رؤى

خادمة القران وتراث إفريقيا المنسي

في هدوء تام وبعيدا عن صخب الأضواء ووسائل الإعلام المختلفة رحلت السيدة مريم إنياس إحدى رموز التصوف الإسلامي في السنغال والملقبة بخادمة القران الكريم.

يثير التجاهل الإعلامي لرحيل إنياس حتى من منابر إعلامية ملقبة ب”الدعوية” تساؤلات أولا حول الموروث الفقهي الإفريقي الذي تمثله هذه السيدة الراحلة٫ لاسيما في غرب القارة السمراء وثانيا حول سبب التجاهل والتعتيم على هذا التراث وخاصة في عالمنا العربي.

بداية فلابد من التعريف بالراحلة٫ فمريم إنياس ولدت عام١٩٣٢ ونشأت في بيت مشهود له بالعلم والفقه٫ حيث كان أبوها الشيخ إبراهيم بن عبد الله إنياس٫ الفقيه السنغالي الذي فاقت شهرته الآفاق وتجاوزت حدود بلده السنغال إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

حيث كان أول إفريقي أسود يمنح رئاسة الأزهر الشرفية لغزارة علمه كما قبل شيوخ الأزهر أن يؤم صلاة الجمعة في رحابه في ستينيات القرن الماضي٫ وكانت تجمعه علاقة طيبة بشيخ الأزهر آنذاك محمود شلتوت.

كما مكنته مكانته العلمية كسليل لشيوخ الطريقة التجانية التي نشرت التصوف الإسلامي في غرب إفريقيا من دعوة العشرات لاعتناق الدين الإسلامي في تلك المنطقة واكسبته حظوة عند ساسة عصره بداية من الرئيس المصري جمال عبد الناصر وحتى الزعيم الصيني شوين لاي.

وفي رحاب الشيخ إبراهيم وتحت توجيهه نشأت مريم محبة للذكر الحكيم٫ وحفظت وصية أبيها ألا تكتفي بحفظها للقرآن الكريم فقط  وهو ما أتمته في سن الثالثة عشرة وإنما أن تسعى لتعليمه ما استطاعت.

وهو ما فعلته الابنه البارة بالفعل٫ حيث كرست كافة قدراتها وإمكانياتها لصالح هذه الوصية٫ بداية من اعتمادها كمدرس للقرآن الكريم في خمسينيات القرن الماضي ثم تأسيسها في السبعينيات لما عرف بدار القرآن الكريم التي احتضنت الآف من الأطفال الذين كانوا يأتونها من سن مبكرة للحفظ والتعلم.

وسرعان ما تجاوزت إمكانيات الدار حدود السنغال ليتدفق عليها الطلبة من دول مجاورة مثل غانا وغامبيا وغينيا بيساو وغيرها من أقطار الغرب الإفريقي لكي تتعهدهم السيدة إنياس بالرعاية.

ووفاءا منها لذكرى أبيها الفقيه٫ أسست مريم أيضا في ثمانيات القرن الماضي “مجمع شيخ الإسلام الحاج إبراهيم إنياس التعليمي” كمؤسسة تعنى بنشر تعاليم الدين الإسلامي وتعليم القران الكريم واللغة العربية للنشآ في إفريقيا.

ومن اللافت حقا أن إنياس تمكنت من تحفيظ هذه الأعداد الغفيرة من الطلبة بامكانيات محدودة وبسيطة للغاية مستخدمة الوسائل التقليدية المتوارثة في المدارس القرآنية في غرب إفريقيا البعيدة عن التكنولوجيا الحديثة.

كما استطاعت أن تجعل من المؤسسات التعليمية التي أنشأتها والتي بدأت من بيت أبيها ثم بيتها الخاص مؤسسات بديلة للمدارس الفرنسية والفرنكوفونية المنتشرة في الغرب الإفريقي والتي يغلب على مناهج الدراسة فيها تجاهل التراث الإسلامي للمنطقة.

وكانت إنياس فوق ذلك بمثابة الأم لتلاميذها الذين لقبوها بلقب الأم الحنون التي كانت تتولاهم بالرعاية إلى حد المساهمة في تزويجهم عند بلوغهم سن الزواج.

أهل كل هذا بالسيدة إنياس إلى لعب أدوار وساطات سياسية لما تمتعت به من سمعة طيبة لدى قادة دول العالم الإسلامي ومن أبرز الوساطات التي قامت بها الوساطة بين كل من بلادها السنغال وبين الجمهورية الإيرانية ليستأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية بينهما مطلع التسعينيات بعد انقطاع دام نحو أربع سنوات٫ إلى جانب وساطة أخرى بين كل من السنغال والسودان في نهاية التسعينيات.

هذا الدور الذي لعبته السيدة إنياس حتى وفاتها في ديسمبر ٢٠٢٠ ليس بالمستغرب لمن يعرف تاريخ التصوف الإسلامي في غرب أفريقيا.

فمنذ دخول الطرق الصوفية إلى الغرب الإفريقي في القرن الخامس عشر الميلادي وخاصة الطريقتين التيجانية التي تنتمي لها أسرة إنياس والقادرية واستقرار دعاتها في مدينة “تمبكتو” الشهيرة في مالي٫ أخذ شيوخ هذه الطرق على أنفسهم مهمة نشر الإسلام وتعليم كل من الذكر الحكيم واللغة العربية في المنطقة.

وبلغ تأثير كلا الطريقتين حد أن دخول إحداهما في القرن التاسع عشر الميلادي بات مرادفًا لاعتناق الفرد للإسلام.

واستفادت هذه الطرق من مدن العلم في الغرب الأفريقي مثل شنقيط في موريتانيا وكل من تمبكتو وجينيه في مالي وغيرها لتكون مراكز للدعوة ولكي يكون نتاجها فقهاء مثل الشيخ أحمدو بامبا في السنغال والشيخ عثمان بن فوديفي شمال نيجيريا وغيرهم كثير.

بل إن نموذج مريم إنياس نفسه لا يعد اسثنائا إذا ما علمنا أن لغرب أفريقيا تراثًا عريقًا من الفقيهات٫ والذين عادة ما كانوا بنات شيوخ أعدهم آبائهم لمهمة التعليم ونشر الفقه وفي مقدمة هؤلاء أسماء بنت الشيخ عثمان بن فودي التي تعلمت في كنف أبيها وبدأت في سن مبكرة بعقد حلقات لتعليم النساء القراءة والكتابة ولها تراث هائل من القصائد الشعرية باللغة العربية التي كانت إحدى أربع لغات تتحدثها بطلاقة.

كل ما سبق يطرح سوالا ملحًا: لماذا يتجاهل إعلامنا العربي ومؤسساتنا الدينية هذا التراث الثري للغاية؟

في محاولته الإجابة على هذا السؤال يرى الكاتب والباحث الأمريكي بلال واري أن المجتمعات الإسلامية وعلى طريقة “شعب الله المختار” تعلي من شأن الإسهام الفقهي العربي في حين لا تبدي نفس الاهتمام بالإسهام الفقهي الإفريقي والأسيوي على أهميتهما٫ والمدهش هنا أن هذا التجاهل هو ذاته سياسة الاستعمار الأوروبي الذي قام لقرون بالتعتيم على هذا التراث لتكريس أسطورة أن الأوروبيين قدموا إلى أفريقيا وهي قارة لم تعرف العلم يوما.

فهل يجد هذا الموروث الهائل الذي جسدته السيدة مريم بحياتها وأفعالها من ينصفه يوما في عالمنا العربي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: