رؤى

عصر قرطبة…نموذج التسامح المفقود

قرطبة…تلك المدينة الغنية بطبيعتها وتضاريسها التي اتخذها المسلمون عاصمة لملكهم في الأندلس (جنوب إسبانيا حاليا) لعدة قرون لاسيما في ظل حكم دولة بني أمية هناك٫ هذه المدينة ظلت٫ حتى بعد سقوطها٫ تداعب  خيال المؤرخين والباحثين.

ولعل أحد من فتنوا بقرطبة هي الكاتبة الأمريكية مارلين بين الين التي اتخذت من “عصر قرطبة” – إذا صح التعبير- موضوعا لرسالة ماجستير قدمتها لجامعة جورج تاون في العاصمة الأمريكية واشنطن عام ٢٠٠٨.

وتعد الرسالة بحق شهادة إنصاف للحكم العربي في الأندلس وتحديدا لعهد عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر أحد أهم حكام قرطبة من بني أمية وأول من تلقب بلقب خليفة المسلمين في الأندلس.

تسعى الين في دراستها للإجابة عن سؤال محدد : كيف استطاعت قرطبة أن تكون بوتقة صهر امتزج فيها اتباع الأديان الإبراهيمية الثلاثة : الإسلام والمسيحية واليهودية وصاغوا سويا إرثا حضاريا لازلت أوروبا تنهل منه حتى يومنا هذا؟

وتنقل الين عن المؤرخ الإسباني “أميريكو كاسترو” (١٨٨٥- ١٩٧٢) قوله إن اتباع الأديان الثلاثة في قرطبة اختاروا التعايش بدلا من الصراع بل يذهب إلى القول إن الأسبان لم يصبحوا شعبا مميزا أو مستقلا بذاته إلا بعد دخول المسلمين إلى الأندلس عام ٧١١ ميلادية وأن المسلمين أدخلوا آفاقا جديدة من التسامح الديني إلى البلاد ترجع جذورها إلى كتابهم المقدس القرآن الذي يعتبر المسيحين واليهود “أهل كتاب”.

وترى الين في الفصل الذي أفردته لعبد الرحمن الناصر أن الناصر كان خير تجسيد لفكرة الاندماج حيث إنه وٌلد لأب أموي عربي وأم من إقليم الباسك وكانت ملامحه أقرب لوالدته لاسيما عيناه الزرقاوان وشعره الأشقر.

وبعد أن استقر الحُكم لعبد الرحمن واستطاع إخماد أكثر من تمرد ضد حُكمه٫ أصدر عفوًا عامًا عن المتمردين وبدأ يتجه إلى تأسيس نموذج في الأندلس مغاير لكل من دولة بني العباس في المشرق التي أصابها الوهن والضعف أو دولة الفاطميين التي بدأ نجمها يسطع في شمال إفريقيا.

وتصف الين الناصر بأنه كان “أكثر حكام الأندلس تسامحا” وكانت أولى الفئات التي استطاع اجتذابها هم المولدون أي من ولدوا – مثله تماما- لأب مسلم وأم أندلسية ثم اجتذب المسيحيين وسمح لليهود بممارسة شعائرهم الدينية دون تقييد.

وتفسر الين هذه التوجه لدى الناصر بأنه كان سعيًا من طرفه لدمج كافة مكونات المجتمع الأندلسي سواء العرقية مثل العرب والأمازيغ والمولدين أو الدينية مثل المسلمين واليهود والمسيحيين في مملكة موحدة والاستفادة مما يمكن أن يضيف كل من هذه المكونات إلى حكمه.

فدخل اليهود لأول مرة إلى بلاط الحاكم وصاروا قسما من مدينة الزهراء الملكية التي أنشأها الناصر بالقرب من قرطبة٫ خاصة مع تعهد الناصر بالمساواة بين الجميع في التعيين في المناصب العامة.

وفي ظل هذه السياسة برز نجم طبيب يهودي طموح من أهل الأندلس هو حسداي بن شبروت الذي لفت نظر الناصر حين قدم خدماته الطبية لمرضى من أسرة الناصر.

كان شبروت نابغا في ابتكار أنواع مختلفة من الأدوية المضادة للسموم وأفاد إلى حد كبير من الترجمات العربية لكتب الطب اليونانية وإضافة لذلك فقد كان ذا حظوة لدى يهود الأندلس بسبب تقواه الشديدة وتأسيسه لكنيس يهودي في قرطبة ودراساته المتعمقة في التوراة والشريعة اليهودية.

كل ذلك كان كافيا ليرفعه الناصر إلى مرتبة الوزارة ويتخذه طبيبا شخصيا ومبعوثا إلى ممالك الشمال المسيحية مثل نافار بفضل إجادته لعدة لغات.

وترى الين أن طموح الناصر التقى مع طموح شبروت٫ حيث كان الناصر يرى نفسه الخليفة الحق وبديلا عن الخليفة الواهن في بغداد وفي الوقت ذاته كان شبروت يسعى لتأسيس سلطة مستقلة في تفسير وتأويل كل من التوراة والتلمود عن رجال الدين اليهود في المشرق٫ ورأى كلا الرجلين في الأندلس مكانا لتحقيق طموحه.

وبفضل سياسات كل من الناصر وشبروت لم تتحول قرطبة إلى مدينة للتعايش بين الأديان فحسب بل وإلى مركز للعلوم أيضا حيث تحول المسجد الجامع في قرطبة إلى جامعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى يؤمها الطلبة من كافة الأرجاء لينالوا الإجازة في مختلف العلوم.

وكان الناصر يُقرب العلماء في مختلف التخصصات مثل مسلمة المجريطي الذي وُلد كما يوحي اسمه في مجريط – مدريد حاليا- ثم سافر وهو شاب إلى قرطبة وأسس مدرسة للفلكيين والرياضيين كانت بداية ظهور جيل من العلماء في الأندلس وساهم في ترجمة كتاب خارطة النجوم لبطليموس٫ لتكون قرطبة معبرا عبرت منه هذه الترجمات لاحقا إلى مختلف أرجاء أوروبا.

ولهذا السبب تحولت قرطبة إلى محط انظار ومحل إعجاب الممالك الأخرى٫ وعلى سبيل المثال لا الحصر٫ أرسل أمبراطور بيزنطة قسطنطين السابع الوفود إلى بلاط الناصر حاملين هدايا كان من بينها كتاب كلاسيكي في الطب والصيدلة باللغة اليونانية وأرسل معه راهبا يدعى نيكولاس يجيد اللاتينية واليونانية ليشرف على عملية ترجمة هذا الكتاب إلى العربية وهي العملية التي قام بها كل من شبروت ونيكولاس في تعاون فريد بين الشرق والغرب.

ولم تقف سلطة الناصر عند رعاياه من المسيحيين واليهود فحسب بل كان ملجأ من يقع عليهم الظلم بشكل عام بسبب عقيدتهم.

حيث تروى الين أن شبروت الذي نال منزلة رفيعة بين اليهود ولُقب بينهم بالأمير كان يتوجه إلى أي مملكة يعلم أن فيها ظلما واقعا على يهودها ويذكر حكامها المسيحيين بما يبديه الناصر من تسامح تجاه مسيحيي الأندلس مسببا لهم حرجا بالغا.

وتشير الين إلى أن النموذج الذي شكلته قرطبة صار أمرا نادرا في عالمنا اليوم الذي ساد فيه الصراع بدلا من الحوار٫ وباتت نماذج التعايش مثل قرطبة ماضيا يثير مشاعر الحنين والاشتياق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: