رؤى

كيف وصل البنتاجون إلى أسلحة داعش الكيميائية؟! (2)

عرض وترجمة: أحمد بركات

استطاع المقاتلون الأكراد الذين حفروا على طول الطريق السريع 47 في مدينة كيسك كوبري، في العراق، في 23 يناير 2015، سماع صوت الشاحنة من بعيد، وعلموا أن الهجوم في طريقه إليهم. جثم الجنود خلف سياراتهم، أو جلسوا القرفصاء على طول سلسلة من التلال المنخفضة، مدججين بالبنادق.

كان هناك 500 رجل من قدامى المحاربين المهرة في ألوية البشمركة الكردية العراقية، بالإضافة إلى المراهقين والمتطوعين المسنين من القرى المجاورة الذين جاءوا مرتدين معاطفهم المدنية وأحذيتهم الرياضية لاستعادة بيوتهم من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد جلد في القتال استمر على مدى يومين، تمكن الأكراد من الاستيلاء على مفترق طرق استراتيجي، وسيطروا على الطريق الرئيسي الممتد بين مدينة الموصل العراقية والحدود السورية. سيفعل الإسلاميون كل ما في وسعهم لاستعادته.

كادت فترة الظهيرة أن تنقضي عندما ظهرت السيارة. كان بإمكان الأكراد المتمركزين على طول التلال رؤيتها بوضوح: شاحنة مزرعة حمراء بألواح فولاذية مثبتة في المقدمة لتلقي الصدم، ومقطورة بخزانات معدنية.

ازدادت سرعة الشاحنة مع اقترابها من الخط الكردي. ومن وراء التلال، أطلق المقاتلون الأكراد العنان لوابل من نيران بندقياتهم استهدفت مقصورة الركاب. تسببت القذائف في إطلاق موجات الغبار في الحقل المجاور، لكن، من الجزء الخلفي من الشاحنة تصاعد شريط من الدخان الأخضر، مثل خط دخان خلف نفاثة بعيدة.

كان هذا الهجوم الذي وقع بالقرب من القرية الواقعة على مفترق الطرق الموصل إلى مدينة كيسك كوبري أول محاولة معروفة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية لاستخدام سلاح كيميائي في القتال، لكنه لم يسفر عن وقوع إصابات خطيرة، وبالكاد لفت الانتباه خارج شمال العراق. لكن قادة التنظيم كشفوا عن نواياهم أمام الأكراد والعالم.

الغارات الأمريكية

بدأت ضربات الربيع الجوية ضد مستودعات السلاح الكيميائي الذي يمتلكه تنظيم الدولة الإسلامية دون ضجيج، ولم تلفت الانتباه في الصحف الأمريكية. كان الهدف الأول لهذه الضربات هو مدينة “هيت” العراقية، حيث كان ينتظر مئات الجنود التابعين للحكومة والمسلحين التابعين للقبائل بالفعل في أطراف المدينة لتحريرها من محتليها من تنظيم الدولة الإسلامية.

وانقضت الطائرات الحربية الأمريكية في 25 مارس 2016 لمهاجمة أهداف استراتيجية حول المدينة قبل شن هجوم أرضي، وعلى مدى الأيام الخمس التالية، ضرب الأمريكيون 17 موقعا، أحدها أدرجه “البنتاجون” على أنه “منشأة أسلحة مرتجلة”. وفي 21 أبريل، شقت القوات العراقية طريقها صوب وسط “هيت”، واستولت على المستشفى ومختبرها الكيميائي الذي كان قد تم تدميره.

كانت الموصل هي التالية على قائمة الأهداف الأمريكية. وكانت العاصمة العراقية لتنظيم الدولة الإسلامية، حتى في وقت الحرب، مكتظة بالسكان الذين تجاوز عددهم المليون نسمة، وكانت المختبرات الأكثر أهمية لدى الإرهابيين تتموقع داخل جامعة الموصل، على الضفة الشرقية من نهر دجلة في وسط المدينة.

وبسبب التخوف من سقوط خسائر في المدنيين، اختار مخططو المهمة قنابل حارقة خاصة يؤدي استخدامها إلى حدوث انفجار نصف قطري صغير لكن بحرارة مكثفة، لتبخير الأسلحة والإمدادات وأي غازات متبقية.

وانتظروا بعد ذلك حتى تكون الظروف مهيأة ، من حيث التوقيت، وسرعة الرياح واتجاهاتها، ومستوى الرطوبة، إذ يمكن أن يشكل أي عنصر من هذه العناصر الفارق بين ضربة “نظيفة” وكارثة قد تحل بأسرة عراقية لا ذنب لها.، إلا وجودها في مكان ما.

بدأت الضربات بشكل متقطع، حسبما سنحت الظروف، وظهرت الأهداف، بدءا من نهاية الربيع، واستمرت حتى الخريف. وتضمنت أكبر ضربة، في 13 سبتمبر، 10 طائرات أمريكية وأكثر من 50 قنبلة وصاروخ دمرت مجمعا ضخما لتصنيع الأدوية في ضواحي مدينة الموصل.

وبحلول نهاية عام 2016، كان القادة العسكريون الأمريكيون يؤكدون بثقة أن القدرة التصنيعية لتنظيم الدولة الإسلامية على صناعة الأسلحة الكيميائية قد تم القضاء عليها. وفي 14 يناير 2017، أي قبل ستة أيام فقط من انتهاء ولاية الرئيس، باراك أوباما، تمكن الجنود العراقيون من الاستيلاء على جامعة الموصل، في قلب شرق مدينة الموصل ومركز برنامج الأسلحة الكيميائية التابع لتنظيم الدولة الإسلامية.

الخطر ما زال في الأفق

كانت تداعيات حملة القصف التي شنها البنتاغون واضحة وقابلة للقياس. ينسب الباحثون في النهاية أكثر من 70 هجوما بالغازات السامة في العراق وسوريا إلى قوات داعش . ولكن بعد تحرير شرق الموصل انخفض عدد هذه الهجمات إلى صفر.

ومع ذلك، في تقديرات الجنرال سيان ماكفارلاند، قائد القوات العسكرية في تحالف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وغيره من جنرالات حملة القصف هذه، لم يكن هناك من شك في أن الخطر ما زال موجودا، وأن سحب التهديدات لم تنقشع بعد.

كان من المعروف أن العديد من رموز تنظيم الدولة قد فروا إلى سوريا، بمن فيهم مواطن فرنسي يدعى جو أسبرمان، وهو أحد الأوربيين الذين تم تجنيدهم من قبل تنظيم الدولة للاستفادة من خبراته العلمية. كان أسبرمان ومشروعاته يتمتعان بحماية فائقة من قبل قادة التنظيم إلى حد أنهم أصدروا بيانا يدعون فيه زيفا أن الرجل الفرنسي قد “استشهد”. والآن، بعد تناثرهم في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى، بات من الصعوبة بمكان العثور على أسبرمان وغيره من نشطاء التنظيم.

الجنرال سيان ماكفارلاند
الجنرال سيان ماكفارلاند

“كانت لديهم كل هذه القدرات والمعرفة التقنية؛ فأين ذهبت؟”، تساءل فوتيل، القائد السابق لوحدة العمليات الخاصة، والذي سيصبح قريبا رئيس القيادة المركزية الأمريكية. “إننا نعرف أن بعض أفرادهم قتلوا، وأن آخرين عادوا من حيث أتوا. لكن ربما ما زال البعض موجودا في مكان ما”.

وبالفعل، لم يلبث تنظيم الدولة الإسلامية أن أصدر تحذيرا نادرا بأن هجوما كيماويا سيقع في الوقت الذي يراه التنظيم مناسبا. وبعد شهور من اجتياح المقاتلين الأكراد المعاقل الأخيرة للتنظيم في سوريا في عام 2019، أصدر قادة الجماعة بيانا رسميا أعلنوا فيه بداية “مرحلة جديدة” في الحملة الإرهابية التي يشنها التنظيم ضد أعدائه. ووعدت الرسالة باستخدام “تكتيكات وأسلحة جديدة”، وتضمنت، لأول مرة، دعوة صريحة لاستخدام الغاز السام.

وجاء في البيان: “يا جند الخلافة في كل مكان، أسفل منكم توجد مستوطنات وأسواق اليهود، فاجعلوها ساحة اختبار لأسلحتكم: صواريخنا المحملة برؤوس كيماوية”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock