رؤى

جوت نجاة الدين.. حينما أطلَّ التاريخ من “شُرُفَاتِ مَكَّة”

في السادس والعشرين من ديسمبر عام 2004، شهد العالم إحدى أسوأ الكوارث الطبيعية، حين ضرب زلزال عنيف بلغت قوته 9.3 درجة بمقياس ريختر- المحيط الهندي قرابة سواحل جزيرة سومطرة أقصى غربي الجزر الإندونيسية الرئيسية، ما تسبب في موجات هائلة عُرفت بـ “تسونامي” حصدت أرواح مئات الآلاف من الضحايا، وخلَّفت دمارا هائلا في عدة دول. تكبد إقليم “آتشيه” الواقع شمالي “سومطرة” أكبر جزر الملايو النصيب الأكبر من الأضرار، إذ زالت عشرات القرى التابعة له بشكل كامل، أما ضحايا الإقليم فقد قاربوا المئتين وخمسين ألف نسمة.

أعاد هذا الحادث المأساوي اسم إقليم “آتشيه” ليتردد في الأسماع مجددا بعد أن كان ملء السمع والبصر خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، حينما كانت “آتشيه” دولة مستقلة تعرف باسم سلطنة آتشيه دار السلام.. ومازال مسلمو الملايو يتوجهون إلى “آتشيه” كل عام قبل المغادرة إلى الأراضي المقدسة؛ ليبقى مسماها “شرفات مكة” هو الأكثر قربا إلى قلوب أبنائها.

حرب الإلحاد

قبيل عام 1774، توافد العديد من البعثات التابعة للجمعيات التبشيرية في عدد من البلدان الأوروبية إلى “آتشيه” برعاية شركة جزر الهند الشرقية الهولندية التي كانت بمثابة أول موطئ قدم للاحتلال الهولندي في الملايو. أثار النشاط المشبوه لتلك البعثات غضب مواطني آتشيه المتمسكين بتعاليم الدين الحنيف منذ دخل بلادهم عن طريق التجار العرب في القرن الثالث الهجري.. وسرعان ما أعلن الهولنديون عن نواياهم الخبيثة باحتلال الإقليم، ما جعل شعب “آتشيه” يخوض ضدهم حربا طاحنة عُرفت بحرب الإلحاد لما سبقها من محاولات رد أهل الإقليم عن دينهم عن طريق البعثات التبشيرية.

لم تهدأ مشاعر الغضب والثورة في النفوس رغم بشاعة الأساليب التي انتهجها الاحتلال الهولندي للسيطرة على الإقليم.. وكانت هذه الأساليب تواجه من جانب جيش آتشيه الحر بأعمال بطولية لم تجعل بقاء قوات الاحتلال في الجزيرة أمرا ميسورا.

في هذه الأجواء المشحونة بالكفاح والثورة والعامرة بقصص التضحية والفداء، ولدت “جوت نجاة الدين” في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا، لأسرة أرستقراطية حرصت على تعليمها تعليما دينيا، على يد أفضل المعلمين في الإقليم؛ فحفظت القرآن الكريم وهي دون العاشرة وأتقنت تلاوته وكان صوتها ينساب عذبا ساحرا مرددا آي الذكر الحكيم فيخلب الألباب.

كان والد “جوت” وثيق الصلة بأحد قادة النضال ضد الاستعمار ممن عُرفوا بالشجاعة والإقدام وهو القائد ” تيوكو إبراهيم” فما لبث والدها أن زوّجها له فور بلوغها سن الزواج.. ورغم زواجها من هذا القائد العسكري الفذ إلا أنها لم تنخرط في صفوف المقاومة بشكل مباشر نظرا لانشغالها بعمل لا يقل أهمية عن النضال المسلح ضد المحتل ألا وهو تعليم أبنائها وأبناء شعبها؛ القرآن الكريم وتعاليم الدين الحنيف.

حرب آتشيه
حرب آتشيه

في موقع القيادة

وفي العام 1878، يستشهد زوجها؛ فتترك “نجاة الدين” جهادها في ميدان التعليم؛ لتكون في مقدمة صفوف المجاهدين لتشارك في معارك حرب العصابات.. تلك المعارك التي أقضت مضاجع الغزاة، وحولت وجودهم في الإقليم إلى جحيم لا يطاق.. خصوصا في مناطق الغابات التي كان المجاهدون يستدرجون الهولنديين إليها، ليتم اصطيادهم بأعداد كبيرة ليتساقطوا تحت أقدام المجاهدين كما يتساقط الذباب.

كانت نجاة الدين قد رفضت الزواج مرة أخرى؛ مُفَرِّغَةً نفسها للجهاد برغم ما تلقته من عروض للزواج منها عرض القائد “تيوكو عمر” الذي رفضته أولا ثم قبلته بعد تعهده بأن تكون إلى جواره في المعارك كتفا بكتف، تم هذا الزواج الميمون عام1880، وكانت جوت في تلك الآونة قد دأبت على إلقاء الكلمات الحماسية في جموع النساء مُعَرِّفة إياهن بأدوارهن النضالية وبمرامي الاحتلال الخبيثة محذرة إياهن من الانخداع بما تقدمه الجمعيات التبشيرية من خدمات، مؤكدة أن الوجه الحقيقي للاحتلال وأعوانه لا يعرف الرحمة بل القسوة والجشع والاستغلال ليس إلا.

في العام 1893، يُحاصَر القائد “تيوكو عمر” مع مجموعة من رجاله لا يتجاوز عددهم أربعمئة رجل، وبعد نفاذ الذخيرة يُضطر عمر للتسليم لقوات الاحتلال، ولا يملك القائد الهولندي إلا أن يبدي إعجابه به لما قدمه من بطولات أظهرت بسالة منقطعة النظير في أصعب ميادين القتال، وتصدر سلطات الاحتلال قرارا بالعفو عن “تيوكوعمر” والإبقاء عليه قائدا لوحدته العسكرية، مع ضمها للقوات الهولندية.. تظاهر عمر بالموافقة على القرار، وظل لثلاث سنوات يجمع الأسلحة الحديثة والذخائر من مستودعات جيش الاحتلال إلا أن أيقن أنه أصبح ورجاله على استعداد تام لمواجهة حاسمة مع قوات الاحتلال، وبالفعل يفاجئ عمر قوات الاحتلال بهجوم كاسح في صباح الحادي عشر من فبراير 1899، قرب “ميولابوه” ويحتدم القتال ويلحق عمر ورجاله بالهولنديين خسائر كبيرة إلا أن القدر كان أسبق إليه، فيرتقي “تيوكو عمر” شهيدا وتتراجع قواته إلى منطقة الغابات، وتكتفي قوات الاحتلال بما لحقها من خسائر فلا تجرؤ على التقدم.

تيوكو عمر
تيوكو عمر

عندما بلغ نجاة الدين خبر استشهاد زوجها وجمت للحظات ولم تنتبه إلا على صوت بكاء ابنتها، فتوجهت إليها قائلة: “يا صغيرتي نحن نساء “آتشيه” لا نقل شجاعة عن رجالنا؛ لذلك لا يطيب لنا البكاء على الشهداء؛ لأن واجبنا هو إكمال مسيرتهم والانتصار لدمائهم الطاهرة”.

على الفور تقدمت “نجاة الدين” لتحل محل زوجها الشهيد في موقع القيادة.. وبعد دراسة مدققة لأهم المعارك التي خاضها المجاهدون ضد قوات الاحتلال – ابتكرت “جوت” عددا من التكتيكات الحربية  التي وصلت بالهولنديين إلى حد الجنون فور تنفيذها، إذ هاجمت برجالها مواقعهم أثناء الليل، وسلبتهم ما كانوا يجمعونه من خيرات البلاد، كما استدرجت القوات إلى مناطق الغابات بطرق حديثة، وهناك كانت تدور حروب العصابات التي لا تجيدها القوات النظامية، فكان الانتصار دائما حليف المجاهدين، مع خسائر كبيرة في الأرواح لدى الطرف الآخر.

سيدة القرآن المجاهدة

عقب إحدى تلك الضربات الموجعة  دفع الغضب قوات الاحتلال إلى ارتكاب جريمة حقيرة إذ قاموا بإحراق المسجد الكبير في “باندا آتشيه” ما كان له أكبر الأثر في تأجيج نار الثورة والنضال لدى أهل الإقليم من كافة الأعمار، ووقفت “جوت” تلهب الأفئدة بالحماس قائلة: “يا معشر المؤمنين إنني أدعوكم لإلقاء نظرة بأعينكم وقلوبكم على مسجدنا الكبير الذي أحرقته قوات الكفار.. إنهم يبارزون الله بالعداء، ويدمرون بيته الذي يُعبد فيه، غير عابئين بشيء، فهل ما زال بيننا من يدعونا إلى التصالح مع هؤلاء؟ هل ما زال بيننا من يحبون أن نغفر خطايا الهولنديين، على طريق أن تصبح “آتشيه” في قبضتهم التي لا تعرف الرحمة.. إن هذا لن يكون أبدا ما دام فينا عرق ينبض”.

وتستمر المرأة القرآنية في نضالها ضد قوات الاحتلال التي رصدت مبلغا كبيرا لمن يدل على مكانها، وكانت “جوت” قد بلغت الثامنة والخمسين من عمرها، وقد تضررت صحتها كثيرا بسبب الحياة في الغابات وقلة الطعام، كما كاد بصرها أن يذهب.. وفي اليوم الحادي عشر من ديسمبر 1906، في أحد أيام شهر رمضان، وبينما كانت “نجاة الدين”  تتلو آيات الله عقب أدائها لصلاة العصر، تلقي قوات الاحتلال القبض عليها بعد أن وشى بها أحدهم طمعا في المكافأة.. وفي لحظة خاطفة كانت “نجاة الدين” تلتقط سيفها؛ لتغمده بقوة في صدر قائد قوة القبض الذي لفظ أنفاسه على الفور.. وتشكلت على الفور محكمة عاجلة لمحاكمة للبطلة الثائرة، ليحكم عليها بالنفي إلى “سوميدانغ” في جاوة الغربية، وقد وقع الاختيار على تلك المنطقة لأن أهلها لا يعرفون لغة “آتشيه” كما أن “جوت” لا تعلم لغتهم.. كان هدف المحتل من ذلك ألا تؤجج المرأة العظيمة  نار الثورة في نفوس أهل “سوميدانغ”.

عملة جوت نجاة الدين
جوت نجاة الدين على الورقة النقدية فئة10000 روبية

فور وصولها إلى منفاها انقطعت “جوت” للتعبد، وكان بصرها قد كُفَّ بالكلية.. لكن صوتها العذب الشادي بآي الذكر الحكيم جذب إليها أسماع أهل “سوميدانغ” إذ كان يحلو لهم البقاء لساعات حول بيتها للإنصات إلى تلاوتها الساحرة.. وما لبثوا أن طلبوا منها أن تعلم أبناء “سوميدانغ” القرآن الكريم بعد أن أنشئوا مدرسة خصيصا لهذا الغرض، وحظت جوت بأعلى منزلة لدى الأهالي الذين منحوها لقب الأم “بريوبو” وهو أفضل لقب يمنح لامرأة في الإقليم.. وفي السادس من نوفمبر1908، تسلم جوت الروح إلى بارئها بعد حياة حافلة بالجهاد عامرة بالإيمان؛ مؤتنسة بالقرآن الكريم الذي لم يغادرها إلى آخر لحظات حياتها.

بعد وفاتها تولى أمير “سوميدانغ” أمر دفنها في مقبرة النبلاء بجبل السمان، ولم يعرف أهل “سوميدانغ” أن الأم “بريوبو” التي أحبوها واحترموها ليست سوى تلك البطلة المجاهدة التي قاومت الاحتلال الهولندي لنحو ثلاثة عقود، ولم يعلم أهل الإقليم بالأمر إلا عام1960، بعد توثيق الحكومة الهولندية للمعلومات التي تؤكد أن الأم “بريوبو” والمجاهدة القرآنية جوت نجاة الدين شخص واحد.

في عام 1964، أعلن الرئيس الإندونيسي “سوكارنو” السيدة “جوت نجاة الدين” بطلة قومية للبلاد، وفي عام1989، حاز فيلم أخرجه “إيروس دياروت” عن حياتها على جائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان كان السينمائي، كما وضعت صورتها على الورقة النقدية فئة10000 روبية عام1998.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock