رؤى

تنظير الصراع بين القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية

عرض وترجمة: أحمد بركات 
ربما يبدو مفاجئا للبعض أن يتصارع تنظيمان يعتنقان أيديولوجيا نفسها – الجهادية – باسم هذه الأيديولوجيا. رغم ذلك، فإنه من الشائع في التنظيمات المسلحة التي تتشارك ذات الأصول الأيديولوجية أن تتنافس مع بعضها البعض على أساس ما يتسم به كل منهم من براجماتية، أو تطرف أو شعبوية، أو طليعية. فالصراعات الفصائلية ليست محصورة في الحركات الإسلامية وحدها، ولكنها – على العكس من ذلك – تمثل جزءا من نسق تاريخي يتضمن متنافسين أيقونيين، مثل صدامات مايو 1937 بين الستالينيين والتروتسكيين في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، وبين الهاجاناه والصهاينة التصحيحيين في فلسطين قبل استقلال إسرائيل (1931 – 1948)، وبين الحركة الوطنية الجزائرية وجبهة التحرير الوطنية أثناء المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي (1954 – 1962)، وبين نمور التاميل السريلانكية وفصائل التاميل الأربع المتنافسة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

الحرب الأهلية الإسبانية
الحرب الأهلية الإسبانية

ويمكن أن ينطوي التنافس على مخاطر تهدد بعض الفصائل، مما يدفع بها إلى التصعيد باتجاه استخدام العنف. كما يمكن أن يؤدي إلى التهميش السياسي داخل الحركة الأم إذا تمكنت إحدى الجماعات من تحقيق التفوق. ويمكن أن تطلق المنافسة العنان للخوف من الانشقاقات الداخلية عندما يرى القادة المتشددون مقاتليهم وكتائب بأكملها تتركهم وتنضم إلى منافسيهم، آخذة معها أقاليم وموارد بأكملها. ويمكن أن يؤدي التنافس أيضا إلى الخيانة، فترى الجماعات المتشددة منافسيها يتفاوضون مع الحكومة الرسمية التي ينشقون عليها، أو حتى ينضمون إلى صفوفها.

وتمثل التنظيمات المتنافسة من داخل العائلة الأيديولوجية الواحدة تهديدا لبعضها البعض لأنها – في نهاية المطاف – تتنافس على نفس الدوائر التي تسعى إلى الاستفادة منها عن طريق التجنيد والتمويل وتوفير الملاذ الآمن. فالتقارب الأيديولوجي بين هذه التنظيمات بسبب إرثها الفكري المشترك يجعلها ذات مصداقية للعناصر المقاتلة والداعمة والراعية التي تشكل مناط تنافسها. ومع ذلك، فإن التباعد الأيديولوجي حول قضايا الصراع الجوهرية يعني أن الخلافات بين هذه التنظيمات يمكن أن يقسم مقاتليهم وأتباعهم ورعاتهم بين بديلين قابلين للتطبيق.

وتهدد مفارقة التقارب / التباعد هذه بإنتاج انشقاقات عن جماعة لأخرى، وما لم يتم كبح جماح هذه الانشقاقات فقد تؤدي في النهاية إلى تهميش أحد الفصائل في منافسة صفرية. وبالتالي، فإن الحركات المنحدرة من شجرة أيديولوجية واحدة – كما في حالة القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية – يمكن أن تتحول إلى فرقاء لدودين برغم أصولها الفكرية المتبادلة ورؤاها الطوباوية المشتركة.

تنظيم القاعدة
تنظيم القاعدة

على وجه التحديد، يمكن تحليل الانقسام بين القاعدة وتنظيم الدولةالإسلامية (داعش) على أساس ثلاثة أبعاد أيديولوجية، وهي تأطير الصراع، وأهداف الصراع، واستهداف الصراع.

ويشير تأطير الصراع إلى الطريقة التي يؤسس بها فصيل ما لفهم موحد للصراع الذي يكون فيه مشاركا نشطا. ويجيب هذا البعد على سؤال أساسي حول “من هو العدو الذي نقاتل ضده؟”. يدور الجدل الكلاسيكي بين الجهاديين حول الأولوية، وما إذا كان يجب منحها للعدو القريب (الأنظمة المحلية) أو للعدو البعيد (الدول الغربية).

كانت إجابة تنظيم القاعدة عن هذا السؤال إبان قيادة أسامة بن لادن هي “العدو البعيد”. ومع ذلك، دفع الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، وما تمخض عنه من صعود حركات شيعية قوية ببعض الجهاديين إلى التأكيد على التهديدات التي تفرضها الأنظمة المحلية. وحول ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في عام 2006 بوصلة اهتمام الحركة الجهادية صوب منح الأولوية لمحاربة العدو القريب، مشددا على الطبيعة الطائفية للنظام السياسي الجديد في العراق في مقابل الاحتلال الأمريكي للبلاد.

شكلا إعادة ترتيب الأولويات بين العدو القريب والعدو البعيد مصدرا مهما للخلاف والتوتر بين قادة القاعدة في باكستان وفرعها في العراق، لكنها لم تؤد إلى انقسام تنظيمي كامل في ذاك الوقت. إلا أن هذه الهوة الاستراتيجية اتسعت في فترة اندلاع ثورات الربيع العربي التي أضعفت بدرجة كبيرة أدوات القمع لدى العديد من الأنظمة الاستبدادية. وبدا الجهاديون في وضعية مثالية للاستفادة من حالة الضعف التي أصابت العديد من الدول لإسقاط الحكومات المحلية وإقامة دول إسلامية على أنقاضها. ومثل صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إلا أن تنظيم القاعدة قاوم الدعوة التحذيرية التي بثها تنظيم الدولة، ودعا إلى الصبر الاستراتيجي. وأطر للثورات العربية باعتبارها مرحلة انتقالية تتطلب تعبئة عابرة للائتلافات لضمان إقصاء النخب السياسية المتجذرة عن السلطة وقطع الحجة عن الدول المعادية للتدخل نيابة عن الأنظمة القديمة.

وتجيب أهداف الصراع عن السؤال “ما الذي نقاتل من أجله؟”. فالجماعات المتقاربة أيديولوجيا يمكن أن تبقى على خلاف حول طبيعة النظام السياسي الذي يسعون إلى إقامته، ونطاق ووتيرة التغيير الثوري، وحدوده المكانية. فكلا من القاعدة وتنظيم الدولة يطمحان إلى نظام حكم يقوم على تطبيق الشريعة تسود فيه الشريعة ’الإسلامية‘. في هذا السياق، وبعد دروس مريرة من الجهاد الفاشل، يدافع تنظيم القاعدة عن فكرة التدرج في تطبيق رؤيته للنظام ’الإسلامي‘، ويرى أن تأسيس الدولة ’الإسلامية‘ يسهل من مهمة القوى الأجنبية، كما أن إقامة حكم ’إسلامي‘ دون دعم شعبي لن يحقق أي مكاسب.

داعش

على الجانب الآخر، يؤكد تنظيم الدولة الإسلامية على حقه في اقتطاع أراضي واقاليم للمسلمين السُنة، ويرى أن تأسيس دولة تحكم بالشريعة ’الإسلامية‘ يمثل ضرورة وجودية والتزاما دينيا، وأن أي تقصير في ذلك سيكون – من وجهة نظرهم – انتهاكا للتكليف الإلهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبناء على هذا التصور، أعلن تنظيم الدولة إقامة دولة خلافة دون اعتبار للجماعات الجهادية الأخرى، بمن فيهم الإسلاميون والسلفيون الذين لم يرغبوا في تفتيت دولهم القومية على أسس طائفية أو في حكمها بقوانين الشريعة الصارمة.

وتجيب استهدافات الصراع على سؤال “من يمكن مهاجمته على أسس شرعية؟”. فبينما يمثل الاستهداف عادة قضية تكتيكية أو استراتيجية، إلا إنه يمكن أن يتحول إلى جزء من الأيديولوجيا إذا تم اعتبار فئة معينة من الناس أعداء لمجرد أنهم يمثلون جماعة مكروهة.وعلى هذا الأساس، سعى تنظيم القاعدة مؤخرا، بما يتناسب مع استراتيجيته الأصيلة في محاربة العدو البعيد وحساسيته المتزايدة تجاه انتقادات تتهمه بقتل إخوان الدين، إلى تقليل الاستهداف الطائفي والفصائلي، وما يرتبط به من تكفير جماعي للمجتمعات غير السنية. وعلى العكس من ذلك، أصر تنظيم الدولة على أن استهداف المجتمعات الشيعية والأضرحة الصوفية يمثل فريضة دينية ومصلحة عامة، وذلك لتطهير الأرض مما يعتبره التنظيم تضليلا تمارسه هذه الطوائف.

وهكذا، برغم التزاماتهما المعيارية المشتركة وخصومتهما مع الدولة الرسمية، فشل تنظيما القاعدة والدولة الإسلامية في التغلب على تحدي الانقسام والتشظي الذي مزق العديد من الحركات الايديولوجية الأخرى. وساعدت ضغوط الصراعات والحاجة الملحة إلى البقاء على زيادة المسافة بين التنظيمين الكبيرين.

داعش

وبدءا من عام 2013، انزلق التنظيمان الكبيران إلى ما يمكن وصفه بأعمال عنف بين الأشقاء في العديد من مناطق الصراعات، بدءا من سوريا، ثم ليبيا واليمن وأفغانستان. ولفترة من الزمن، كان الاستثناء الوحيد هو العلاقة التعاونية النسبية بين تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في منطقة ساحل غرب أفريقيا. رغم ذلك، فشل هذا التفاهم المتبادل بين الفرقاء، القائم على الأصول المشتركة والعلاقات الشخصية والعدو المشترك، في الصمود، وانهار في صيف 2019. ومنذ يوليو من هذا العام، لقي ما لا يقل عن 300 جهادي مصرعهم في حروب فصائلية بين تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين القاعدية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. محمد حافظ – أستاذ شئون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية في مونتيري، كاليفورنيا
*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي ومراجع الدراسة باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: