رؤى

كمال زاخر.. حاجتنا المستمرَّة إلى تجلِّياته القيِّمة

يصفون السيد “كمال زاخر” بالكاتب القبطي أو المفكر المسيحي، وأصفه أنا بالكاتب المصري والمفكر المصري؛ لأن أدنى علم بالرجل ينأى به عن الأوصاف الدينية نأيا تاما، هو المقاتل من أجل وطن لا صراع فيه بين الأديان ولا الطوائف الدينية في الدين الواحد لو أمكن..

أمضى الرجل حياته الشجاعة كلها مدافعا عن مدنية الدولة المصرية في مواجهة المنادين بدينيتها، ومتمنيا أن يدرك اليوم الذي ينفصل فيه الدين عن الدولة والسياسة انفصالا جوهريا لا شكليا، بحيث يبقى الدين في عليائه، بينما تتحرك الدولة حركة حرة بلا قيود مقدسة مزعومة وتتخلص السياسة من رقابة رجال الدين وتدخلاتهم التي لا تُعجِّل الخُطى ولا تدفع إلى الأمام وإنما العكس هو الصحيح.. لا يكتفي بالأماني طبعا، لكنه يعمل على ذلك، ويسعى إلى تحقيقها مع الساعين، بجدية وتفان، وأما عن الكنيسة المصرية الأرثوذكسية التي ينتمي إليها فإنه لا يزال يحلم بتطويرها ولحاقها بآليات العصر الحديث وأفكاره وقوانينه، ويغذيها بذلك الحلم النابه الجميل.

الميلاد والجذور والدراسة والأسرة

وُلِد السيد “كمال زاخر موسى” في القاهرة في عام 1949 (في العقد السابع من عمره الآن) ولعائلته أصول صعيدية بمركز الغنايم في محافظة أسيوط، إحدى أهم محافظات وسط الصعيد وأكبرها مساحة وأشهرها في العلم والطب والتجارة، كما أنها المحافظة التي تحوي كثافة عددية مسيحية تفوق سواها، لا تقاربها في ذلك الأمر إلا محافظة المنيا التي تليها إلى جهة الشمال. حصل على بكالريوس التجارة من جامعة القاهرة، وتزوج وأنجب ولدين وثلاث بنات (بوركوا جميعا).

الرؤى والكتب والمشاركات الفعالة

مما سبق يُستنتج أن رؤاه تنويرية في الصميم؛ فهو رافض لكافة أشكال التعصب الديني ومؤمن بفصل الدين عن الدولة والسياسة كما سبق الإلماع، وإخلاصه للكنيسة مغاير وعظيم جدا؛ لأنه يريد محو الظلام من صفحاتها ويحب لها أن تقود شعبها بالقيم النبيلة الطيبة طبعا لكن من خلال الإيمان الكامل بتقدم الحياة وحداثتها، وبمواكبة التقدم والحداثة، بعيدا عن القيم الماضوية التي استنفدت أغراضها وبليت ولم تعد صالحة للأوقات الجديدة.. ودوره الإصلاحي مع الكنيسة بسيطٌ وليس معقَّدًا ومستقيمٌ وليس مُعْوَجًّا ولا ينتهي ولا ينقطع في الحقيقة؛ فحيثما كانت قضاياها مطروحة كان قلمه وصوته حاضرين، حضورهما محب بدون ريب، غير أنه حضور الراغب في الخلاص من التقليدية والركود وبؤس الأدوات فوق رغبته في الخلاص من خطايا النفس وهواجسها ووساوس الشيطان.. ههنا لا يفوتنا أن نذكر أن له دورا شبيها مع القضايا المثارة من جانب الأزهر؛ فتفاعله مع قضايا المؤسستين الدينيتين الكبريين، لا سيما التي يحيط بها اللبس، تفاعلٌ فوري وبارز وذو وجاهة لا يخطئها الواعون المتعمقون، يخص منطقه العقلي المتمرد عليهما بلطف واحترام، وصوفية روحه الهائمة في ملكوت الله الفسيح، والمتأملة لشأني الدنيا والآخرة بلا قواعد مسبقة صارمة، يحددها له المشايخ والكهنوتيون!

الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد

كان عضوا في حزب الوفد، لكنه قدم استقالته من الحزب في أغسطس من عام 2010، ويقال إنه بقي وفديا عتيدا ويقال إنه ودع وفديته مع توديع الحزب وإن كان القول الأول أقرب إلى خصاله الوفية. لديه مجموعة من الكتب، ضمن أهمها كتاباه: العلمانيون وقضايا الوطن، وكتابه الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد (قراءة في مصادمات الفرقاء، الجذور والمستقبل) وهو الكتاب الذي قدم له الأستاذ الدكتور محمد عفيفي. شارك في مؤتمر العلمانيين الثاني الذي نظمته الجمعية المصرية للتنوير، وكم شارك في الندوات والمؤتمرات مشاركات فعالة، بقيت آثارها الحميدة الفارقة ممتدة حتى الساعة، ولعلها تبقى لآماد طويلة قادمة أو أبد الدهر، وكم ملأ الصحف والمجلات بفيوضات كتاباته المهمة ذات القيمة العالية، وملأ الإذاعات والفضائيات صخبا مع الأحداث الصاخبة الجارية، على الرغم من كونه هادئ الطباع قليل الانفعال!

مواسم الهجوم على “كمال زاخر”

لا يسلم رجل كالسيد “كمال زاخر” من الهجوم عليه حتى تسلم الأبواب من صفعات الرياح.. المسألة حقيقية تماما وليس فيها ذرة مبالغة؛ فالرجل تهاجمه الكنيسة لأنه يقف على شاطئها الآخر، ويهاجمه المتطرفون الإسلاميون لأنه من أعدى أعداء تصوراتهم المريضة وسيوفهم الجامحة المتعطشة للدماء وحبهم للهيمنة على العباد، وقد يهاجمه عاديون أيضا، بحكم قلة الوعي، لأنه لا يحمل قيمهم الرجعية نفسها، تمسكهم بالقديم على حساب الجديد وولعهم المستغرب بالسلطة الأبوية القمعية المتجلية في سلطة رجال الدين وطغاة السياسة، وهؤلاء يظنونه أيضا متعاليا عليهم لاختلاف أوهامهم عما بين يديه من الحقائق الناصعة. للهجوم عليه مواسم يعرفها المتابعون المدققون؛ فكلما كتب هوجم وكلما تكلم هوجم وكلما ظهر هوجم وكلما اختفى قليلا أو كثيرا في صومعته لالتقاط الأنفاس والاستعداد للحرب القادمة كان الهجوم عليه حادا وضاريا.. أعني أن كل شيء يصنعه الرجل، أو حتى لا يصنعه، يكون سببا في الهجوم البائس عليه؛ فكأن مواسم الهجوم عليه تساوي تعدادات أيامه، بيد أنه السيد المقدر سامي المنزلة في يقين من يضعون الأجلاء المتميزين في مواضعهم اللائقة!

أهمية وجوده في الجماعة الثقافية بمصر

لا يبالي السيد “كمال زاخر” بكارهيه ورافضي خط سيره وطريقة أدائه الناشطة، لا يبالي بالعزل ولا المنع ولا التهديد؛ فهذه الأسلحة ضعيفة في أيدي ضعفاء، كما يعرف، إنما يمضي إلى ما يريده قويا وواثقا، مترفعا عن النقائص، لا يفضل مسيحيا على مسلم في الحق، ولا يقوم بالعكس مجاملة ولا ممالأة، بل هو خصم من يفعل ذلك بالقطع لا الظن، ولا يبادر بعداوة أحد أو جهة ولا الخطأ في حق أحد أو جهة، ولا يتوانى عن إعلان رأي قد يكون على علم بأنه لن يعجب الأغلبية، ما دام يجده الأنسب للحالة التي يدور حولها الكلام، والأكثر ملائمة للوطن في صورته المدنية الحديثة التي ينام رجل معتبر مثله ويصحو على ملامحها المرسومة في خياله.

لو لم يكن هو يدري بقيمة وجوده الحيوي بين الجماعة الثقافية في بلادنا، أو لم يكن يهتم، فإننا ندري وإننا نهتم، ونؤكد حاجتنا إلى مثله باستمرار، هو الباحث عن الحلول بصدق، وعن مفاتيح المغاليق بأناة وصبر، والداعم الكبير لنخبة مثقفة شريفة لا تزال تناضل من أجل رفعة هذا البلد بلا مكاسب شخصية من أي نوع؛ فمكسبها الحقيقي هو جريان النيل فرحا باتجاه التحرر من الأغلال الثقال، ومكسبها الحقيقي هو مباهاة الأهرام بأرضها الوديعة التي للجميع على قدم المساواة، فالشيء الذي لا يمكن إنكاره في سيرة الرجل ومسيرته هو نضاله وتضحيته من أجل إرساء قاعدة المواطنه في المعاملات العامة، إرسائها بحيث تثبت ولا تتزعزع من جديد، واستبدالها بكل قاعدة أخرى لا تليق بحضارتنا ولا إنسانيتنا ولا تتناسب مع المتغيرات العالمية المتلاحقة؛ فالأمر، في نظره، يعكس قيما إيجابية وافرة أبعد بكثير من مجرد خانته التي تبدو محدودة، وليست كذلك، والوضع، في اعتقاده، سيكون أفضل لا محالة حين يُعامل المواطنون المصريون

بصفتهم هذه بالذات، لا بجملة الصفات الثانية التي طغت وبغت، وسلبت النور  والخير والجمال من وطننا إلى أوطان كانت تحتنا وصارت في الأعلى!

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock