رؤى

بشاير يناير

“كل ما تهل البشاير

من يناير كل عام

يدخل النور الزنازن

يطرد الخوف والظلام”

بهذه الكلمات٫ لخص الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم تلك العلاقة التي تكاد تكون قدرية بين شهر يناير٫ مطلع السنة الميلادية٫ وبين الانتفاضات الشعبية في تاريخ مصر الحديث.

فالمدقق في هذا التاريخ لا يملك أن يلحظ ذلك الارتباط بين شهر يناير وبين أكثر من هبة شعبية جرت أحداثها في هذا الشهر وكان لها أثر بليغ في تاريخ البلاد.

ولعل أحد أبرز هذه الانتفاضات هي انتفاضة الطلبة الجامعيين المصريين في يناير من عام ١٩٧٢ والتي كان نجم شاهدا على وقائعها.

فقد أثار تراجع الرئيس السادات عما أسماه سابقا “عام الحسم” أي العام الذي سيشهد حسما عسكريا لوجود القوات الصهيونية على أرض سيناء غضبا في أوساط الحركة الطلابية٫ تلك الحركة التي كانت استعادت زخمها بداية مما عٌرف بانتفاضة ١٩٦٨ التي خرج فيها الطلبة ليعلنوا رفضهم لما اعتبروه أحكاما هزيلة بحق قادة سلاح الطيران بعد عدوان عام ١٩٦٧.

كان خطاب الرئيس السادات في ١٣ يناير ١٩٧٢ الذي اعتبر فيه أن “ضبابا” يغطي الموقف السياسي ويمنع تنفيذ وعده السابق بجعل هذا العام “عام الحسم” مبعثا لغضب الطلبة في الجامعات.

انتفاضة 1972
انتفاضة 1972

وظل الغضب الطلابي يتصاعد على مدار أسبوع بعد خطاب الرئيس حتى اتخذ شكل اعتصام في جامعة القاهرة ثم تطور إلى مؤتمر ضخم عقد في كلية الهندسة في نفس الجامعة حضره ممثلون عن كافة الكليات المختلفة و أوضحوا فيها مطالبهم برفض حالة اللا سلم واللا حرب، وطالبوا بخوض حرب تحرير شعبية شاملة لاستعادة الأراضي المحتلة بالقوة.

ومع حلول فجر الرابع والعشرين من يناير كان صبر النظام على اعتصام الطلبة قد نفذ٫ فاقتحمت قوات الأمن الجامعة وقامت بفض الاعتصام واعتقال أعداد غفيرة من الطلبة المعتصمين.

كانت هذه الاعتقالات بمثابة الشرارة التي دفعت عشرات الطلبة للتظاهر وصولا إلى ميدان التحرير بوسط القاهرة والاعتصام هناك مطالبين بالإفراج عن رفاقهم ورغم تفريق الأمن لهم إلا أنهم عادوا في اليوم التالي مباشرة (٢٥ يناير) لتتصاعد هتافاتهم في قلب القاهرة.

ورغم قدرة النظام على احتواء تلك الانتفاضة إلا أنها وجهت نظر السادات إلى ضرورة القيام بعمل عسكري وهو ما كان بالفعل في أكتوبر من العام التالي (١٩٧٣) حين خاض نفس الجيل الذي اعتصم في التحرير معركة العبور واسترداد الأرض والكرامة.

إلا إن هذا الجيل عاد من جبهات القتال ليجد واقعا جديدا على أرض الوطن الذي قاتل لأجله٫ فسياسات الانفتاح الاقتصادي التي دشنها السادات في عام ١٩٧٤ أدت إلى تحولات اقتصادية واجتماعية جمة.

كانت أولى الفئات إدراكا ومعارضة لهذه السياسات هم عمال مصر الذين خرجوا من مصانعهم في حلوان مع أول أيام شهر يناير عام ١٩٧٥ في مظاهرات ضخمة أمام محطة قطار باب اللوق وانضمت إليهم جماهير غفيرة من الطلبة والمواطنين ورفعوا شعارات تطالب بوقف الفوارق الضخمة في الرواتب بين العمال والمديرين وتعارض الغلاء وتخفيض الأجور كما طالبوا بإقالة رئيس الوزراء عبدالعزيز حجازي والذي قدم استقالته لاحقا بالفعل في نفس العام.

ومع حلول يناير من عام ١٩٧٧ التقى جناحا المعارضة –إذا صح التعبير- الحركتين العمالية والطلابية مرة أخرى على أرضية معارضة قرارات الحكومة رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية لتكون النتيجة واحدة من أبرز وأهم الانتفاضات الشعبية في تاريخ مصر.

بدأت شرارة الانتفاضة في ١٨ يناير من قلعة حلوان الصناعية ثم انضم إليها الطلبة والموظفون وتوسعت لتشمل كافة مدن البلاد من القاهرة حتى أسوان.

ومع استمرار التظاهرات في اليوم التالي رغم كافة محاولات قوات الأمن إنهائها واعتقال المئات من المتظاهرين لم يجد الرئيس السادات أمامه سوى التراجع عن القرارات الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة ونشر قوات الجيش في المدن الرئيسية مع فرض حظر التجول.

عمدت الصحف الرسمية إلى تصوير الانتفاضة على أنها “مؤامرة شيوعية” على حد تعبيرها ووصفها الرئيس السادات بأنها “انتفاضة حرامية” إلا إن القضاء المصري كان له رأي آخر حيث برأت محكمة أمن الدولة العليا في عام ١٩٨٠ وفي حكم تاريخي أصدره المستشار حكيم منير صليب كافة المتهمين وعددهم ١٧٦ متهما واعتبرت المحكمة أن “الذى لا شك فيه وتؤمن به ويطمئن إليه ضميرها ووجدانها أن تلك الأحداث الجسام التى وقعت يومي 18 و19 يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدارالقرارات الاقتصادية برفع الأسعار، فهى متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب”.

ومع وصول الرئيس الراحل مبارك إلى الحكم بعد اغتيال سلفه عام ١٩٨١ توارت لفترة الهبات الشعبية المشابهة٫ إلا أن تحركات الشارع المصري بدأت تعود على استحياء بداية من عام ٢٠٠٤.

حيث أسس عدد ممن شاركوا في انتفاضات السبعينات حركة “كفاية” المعارضة لحكم مبارك وسرعان ما بدأت سلسلة من الإضرابات العمالية المتتالية بداية من إضراب عمال شركة غزل المحلة في ديسمبر من عام ٢٠٠٦ وتبعتها فئات أخرى مثل موظفي الضرائب العقارية الذين أضربواعن العمل في أواخر عام ٢٠٠٧ ثم انتفضت مدن بكاملها من أجل مطالب حياتية واجتماعية مثل مدينة برج البرلس ومدينة المحلة عام ٢٠٠٨.

بدت هذه النضالات المتفرقة أشبه بحبات مطر اجتمعت في نهاية الأمر لتشكل سيلا جارفا هو انتفاضة ٢٥ يناير٢٠١١ التي أنهت ٣٠ عاما من حكم مبارك.

لم تكن يناير ٢٠١١ بمعزل عن يناير ١٩٧٢ و١٩٧٥ و١٩٧٧ ولم تكن كما يحاول البعض أن يصورها مجرد استجابة من حفنة من شباب غاضب لدعوه على مواقع التواصل الاجتماعي بل كانت امتدادا طبيعيا لكل من سبق.

فالأجيال في مصر لا “تتصارع” ولا يلغي اللاحق منها السابق بل تتكامل سويا والانتفاضات الشعبية في تاريخ المحروسة يكمل كل منها الآخر كحبات مسحبه تفضي كل منها إلى ما يليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: