رؤى

الكتب المُؤسِّسة للعنف: تشريح الأيديولوجيا الفاتنة (1-5)

المعالم والمصطلحات لم يكونا مشروعا للحالة الإسلامية في السبعينيات
لم يكن سيد قطب في الحقيقة جزءً من المشروع السلفي بأي حال من الأحوال ، ولم يكن كذلك جزءً من المشروع الجهادي بأي حال من الأحوال في هذا الوقت المبكر من ظهور الحالة الإسلامية في السبعينيات، وكما هو معلوم فإن النقد السلفي لسيد قطب معروف وغني عن البيان كما هو مثلا عند محمد ناصر الدين الألباني(1914-1999) ، وغيره من المدرسة السلفية  مثل “مقبل بنهادي الوادعي اليمني”(1937-2001)  ، ولم تتضمن مقررات المدرسة السلفية في مصر والتي كان بزوغها العلمي والدعوي قد بدأ في السطوع  أيا من كتب سيد قطب على الإطلاق بل كانت المدرسة السلفية تنتقد كتبه وأفكاره ومنهجه، ولم يكن قطب جزءً من مشروع التيار الجهادي الفكري بدليل أن محمد عبد السلام فرج  لم يشر إليه علي الإطلاق في كتابه ” الفريضة الغائبة ” ، وكان محمد عبد الرحيم الشرقاي يعلق بقلمه علي هامش المعالم ناقدا له ، وهو كان عضوا مؤسسا  في مجموعة أيمن الظواهري منذ بدايتها ،  وهو ما يشير إلي أن هذا هو اتجاه المجموعة  وقتها بصرف النظرعما كتبه ” أيمن الظواهري ” فيما بعد وما حكاه عنه بعض منظري السلفية الجهادية  كأبي قتادة الفلسطيني،  فهناك فرق بين الحدث وقت وقوعه، والحدث كما يؤرخ له صاحبه بعد سنين طوال وبعد تغير الظروف والأحوال فيما أُطلق عليه كتابة  التاريخ بأثر رجعي .

أيمن الظواهري
أيمن الظواهري

و كتب الجماعة الإسلامية الرئيسية  قبل المراجعات لم تشر  إلي سيد قطب، ولم يكن سيد قطب موضوعا لجدالهم وخطبهم ونقاشهم لأن الجماعة كان أحد مصادر شرعيتها الرئيسية مواجهتها للإخوان في الجامعة وتبنيها موقفا فكريا  مختلفا عنهم ، وكان سيد قطب في وجدان الجماعة وفهمها معبرا عن الإخوان المسلمين، كما كانت صرامة الجماعة الإسلامية تجاه قضايا التكفير والميل القطبي نحو إصدار الأحكام على الناس مفارقة وعزلة وتوقفا وتبينا  سببا قويا يدعوها إلي اعتبار سيد قطب ليس مصدرا لأفكارها .

حين سافرت إلي تركيا في مطلع الألفية الجديدة ووجدتهم يقرأون سيد قطب  بطريقة مختلفة عن العالم العربي ، كتبت مقالا  بعنوان ” منهج جديد لقراءة فكر سيد قطب ” عام 2004 ، حاولت فيها أن أفلسف لكتاباته بما يجعلها تحت العين اليقظة التي لا تغفل وهي تقرأ له حتي لا تأخذ قارئها إلي حيث لا يريد ولا يرغب .

 واليوم مع اعتبار كتاب ” معالم في الطريق ” أحد مصادر الغلو والتشدد لمن يقرؤه بلا تبصر ولا انتباه تحت تأثير ما أطلقنا عليه ” الأيديولوجيا الفاتنة ”  ومن ثم أحد مصادر الذهاب إلي التطرف العنيف  فإننا نتجه إلي مزيد من الوضوح والتشريح له ولغيره من الكتب التي نعتبرها مصادر لتأسيس العنف كالمصطلحات الأربعة للمودودي (1903-1979)،  ورسالة الإيمان لصالح سريه (1936-1976)،  والفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج (1954- 1982)،  والجامع في طلب العلم الشريف لسيد إمام الشريف ، وفقه الجهاد لأبي عبد الله المهاجر، وإدارة التوحش لأبي بكر ناجي (1961-2008)   منعا لاحتمالات ذهاب الشباب الإسلامي إلي منازع الغلو والتشدد والتطرف العنيف بلا مجاملة أو إغضاء رغم ما سيجره ذلك علينا من مشاكل التعصب والانحيازات الحزبية  والفرقية التي تصل إلي حد إلقاء الاتهامات والتجاوز بالقول والفعل

غلاف كتاب معالم في الطريق

تخليق أيديولوجيا السلفية الجهادية في أفغانستان

السلفية الجهادية جري تخليقها كما عرفناها في مطلع الثمانينات وبلوغها مرحلة الاكتمال مع قرب نهاية التسعينيات في أفغانستان ويعد العامل الأفغاني هو أحد أهم العوامل التي تركت بصمتها على تحول الحركة الإسلامية بعامة نحو التشدد والحركة الجهادية نحو العسكرة فيما أطلقنا عليه منذ وقت مبكر ” عسكرة  السلوك الإسلامي “. الأفكار المخلقة التي هي نتاج تهجين بين مصادر فكرية متعددة ستقود حتما إلى التشدد والارتباك وستكون طريقا إلي مدرج التطرف والعنف ، وهذه السلفية الجهادية هي نتاج أفكارسيد قطب وأبو الأعلي المودودي ومحمد بن عبد الوهاب و ابن تيمية الذي طبعت السعودية ومكتبة ابن تيمية مجموع فتاويه الكبري في ستة وثلاثين مجلدا كبيرا قبل أن ينصرم عقد السعبينيات وأصبحت متاحة لشباب التيار الإسلامي بيسر وسهولة .

كان الجهاديون الجدد بزعامة عبد الله عزام (1941-1989)  يحتاجون أفكار سيد قطب والمودودي  لتقدم لهم نظرية للجهاد والثورة ضد النظم الحاكمة وضد الغرب ، وكانوا بحاجة إلي أفكار بن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب لتعطي للأتباع معني الثقة والاحترام فيما يتم تقديمه من أفكار قادمة من عالم السلف القديم ، وسوف نلاحظ أن الأفكار السلفية الجهادية المخلقة في أفغانستان كانت مصادرها الفكرية قادمة من سياقات عوالم غير مستقرة تتعرض قواعدها للاهتزاز والخطر المحدق سواء أكان بن تيمية الذي جاء عالم التتار في قلب اهتمامه ، أو بن عبد الوهاب الذي كان عالم الجزيرة الممزق في صلب مشروعه  لخلق دولة تتحاكم إلي ما اعتبره الدين الصحيح الذي يعبر عن حضور السلف في عالم القرن الثامن عشر الذي عاش فيه  علي المثال القديم ،  أو سيد قطب الذي اعتبر الدولة الناصرية جاهلية وأنها تجسيد لمنطق التأله  ومنازعة الله أخص خصائص  خصوصيته في الألوهية و التشريع  والحكم ، واعتبر الحضارة الغربية المشبعة  بالروح الصليبية اليهودية تهديدا للبشرية والإنسان وتجسيدا للجاهلية في أشد صورها بؤسا ومقتا وانحطاطا  .

عبدالله عزام
عبدالله عزام

الأفكار المخلقة التي تم هندستها ومزجها معا وهي تحمل مشارب مختلفة وروحا غير متسقة ومتناقضة تفتح الباب للمضي قدما في هذا السبيل ” إغراء التخليق ” الذي يبدو فيه الفاعل البشري هوالخالق والمكون والصانع للنسب والموازين والتركيبة الفكرية الجديدة،،

وهذا هو ما يفسر لنا لماذا أفغانستان هي التي تم عسكرة  السلوك الإسلامي في أتون معاركها وتحولاتها ومكوناتها وسياقاتها وأطرافها الفاعلين والمؤثرين ، وهي التي تم في سياقها تخليق أشد الأفكار وحشية ودموية وتطرفا وتشددا لا يعبر إلا عن غرائز لبشرعادوا إلي حالة البداوة الأولي أكثر من كونهم دعاة مجاهدين لنصرة قضية عادلة وإنسانية وإسلامية كما تم في بداية الجهاد من أجل تحرير شعب مسلم فقير من براثن قوة استعمارية شيوعية ملحدة، ستجد كتاب ” فقه الجهاد ” لأبي عبد الله المهاجر والذي  تم تأليفه هناك في معسكرات هيرات ” غربي أفغانستان علي الحدود القريبة من إيران ، وهو الذي أصبح فيما بعد الهادي والموجه لحركة الجيل الثاني لتنظيم القاعدة  الذي عبر عنه تعبيرا صادقا ” أبو مصعب الزرقاوي ” .

وستجد أن  كتاب ” إدارة التوحش ” لأبي بكر ناجي  تم تأليفه هناك، وهو يتغني بقدر الدماء والتوحش والقسوة ويعتبرها هدفا لا غنى عنه  من أجل الوصول إلي وهم التمكين وإقامة الإمارات الإسلامية المزعومة  والتكوينات المشوهة كدولة الخلافة التي أعلن عنها أبو بكر البغدادي في الموصل عام 2014 ثم امتدت إلي الرقة في سوريا لتبلغ منتهاها قبل سقوطها مع مطالع عام 2017 ثم قتل مؤسسها وخليفتها عام 2019 ، وعودتها من حيث بدأت تنظيما بائسا مشوها خطيرا فوضويا  لا علاقة له بالدين أو الإسلام أوالإنسان .

إدارة التوحش - محمد خليل الحكايمة
إدارة التوحش – أبي بكر ناجي

وسنجد كتاب ” الجامع في طلب العلم الشريف ” قد تم تأليفه هناك وهو  الذي عبر عن أعلي مراحل الغلو والتشدد  والقسوة من جانب مؤلفه المصري سيد إمام الشريف ” الذي كان أميرا لتنظيم الجهاد المصري قبل أن يغادره إثر خلاف حاد مع قيادته وأعضائه ، وهو يروج لأفكاره التكفيرية وأفكاره المقاطعة مع كل من يختلف معه من العلماء السابقين والحالين  ومع المسلمين ووصمهم  بالكفر و انتهاك حرمتهم  وعصمة  دمائهم  وأموالهم ،،وستجد كتاب ” ملة إبراهيم ” لأبي محمد المقدسي  قد خطة في معسكرات أفغانستان وقت وجوده هناك ، ثم أصبح أداة الغلاة والمتشددين  للتكفير والنبذ والشتم والتبرؤ من العلماء والحكام  وكان قد استلهم هو غالب أفكاره من جهيمان ال(1936-1980) – قائد الهجوم علي الحرم المكي في20نوفمبر 1979 في مطلع العام الخامس عشر الهجري امحرم1400 ه – في رسالته ” رفع الالتباس عمن جعله الله إماما للناس”

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: