رؤى

بعد غياب الكبار.. أدبيات “جر الشكل” و”المتاجرون” بالدين والحداثة

منذ منتصف التسعينيات تقريبا ـ جدل “الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية للدكتور نصر حامد أبو زيد ـ توقفت “معارك الكبار”، ونقصد هنا، الاشتباك الفكري والثقافي بين أنداد وأضداد وازنة، كل منهم يعدل الآخر المختلف معه، في قمته وقامته، وبعدما تضع “الحرب” أوزارها، تترك لنا من “الفيء” ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: تركة من الفكر والإبداع وتراث من العلوم السياسية والاجتماعية والإنسانية والأدبية، ودروس في تضحيات سياسية كبيرة، انتصارا لحرية الرأي والبحث العلمي مهما كان خشنا أو فظا أوصادما لما استقر عليه الناس.

انقطع تواصلها مع انقطاع هذا الجيل الذي غيبه الموت والرحيل عن دنيانا: على سبيل المثال فإنه لولا “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق (1926) ما اكتظت المكتبة العربية بأفضل ما كُتب في علم “الاجتماع السياسي” من وجهة نظر علماء وأئمة الأزهر: “نقض الإسلام وأصول الحكم” للإمام الأكبر محمد الخضر حسين، و”حقيقة الإسلام وأصول الحكم” لمفتي الديار المصرية محمد بخيت المطيعي، و”أصول الحكم في الإسلام” لـ عبد الرازق السنهوري، ناهيك عن مقالات د. محمد حسين هيكل في جريدة “السياسة” وعباس العقاد في جريدة “البلاغ” وسلامة موسى في مجلة “المقتطف”. واستقالة عبد العزيز فهمي من وزارة الحقانية في حكومة زيور باشا احتجاجا على الملاحقات والقمع “الديني” و”الإداري” الذي تعرض له الشيخ على عبد الرازق.

وكذلك الصدام بين محمود شاكر (1909 ـ 1997) ولويس عوض ( 1915 ـ 1990 ) عام 1964 على صفحات مجلة “الرسالة” من جهة وجريدة “الأهرام” من جهة أخرى، خلف لنا “أباطيل وأسمار” للأول وسلسلة “على هامش الغفران” للثاني.

محمود شاكر ولويس عوض

في طبعته الثانية الصادرة عن مكتبة الآداب 1986 أحصى د. محمد محمد حسين في كتابه “الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر” عدد الكتب التي خلفها صدور كتاب واحد وحسب وهو الكتاب المثير للجدل “في الشعر الجاهلي” للدكتور طه حسين جاءت على النحو التالي ” من ص 287 إلى ص 291″:

وتخلف عن هذه المعركة سبعة كتب، ستة منها في الرد على الكتاب ونقد ما جاء فيه ، وهي: “المعركة بين القديم والجديد” أو “تحت راية القرآن” لمصطفى صادق الرافعي، و”نقد كتاب الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدي، و”نقض كتاب في الشعر الجاهلي” لمحمد الخضر حسين، و”النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي” لمحمد أحمد الغمراوي” و”الشهاب الراصد” لمحمد لطفي جمعة، و”محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي” للشيخ محمد الخضري ، والكتاب السابع الرد على محاضرات أخرى للمؤلف، ألقاها على طلبته بعد ذلك. وهو “نقض مطاعن في القرآن الكريم” لمحمد أحمد عرفة.

في الشعر الجاهلي

أما كتاب الرافعي فقد كان أسبق هذه الكتب للظهور، وقد جمع فيه ما كتب من مقالات في نقد الكتاب، وكلها قد نشره في الصحف عقب ظهوره. يعتبره د. محمد محمد حسين أنه أصدق هذه الكتب وأدقها في تصوير المعركة التي تلت ظهور الكتاب وما مرت به من أطوار وما تخللها من أحداث. وهو أكثر هذه الكتب حدة ، وأعنفها في مهاجمة طه حسين، لأنه كتب في خلال المعركة، ولم يكتب بعدها كما هو في بقية الكتب.

أما كتاب فريد وجدي فهو أدنى هذه الكتب إلى الرفق واللين. فهو يحمد لطه حسين بعض ما يتفق معه فيه، ثم يعقب ذلك بمناقشة ما يخالفه فيه، متجنباً في ذلك سبيل العنف والمخاشنة. ويبدو أسلوب المؤلف في النقد واضحاً من قوله في ختام المقدمة: (إني ما كدت أتم قراءة كتاب الدكتور طه حسين حتى وجدتني مدفوعاً لوضع نقد عليه أستهدف به غرضين “أولهما” مناقشته في المسائل التي تتعلق بتكوين الأمة الإسلامية ولا يتفق حكمه فيها والمقررات التاريخية، ولا الأصول الاجتماعية، وأرى أن الإغضاء عنها ضار كل الضرر بنابتة هذا الجيل، وهم في هذا الدور من الانتقال السريع. “وثانيهما” مقابلة أولى ثمرات الجامعة المصرية بما تستحقه من العناية. وهذه العناية لا تعني في عالم العلم غير النقد والتمحيص”. وقد ظهر الكتاب أواخر سنة 1926.

أما كتاب محمد الخضر حسين فهو أدنى إلى أسلوب الأزهر المتبع في الحواشي، والذي يتتبع النص كلمة كلمة. فهو يتناول في نقده كتاب طه حسين صفحة صفحة، بل سطراً سطراً. فيقدم بين يدي نقده نص الفقرة أو الجملة التي سيتناولها بالمناقشة، مشيراً إلى رقم الصفحة التي جاءت فيها، ثم يعقب بمناقشتها، مفيضاً في ذلك ما بدا له، في صبر وحرص على الاستقصاء. وقد كان كتابه أطول ما ألف في الرد على طه حسين، إذ يقرب من أربعمائة صفحة. وقد ظهر في سنة 1345هـ (1926-1927).

نقض كتاب في الشعر الجاهلي

أما كتاب الغمراوي ، فقد تأخر ظهوره إلى سنة 1347 (1929م) ، بعد أن جمعت نسخ الكتاب من الأسواق ، ثم ظهر تحت اسم جديد قريب الشبه من اسمه الأول بعد أن أدخل عليه مؤلفه بعض التعديل، وزاد فيه بعض الزيادات. ولذلك فهو يجمع في كتابه نقد الكتاب الأول المصادر “في الشعر الجاهلي”، والكتاب الثاني المعدل “في الأدب الجاهلي”. وكان المؤلف قد كتب سلسلة مقالات في صحيفة “البلاغ” نقد بها الكتاب الأول. فلما طلب إليه بعض الناس أن يجمعها في كتاب، لم ير داعياً لذلك، بعد أن رفع الكتاب الذي كتبت في نقده من الأسواق. غير أن الغمراوي رأى أن ” المنقود عاد فانبعث بعد أن غير من زيه، وإن لم يغير من حقيقته، فلم نجد بداً من أن نعيد ذلك النقد ونجعله بعد التعديل المناسب نواة لنقد أوسع، يتناسب مع التضخم في الكتاب المنقود” ويمتاز كتاب الغمراوي بأنه لم يقتصر في نقده على الناحية الموضوعية التي انصرف إليها جل عناية المؤلفين في الكتب السابقة، ولكنه احتفل بإبراز المنهج العلمي للكتاب.ويعتبره محمد محمد حسين أفضل ما كتب في نقد الكتاب وأجمعه وأوفاه وأسلسه أسلوباً. ويقع في مثل حجم كتاب “في الأدب الجاهلي”، إذ تتجاوز صفحاته الثلاثمائة. وقد قدم له شكيب أرسلان بمقدمة طويلة تزيد على الخمسين صفحة، أبرز فيها كثيراً من مواطن القوة والجمال في الكتاب ، مضيفاً إليها ومعلقاً عليها برأيه.

النقد التحليلى لكتاب فى الأدب الجاهلى

أما كتاب محمد عرفة فهو آخر هذه الكتب زمناً، فقد ظهر سنة 1351 (1933-1934م) وقد بين المؤلف منهجه حين قال في المقدمة: ” وأعد القراء وعداً صادقاً -ووعد الحر دين عليه – أن لا أخضع هذا النقد إلا للعلم وحده، وأن لا أتحاكم فيه إلا على قضايا المنطق وما أثبته التاريخ، وأن لا أقول فيه هذا كفر أو هذا يخالف الدين. وإنما أقول هذا يناقض الواقع ويخالف التاريخ، لئلا يقولوا: نحن نبحث بحثاً علمياً، وأنت تخضعنا للدين”. والكتاب صغير الحجم، لا يكاد يزيد عن مائة وخمسين صفحة من القطع الصغير. وقد تولى نشره محمد رشيد رضا صاحب “المنار” وقدم له بمقدمة طويلة في ثلاثين صفحة.

مع وفاة الدكتور نصر حامد أبو زيد في يوليو 2010، انزوى المشهد واكتسى لونه بالجدب والجفاف حتى من معارك بدت “صغيرة”، وعابرة على هامش متن أقرانها الكبرى، مثل أزمة “الفن القصصي في القرآن الكريم” عام 1946 للدكتور محمد احمد خلف الله، ورسالة “أصوات المد في تجويد القرآن” عام 1965 للباحثة تغريد عنبر بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وكتاب “القرآن.. محاولة لفهم عصري” عام 1970 للدكتور مصطفى محمود، وسلسلة “حديث مع وإلى الله” عام 1983 لتوفيق الحكيم علي صفحات الأهرام ثم جمعها وإعادة نشرها في كتاب ” الأحاديث الأربعة والقضايا الدينية التي أثارتها”.

جفت ينابيع الحكمة ولم يبق إلا أدبيات “جر الشكل” يتم توظيفها في سياق “الانتهازية السياسية”، فلم نعد نرى إلا “شغبا” ولم نعد نسمع إلا “صفير الريح”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock