، الشباب، المسيرة المهنية… إلخ)، يتحرك السرد في المذكرات للأمام وللخلف في حياة المؤلف، حسب الضرورة.

يعود ذلك إلى أن المذكرات تركز في بنيتها على الموضوع (السنوات التي قضاها الشخص وزيرا أو سفيرا أو صحفيا أو جنديا محاربا.. إلخ) أكثر من تركيزها على التسلسل الزمني؛ فينتهي القارئ من المذكرات وهو ملم بأحداث رئيسية في حياة صاحبها، ولكن ليس بالضرورة وفق ترتيبها الزمني.

أما “اليوميات” فهي في أبسط تعريفاتها “نص مكتوب على أساس منتظم أو متقطع، يعرض أعمال كاتبها أو أفكاره أو مشاعره، وشرط من شروطها أن تكون مؤرخة بدقة( )، ومن ثم يتقلص في اليوميات الاعتماد على تذكر الحوادث بعد مضي وقت طويل عليها؛ لأنها مشتقة من اليوم، أي تكتب يوميا، بانتظام قد يتخلله بعض الانقطاعات، ولا يدوّن صاحبها كل مرة إلا ما وقع له في الفترة القصيرة التي تفصله عن التدوين السابق( )؛ وبالتالي هى تسجيل للحوادث التي يتعرض لها الكاتب فور وقوعها.

من أطلق على ما كتبه زغلول مذكرات؟

الآن بعد أن عرضنا الفرق بين المذكرات واليوميات من حقنا أن نسأل: من ذا الذي أطلق علي ما كتبه سعد زغلول “مذكرات” رغم أنه “يوميات”، وساهم في خلق ذلك الخلط بين المذكرات واليوميات؟

مذكرات سعد زغلول
مذكرات سعد زغلول

الإجابة مباشرة هى أن المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان، الذي حقق “يوميات” زغلول وأصدر الجزء الأول منها سنة 1987، هو المسئول مباشرة عن ذلك الخلط؛ لأنه وضع كلمة “مذكرات” عنوانا لهذه اليوميات؛ فبدلا من أن تكون “يوميات سعد زغلول” صارت “مذكراته”، وجّر الجميع خلفه في هذا المضمار، رغم أن الفوارق بينهما واضحة من قديم في الأدبيات الغربية.

الخلط بين “المذكرات” و”اليوميات” يبدو أنه أصيل في ذهنية الدكتور رمضان – وعدد آخر من المؤرخين المصريين – فـ”اليوميات” التي يكتبها صاحبها يوميا في عرفه هى ذلك النوع الفاخر من “المذكرات”، أما تلك التي لا تكتب يوميا فهى مذكرات أيضا، لكنها أقل جودة من الأولى وتسمى “ذكريات” Recollections، وفي هذا يقول نصا في تقديمه ليوميات سعد زغلول:

“تتميز مذكرات سعد زغلول بأنها يوميات تكتب يوما بيوم؛ وبالتالي تحتفظ بكثير من دقة الحوادث وتفاصيلها، مما يتعذر عادة في نوع المذكرات التي كتبت بعد انقضاء الأحداث بسنين طويلة، والتي يطلق عليها اسم ذكريات، حيث تغيب التفاصيل ويكثر الخطأ، كما يكثر الخلط أحيانا”( ).

هل اليوميات أكثر صدقا من المذكرات؟

في الإجابة على هذا السؤال عليك أن تصبر معي قليلا. حجة من يقولون إن اليوميات أصدق من السيرة الذاتية والمذكرات بمن فيهم عبد العظيم رمضان، أن الأولى يكتبها الإنسان لنفسه، وفي غالب الأحيان لا يبغى نشرها، ومادام يكتبها لنفسه فنسبة الصدق فيها أعلى لأنه لن يكذب على نفسه.

الحقيقة أن هذه الحجة لا تصمد طويلا أمام إحدى النظريات التي فسرت سر احتفاظ كتاب اليوميات بما يكتبون، فقالت: “إن اليوميات مكتوبة حقًا ليقرأها الآخرين؛ فعندما نصف أحداث اليوم وكيف أدرناها، نأخذ في الاعتبار قارئًا سيرى يومًا ما قمنا به من أعمال عبر ما كتبناه في يومياتنا، خصوصا في حالة المشاهير، الذين يعرفون أن ما يكتبونه سينشر على الملأ في يوم من الأيام، وأحيانا يوصون ورثتهم بنشره( )”.

وهنا يقفز السؤال: مادام المشاهير يعرفون أن يومياتهم ستنشر – أو يستهدفون ذلك – لماذا يتحدثون بصراحة عن ذلاتهم وضعف أنفسهم أو أي أمور أخرى تشينهم؟

تجيب النظرية بأن ذلك “يكون في جانب واحد من شخصياتهم.. ليس الغرض منه إلا كسب ثقة هذا القارئ فيما يروونه في بقية الجوانب”.

لست أدري لماذا تذكرت بعد قراءة هذه النظرية ذلك الإلحاح من جانب سعد زغلول على تكرار مسألة إدمانه لعب القمار أو “لعب الورق” وتوسعه في ذكر بعض سلبياته في الجانب الشخصي من حياته، ما منح يومياته شهرة عريضة باعتبارها “الأصدق”، لكن من يصفون يوميات الزعيم التاريخي بأفعل التفضيل (الأصدق) لمجرد أنه اعترف بأنه يدمن القمار أو “لعب الورق”– على حد تعبيره – لم ينظروا إلى روايته فيما يخص الشق العام من حياته وهو الأهم بالنسبة للتاريخ؛ وهو الشق الذي يجب أن نتعامل معه بحذر شديد في يوميات سعد زغلول، لا التسليم باعتباره “الأصدق”.

اسمح لي أن أضرب مثالا على ذلك: ما من أحد من مرافقي سعد باشا من أعضاء الوفد المصري الذي سافر إلى باريس للتفاوض على الاستقلال بعد اندلاع ثورة 1919 قد نجا من أوصافه المشينة؛ فيرى في فتح الله بركات “النفاق”، ويهاجم أحمد لطفي السيد؛ لأنه اقترب من عبد العزيز فهمي ومحمد محمود، و”ما اجتماع الثلاثة إلا لمضايقته”. كما أنهم “يعملون في الخفاء دون علمه”.

أما عدلي يكن، العدو اللدود – كما توضح اليوميات – فهو من وجهة نظر سعد باشا “انتهازي ويعمل لمصلحته”، ومحصلة كل ذلك أوصلته لاقتناع تام بأنه “من الصعب أن يتفق مع أعضاء الوفد المصري جميعا” وكأنه الوطني الوحيد بينهم، و”أن الحسد يحاط به ممن حوله”، وأن “الحقد جمع أعدائه عليه”.( )

عدلي يكن
عدلي يكن

إن من يدعي الصدق المطلق ليوميات سعد زغلول يدعونا مباشرة لأن نقبل أوصافه تلك التي نعت بها زملائه وجميع المحيطين به (لا واحد أو اثنين) كما هى من دون مناقشة أو تفنيد!.

اتصالا بمسألة الصدق في يوميات سعد باشا – الذي أكن له كل الاحترام والتبجيل – أتساءل: هل صحيح أنها “كتبت لصاحبها فقط؛ وبالتالي تتميز بنبرة الصدق والأمانة”( )، كما يقول عبد العظيم رمضان بالنص؟

الحقيقة أن يوميات الزعيم التاريخي تقول إنه لم يكتبها لنفسه فقط، بل كان يستهدف نشرها، بدليل احتوائها على هذه العبارة الشهيرة: “ويل لي من الذين يطالعون من بعدي هذه المذكرات( )”. وها هوذا في موضع آخر يوصي من يقرأ يومياته من بعده قائلا: “يا من تقرأ هذه الكتابة بعدي، أنصحك نصح مجرب مخلص أن تقلع عن مجالسة الأشرار، ولا تدنو من مجالسة أهل الفساد…”( ).

بل إن الدكتور رمضان نفسه ذكر في تقديمه لهذه اليوميات أن سعدا قال في وصيته “إنه يترك أمر نشرها لمن سيخلفه في حزب الوفد، ولابن أخته فتح الله بركات”( ). وبناء على ذلك أقول إنه لو كان قد كتبها لنفسه فقط لأوصى بعدم نشرها.

هل وجود النية والرغبة في نشر اليوميات يؤثر بالسلب على مصداقيتها؟ الإجابة: نعم؛ فعندما “يكتب شخصية عامة يوميات وهو يعلم أنه من شبه المؤكد أنها ستنشر، يكون لديه تقدير كامل لما يرغب في تضمينه في هذه اليوميات وما يرغب في حذفه واستبعاده (أي أنه يمارس نوعا من الرقابة الذاتية في أثناء الكتابة)، ويكون لديه

أيضا تقدير كامل بشأن كيفية تشكيل صورته التي يريد تركها للتاريخ من خلال يومياته”.( )

يبقى السؤال الأخير في هذه المناقشة الموضوعية: هل هذا المفهوم الخاص بـ”اليوميات” يجعلها أرقى أجناس “كتابة الحياة” كما هو شائع لدى عدد من المؤرخين المصريين؟ يخبرنا الواقع قصة مختلفة، وهى أنه في أفضل الأحيان تصلح “اليوميات” لتكون مصدرا من مصادر كتابة السير الذاتية أو المذكرات أو التراجم؛ وذلك بالنظر إلى طبيعتها المجزأة وغير المتجانسة؛ ففي اليوم الواحد يتناول كاتب اليوميات موضوعات شتى يختلط فيها الخاص بالعام، على عكس السيرة الذاتية والمذكرات التي يتم التركيز فيهما على مجالات اختصاص أو خبرة الكاتب؛ لذلك تحتاج اليوميات من المؤرخ والقارئ جهدا كبيرا للغوص في جزئياتها وموضوعاتها المتنوعة وغير المتجانسة، لاستخلاص موقف صاحبها إزاء قضية من القضايا.

سعد زغلول وقيادات حزب الوفد
سعد زغلول وقيادات حزب الوفد

وحتى في حالة إذا كان كاتب اليوميات شخصية تاريخية، فإن يومياته التي يكتب فيها حاضره، أي وقت وقوع الحوادث وقبل أن تنتهي، تنطبق عليها كل عيوب ما يعرف بـ”التاريخ الآني” Current History، وعلى رأسها التسرع في إصدار الأحكام. في حين أن “كاتب السيرة الذاتية الموثقة بطبيعتها يكتب بعد مرور وقت كاف على الحوادث أو بعد انتهائها واكتمالها، وهو ما يمكنه من سردها في سياق زمني وسببي؛ وبالتالي تتسم بموضوعية متزايدة مقارنة باليوميات”( ) المستغرقة في ذاتية صاحبها.

إنني أرى – مثل آخرين – أن المجال الأبرز للاستفادة من اليوميات، هو مجال التحليل النفسي للزعماء والقادة التاريخيين الذي كتبوا يومياتهم؛ ذلك أنها، أولاً وقبل كل شيء هى “أداة لفهم الذات؛ ولذلك فالكثير من مدارس العلاج النفسي توصي بحض المرضى على كتابتها؛ لأنها تستخدم كأسلوب للمراقبة الذاتية للسلوك”( ). كما أنها تستخدم كذلك في الدراسات السوسيولوجية، فيوميات سعد زغلول – على سبيل المثال – شديدة الفائدة لمن يريد التعرف على أحوال كبار مزارعي القطن في مصر خلال العقدين الأولين من القرن العشرين.. أما النظر إليها باعتبارها “الأصدق” في التعاطي معها باعتبارها مصدرا من مصادر كتابة التاريخ فلا شك أن ذلك سيقود إلى الكثير من التضليل.

………………..

المراجع:

مذكرات سعد زغلول- تقديم وتحقيق لطيفة سالم- دار الكتب والوثائق القومية

مذكرات سعد زغلول- تحقيق عبد العظيم رمضان – الهيئة العامة للكتاب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: