مدونة أصوات

العراق ودموع أبي

لم أحظى بزيارة العراق يوما لكنني عشقت هذا البلد العريق من حكايات أبي رحمة الله عليه عن سحر نهري دجلة والفرات وروعة الشعب العراقي وثقافته فهو الشعب الذي يتواصل أبنائه شعرا .. نعم لطالما أكد لي أبي على أن أبناء العراق يتواصلون فيما بينهم شعرا .. كل هذا وهو مثلي لم يحظى بزيارة العراق يوما، لكنه تربى على عشق العراق واليمن وسوريا ولبنان وعروس الأمة العربية فلسطين وبلاد المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب .. فليس بغريب على أبي أن يجزم بأن أبناء العراق يتواصلون فيما بينهم شعرا ولو أنه قالي لي أن لديهم جناحان يستطيعون التحليق بهما في السماء لصدقته من فوري .. فكيف لي أن أكذب أبي ذاك العاشق الهائم في ملكوت الله .. وبدوره حاول أبي أن يغرس في نفوسنا هذا العشق فهل نجح في مهمته تلك؟ .. بالطبع نجح أبي نجاحا مبهرا .. تُراه كيف تمكن من غرس بذور ذاك العشق؟

كان أبي من عشاق السير الشعبية «سيرة عنترة بن شداد .. الزير سالم .. الظاهر بيبرس .. الأميرة ذات الهمة .. السيرة الهلالية .. سيرة سيف بن زي يزن» وغيرها الكثير من السير الشعبية التي كانت تمجد صفحات من التاريخ العربي ممزوجا بالكثير من الخيال الشعبي .. بتلك السير والملاحم الشعبية التي كان يستمع إليها أبي تمكن من أن يغرس بقلبي عشق العراق وغيرها من البلدان العربية كانت تلك السير الشعبية إلى جانب حكايات أبي الشيقة التي كان يمزج فيها الواقع بالخيال بمثابة المفتاح السحري الذي نفذ منه عشق البلدان العربية إلى قلبي.

أذكر يوم التاسع من إبريل من عام 2003 حين عدت من عملي لأجد أبي وهو في السبعين من عمره يجلس أمام جهاز التليفزيون ودموعه تغرق وجهه وهو يتابع تلك المشاهد المؤلمة للحظات سقوط مدينة بغداد تحت رحمة أيدي القوات الأمريكية ومشهد سقوط تمثال صدام حسين .. هل حقا سقطت بغداد؟ .. أخذ أبي يتابع تلك المشاهد وهو يصرخ بين الحين والآخر في مذيع التليفزيون .. «أخرس متقولش كدا .. العراق راجع .. العراق راجع .. العراق راجع .. أنت فين يا حسن نصر الله أنت مش قولت انك هتضرب تل أبيب .. يلا بقى ورينا الهمة قوم وأضرب تل أبيب .. أنتم فين يا حكام العرب .. أنتم فين يا شباب العرب .. لو كنت لسة بصحتي كنت سافرت وشلت السلاح ودافعت عن العراق».

من قلبي سلام لبغداد

لم أتمكن يوم سقوط بغداد من تجفيف دموع أبي فقط اكتفيت بمشاركته والغرق معه بذات النهر من الدموع التي ربما لم تجف حتى اليوم وأيقظتها تلك الحادثة الإرهابية المؤسفة التي وقعت مؤخرا بسوق الملابس المستعملة بساحة الطيران وسط العاصمة العراقية بغداد وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 32 مدنيا وإصابة ما يزيد عن مائة شخص آخرين وفق ما أعلنت وزارة الصحة العراقية، ما أثار شجوني ودفعني دفعا لإستراجع ذكريات علاقة أبي رحمة الله عليه بالعراق الحبيب.

وصفت السفار الأمريكية في بغداد هذا الهجوم الإرهابي بأنه: «عمل جبان ومشين يؤكد مخاطر الإرهاب، التي لا يزال يواجهها الملايين من العراقيين» .. فهل حقا الولايات المتحدة الأمريكية معنية بقضية الإرهاب في العراق؟ أم أنها أرادت فقط أن تؤكد على أن «الإرهاب» هو البديل الوحيد الذي سيجده المواطن العراقي حال خروج كامل القوات الأمريكية من العراق وذلك بعد أن تعالت المطالب الشعبية والرسمية بضرورة خروج كافة القوات الأمريكية عن بكرة أبيها من العراق حيث لا يزال للولايات المتحدة في العراق قوة يتراوح عددها بنحو 2500 جندي بعد أن كانوا 5200 قبل عام من الآن .. بمعنى أدق هل أصبحت المعادلة الآن تتمثل في: «إما القوات الأمريكية أو الإرهاب؟»

من جانبه توعد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي برد «قاس ومزلزل» على تلك التفجيرات الإنتحارية وعلى الجانب الآخر حملت كتائب حزب الله بالعراق كلا من أمريكا وإسرائيل والسعودية المسئولية عن تفجيرات بغداد وأشاروا في بيان لهم إلى أن «توقيت الجريمة .. (التفجيرات الانتخارية في بغداد) .. مع تولي بايدن يؤكد أن محور الشر يعمل على مخطط تركيع شعبنا وأن ثالوث الشر الأمريكي الصهيوني السعودي وأذنابهم يتحملون مسؤلية المجزرة».

عملية انتحارية بغداد
التفجيرات الانتحارية في بغداد

بذات السياق تعالت على صفحات التواصل الاجتماعي «تويتر وفيسبوك» تحت هشتاج «من قلبي سلام لبغداد» صرخات الرفض والإدانة لذاك الحادث الأليم وتساءل البعض عما إذا كان لإيران دور بتلك الحادثة؟! .. غير أن أصابع اتهام غالبية تلك الصفحات مازالت تشير بكثافة إلى الأمريكان بوصفهم المستفيد الوحيد من تلك الحادثة المأساوية.

الحادث الأليم الذي ضرب بغداد أخرج أهلها للتبرع بالدم لجرحى التفجيرات والوقوف حدادا على أرواح الشهداء بذات الساحة على أضواء الشموع التي يتوسطها العلم العراقي .. فهل يسترد العراق الحبيب عافيته يوما ما؟ .. هل بمقدور ذاك الشعب الأبي أن يواصل مسيرة التقدم بعد تلك المعاناة الشديدة التي استنزفت الكثير والكثير من موارده البشرية والطبيعية؟ .. إنه حلم وصرخة أبي التي لم يغفل عن ترديدها يوما حتى وفاته .. «العراق راجع .. العراق راجع .. العراق راجع».

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: