ثقافة

سَهِير القَلَمَاوَي.. قُوْةُ النَّهْرِ إِذْ يَصْنَعُ مَجْرَاه

في سِفْرِه الجليل “النيل حياة نهر” يصف الكاتب الألماني “إميل لودفيغ” النهر العظيم بالجبار الذي ينهب السهب نهبا صانعا مجراه بحكمة وعمق.. وبغضب في أحيان كثيرة عندما تعترضه “أرض صخرية فيشد عزيمته” وينقلب إلى سيل جامح يفرض سطوة هائلة بفوران يغريه بقوة على مواصلة الجريان.

سيكون هذا الوصف الرائع للنيل حاضرا بقوة، ومتحققا بصرامة مبهرة في مسيرة تليق بامرأة غيَّرت كثيرا من الأمور المستقرة التي كانت تنطوي على إجحاف شديد وانتقاص لا مبرر له من شأن المرأة في ميدان التعليم الذي ضيَّقه متحجرو الفكر أمامها بأثرة وتعصب وجهل دون وازع من دين أو ضمير.

في عيادة والدها الطبيب المثقف الناجح تجتهد فتاة مدرسة كلية البنات الأمريكية في تعلم كثير من أبجديات المهنة على أمل الالتحاق بكلية الطب.. نراها تتحرك في العيادة بخفة كالفراشة، تحقن المرضى وتقوم بعمل التحليلات وتراقب أباها وتسرع إلى تنفيذ ما يطلب منها.. ربما كان ولعُها بالطب جزءا من تعلقها بوالدها الذي كان لها ملجأ آمنا أمام شدة وتحكم الوالدة ذات الأصول الشركسية التي كانت ترى عدم جدوى استمرار ابنتها في التعليم، وأنه من الأفضل لها البقاء في المنزل وتَعَلُّم اللغات وإتقان العزف على البيانو.

وفي أولى المواجهات القاسية تصطدم الفتاة بعقلية رجعية هي عقلية عميد كلية الطب، وهو رجل إنجليزي، إذ رفض التحاقها بالكلية بحجة أنها لم تحصل على “البكالوريا” المصرية، ولم تشفع لها المرتبة الأولى المسجلة في شهادتها الأمريكية في دخول الكلية، كما رُفض الطلب مجددا بعد عام قضته في كلية العلوم إذ كانت السنة الإعدادية مشتركة بين الكليتين.. وتكتشف الفتاة المسكينة أن كل هذا العنت سببه البغض الشديد الذي يُكِنُّه العميد الإنجليزي لكل ما هو أمريكي.

إزاء هذا التجبر لم تجد “سهير” أمامها إلى اللجوء إلى الدكتور “طه حسين” الذي كانت تجمعها به سابق معرفة إذ كان صديقا لوالدها؛ فإذا به يقترح عليها الالتحاق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب.. فلربما وجدت الفتاة المتمردة بغيتها في التشريح في شعر جرير والفرزدق؛ فتوافق مضطرة بعد أن صار حلمها في الالتحاق بالطب بعيد المنال.

كان يومها الأول في الجامعة يوما استثنائيا ترقَّبه الجميع لكونها أول فتاة مصرية تلتحق بالتعليم الجامعي.. مئات العيون تترصدها وهي تعبر الطريق نحو كليتها.. حالة من الوجوم تسيطر على كل من في قسم اللغة العربية باستثناء عميد الأدب العربي الذي أحسن استقبالها وبث في روحها كلمات التشجيع والعطف.

سهير القلماوى أول طالبة تلتحق بجامعة فؤاد الأول 1929
سهير القلماوى أول طالبة تلتحق بجامعة فؤاد الأول 1929

في قسم اللغة العربية بكلية الآداب وجدت “سهير” نفسها وسط أربعة عشر زميلا كلهم يفوقونها دراية بالعربية التي لم تكن في الحقيقة لغتها الأولى ولا الثانية، ويتجلى دور الأب الداعم والمساند من جديد لها في ذلك المأزق أيضا، فمجرد أن صارحته بما تجده من صعوبة في الدراسة في القسم حتى أسرع الأب بالاتفاق مع معلم ليدرِّس لها القرآن الكريم وآخر لتعليمها أصول الخط العربي، وثالث ليشرح لها ما عمِّي عليها في ديوان العربية، ومما ساهم في سرعة جني ثمار إصرارها، ورغبتها الكاملة في أن تَبُزَّ أقرانها، تلك المكتبة العامرة التي كانت تحتل غرفة بكاملها في البيت، وتعج بأمهات الكتب، ومؤلفات كبار كتاب ذلك العصر، وعلى رأسهم أستاذها وراعيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

تنهمك فتاتنا في الدراسة أيما انهماك، وليس ذلك فحسب بل يمتد نشاطها إلى مجلة الجامعة المصرية التي بدأت العمل فيها كمساعد محرر، وما لبثت أن تقدمت بفضل جهدها ودأبها حتى صارت رئيس تحرير المجلة، وهي مازالت في السنة الثالثة من دراستها.

في ذلك الوقت أيضا ظهرت مقالات عديدة لها في كثير من المجلات ذائعة الصيت آنذاك كمجلة “الرسالة” و”الثقافة” و”أبولو” و”كوكب الشرق” وبالقطع فإن كثيرا من الطلاب والأساتذة كان يرون أنها تجاوزت كثيرا في حرصها الشديد على أن تكون -دائما- في الصدارة، ما أوقد نار الغيرة منها في القلوب، خاصة وأن الغالبية العظمى من الطلاب في هذا الجيل كان يرى أن تفوق فتاة في أي مجال تنافس فيه الذكور- هو أمر غير طبيعي، وربما ظن أحدهم أن ذلك من عجائب آخر الزمان، قبل أن يعم الله الجميع بعذاب شديد!.

حديث مع سهير القلماوي من صحيفة العروسة
حديث مع سهير القلماوي من صحيفة العروسة

وتمر سنوات الدراسة الجامعية الأربع في متاعب متصلة، وجهد دؤوب لإثبات الذات؛ بالرغم من مبالغة الأم في تكليف الفتاة بالأعباء المنزلية التي كانت تستهلك طاقتها؛ حتى تثنيها عن السهر للمذاكرة، ومع ذلك فقد حصلت الفتاة على ليسانس الآداب، وجاء ترتيبها في المركز الأول، وتم صدور قرار بتعيينها معيدة بالجامعة، وقد لاقي هذا الأمر معارضة كبيرة من الأم، التي رأت في توظف الفتاة خروجا عن الآداب والتقاليد المتبعة في الطبقة التي تنتمي إليها، وفي أثناء احتدام المناقشات حول هذا الأمر يقدر الله رحيل الأب الذي كان الداعم والسند لها في كل مواقف الحياة الصعبة التي واجهتها، وبعد أن أفاقت من هول تلك الصدمة المروعة، رأت أن إصرارها على مواصلة الطريق الذي رسمته لنفسها، ونال مباركة ذلك الأب الحنون، لهو من أبر البر بالراحل الكريم؛ فانخرطت في العمل بالجامعة، وظلَّت على حالها مع والدتها تقوم بكل ما تكلف به من غير تضجر.

في تلك الفترة كانت البلاد تموج بغضب شديد بسبب إلغاء دستور1923 الذي كان يتيح سلطات أكبر للبرلمان على حساب صلاحيات الملك الذي ظل متربصا به إلى أن استطاع إلغاءه بمعاونة حكومة إسماعيل صدقي، ووضع دستور يوافق هواه عام1930م، وكانت ذروة الرفض الشعبي في عام 1935 وكان الطلاب في قلب تلك الثورة، وكانت “سهير القلماوي” عضوا في اللجنة الطلابية العليا التي شكلت لتكون ممثلا عن الطلاب، ومنظما للفعاليات الثورية داخل الجامعة وخارجها، واستطاعت الإرادة الشعبية أن تجبر الملك فؤاد على العودة إلى دستور1923، كما أجبرته على إقالة الوزارة الموالية له برئاسة محمد توفيق نسيم باشا، وتكليف زعيم الوفد مصطفى باشا النحاس بتشكيل الحكومة، وكان ذلك الحدث تتويجا لجهود جيل من الشباب وعى الثورة باكرا مع أحداث عام1919م، وكانت معركة الدستور في1935 التي قدم فيها الطلاب شهيدين هما “عبد الحكيم الجراحي” و”عبد الحميد مرسى” إثباتا لقدرة الشباب وخاصة الطلاب على تغيير مسارات التاريخ متى آمنوا بأنهم أولى الناس بذلك، وكانت فتاتنا في مقدمة تلك الطليعة الثورية الواعية.

واصلت “سهير” دراستها حتى حصلت على الماجستير عام 1937، وكان موضوع رسالتها عن أدب الخوارج خلال حكم الأمويين، وقد شهد يوم المناقشة أحداثا مؤسفة إذ تجمع عدد كبير من طلاب الأزهر وعدد من طلاب الجامعة لإبداء اعتراضهم على موضوع الرسالة، فاضطرت إدارة الكلية إلى عقد المناقشة في قاعة أخرى وقصرت الحضور على ستين فردا فقط؛ تحقيقا لشرط علانية المناقشة.

ثم كانت بعثتها إلى فرنسا لنيل درجة الدكتوراه عن أطروحتها عن ألف ليلة وليلة، فكانت أول فتاة مصرية تحصل على درجة الدكتوراه، والأهم من ذلك أنها كانت أول من حوَّل ألف ليلة وليلة من حكايات شعبية  إلى عمل أدبي هام يتم تناوله بالنقد والتحليل وفق منهج علمي.

ألف ليلة وليلة سهير القلماويربما كان اليوم المشهود الآخر – غير يوم دخولها الجامعة – هو يوم جلوسها على كرسي أستاذها ورائدها الدكتور طه حسين، لتكون أول امرأة تصبح رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وهو المنصب الذي احتل لديها مكانة خاصة جدا، برغم أنها تولت العديد من المناصب التي تجل عن الحصر، وكانت لها فيها الريادة على جميع أقرانها، فكانت أول امرأة تترأس الهيئة العامة للكتاب، وأول رئيس لمؤتمر الفنون الشعبية عام 1967، كما تولت رئاسة اللجنة العليا للرقابة على المصنفات الفنية عام 1982،  وكانت قد شرفت سابقا بعضوية مجلس الأمة عام 1959، وعضوية الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1963، وعضوية مجلس الشورى عام 1979.

أولت “القلماوي” قضايا المرأة اهتماما كبيرا إذ قامت بتأسيس جمعية خريجات الجامعة عام 1953 وكان هدفها الأساسي تقوية أواصر الصداقة والتعاون مع الاتحاد الدولي للجامعات لرفع مستوى المرأة المصرية في الجوانب السياسية والثقافية، كما شاركت في العديد من المؤتمرات الداعمة لتلك القضايا، وقد خاضت أيضا معارك عديدة دفاعا عن أصالة حق المرأة في التعليم والعمل في الثقافة العربية الإسلامية، ضد من اتهموها وغيرها بأنها أداة من أدوات التغريب، ويذكر أيضا أنها قد تراجعت عن كثير من آرائها بهذا الخصوص، إذ أوردت في كتابها المعنون بـ “مع الكتب” ما يلي” لقد ظننا أن تشبث بعض نسائنا بأنوثتهن تأخر وضعف، وأن القوة كل القوة وأن التقدم كل التقدم هو في الثورة على الأوضاع التي تجعل المرأة تؤدي وظيفتها الأولى في الحياة وهي الأمومة، إن مهمة المرأة الأولى هي الأمومة ومهمة الرجل الأولى هي معاونة المرأة على أداء هذه المهمة، وتعهد الجيل الجديد بأن يهيأ له وطناً جديداً ومجتمعا صالحا، ولو أدركت المرأة هذه الحقيقة وفهمت كنهها ما تنازلت عن أنوثتها لأي سبب ولا في أية معركة”.

كما اهتمت خلال رحلتها الإبداعية بثقافة الطفل العربي، فحمل كتابها الأول عنوان “حكايات جدتي” ولقد حافظت “القلماوي” على خطين متوازيين سارت فيهما كتاباتها الأكاديمية إلى جانب الإبداعية على نحو قلما أدركه أحد من أبناء جيلها.

حكايات جدتي سهير القلماويإن نموذج دكتوره “سهير القلماوي” لهو نموذج جدير بالدراسة والتأمل، إذ أنها واجهت مجتمعا بأسره أراد لها خلاف ما أرادت لنفسها، لكنها تجاوزت العقبة تلو العقبة، حتى حققت لنفسها ولوطنها ما أرادت، بل إنها أعطت المثل والقدوة لغيرها في أن انتزاع الحقوق يتطلب العزم والمثابرة والثبات على المبدأ مهما كلف الأمر.

وفي مايو من العام 1997 رحلت “سهير القلماوي” عن عالمنا بعد رحلة طويلة فاضت بالعطاء والنضال والمواقف المشهودة، التي تثبت أن المرأة المصرية تستطيع أن تنجز الكثير إذا هي آمنت بقدرتها على نيل المكانة التي تستحقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock