رؤى

أزمة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي..بين حضور الإسلام وغيابه

 تعقيب على ملامح مشروع نهضوي اسلامي للباحث علاء حميدة

منذ أكثر من قرنين ينشغل العرب والمسلمون بهذا السؤال سؤال النهضة” لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم” وكتبت فيه الكتابات وطرحت حوله الأطروحات وقامت من أجله الحركات والثورات والحكومات، ولكنه لا يزال مطروحا كما هو ينتظر الإجابة دائما ويطلبها، ومن هنا أتفهم الجهد المشكور للكاتب والأديب الاستاذ علاء  حميدة في ورقته ومشروعه الذي عنونه “ملامح مشروع إصلاحي نهضوي” وأتفهم وأقدر كل جهد مشكور في هذا الاتجاه، فسؤال النهضة وهمُّها سيظل شاغلا طالما أن أزمة الهوية وحضورها قائمة، وما دامت النهضة ذاتها لم تتحقق بشكلها الكامل، وطنا أو مواطنا أو علاقة بالحضارة ومشاركة فيها، قياسا للعالم، وليس للذات، سيظل سؤالها ومحاولة الإجابة عليه قائمة.

وهنا تأتي أولى ملاحظاتنا على ما كتبه الاخ الكاتب في ورقته وعلى انطلاقته من مفهوم التجديد الإسلامي، لمفهوم الإصلاح، من أجل النهضة، وليس من مدخل النهضة الشامل أو من مدخل العلاقة بالعالم وليس العلاقة بالذات وحدها، وظني كان مهما، وهو مهم دائما تحديد وضبط اصطلاح الإصلاح المستخدم في الورقة، وما الفارق بينه وبين التجديد الديني الذي أتت به الآثار والنصوص الدينية، في القرآن والسنة، على اختلاف تفسيراتها وتأويلاتها، فهناك من يراه فردا ويكون الاختلاف حول الأفراد وهناك من يراه جماعة ويكون الاختلاف في الجماعات، وهناك من يراه حركة وتطورا وتأثيرا، وكل منها يكون في مجال معين، ولذا رأينا من يراه صوفيا ومن يراه فقهيا ومن يراه متكلما ومن يراه حاكما في بعض الأحيان.

ورغم انتشار الدعوة، الجماعية والفردية، الرسمية والمؤسساتية، للتجديد الديني،  والدعوات الرسمية والمؤسساتية له، لا تزال جهودها غير واضحة، بل لا يزال  مصطلحه غير مضبوط، فكثير من محاولات التجديد تتهم بالهرطقة والخروج،  أو  بالانحراف أو الخطأ، على الأقل، وربما تلتزم كلها ما وضعه الأستاذ علاء حميدة مما سماه” خصائص للتجديد” وهي ثلاث حددها في الإصلاح والتقويم والتطوير، ولكن هل ما يطرحه متعلق بتجديد ديني فقط، فكيف التقويم فيه وما حدوده عنده، وما التطوير فيه وما حدوده عنده، أم أنه تطوير وإصلاح نهضوي، شامل، كما هو عنوان المشروع المقترح المقدر وصاحبه.

ثاني الملاحظات التي نود ان نطرحها على ما كتبه الاستاذ علاء حميدة في مشروعه المقترح، ملامح مشروع إصلاحي نهضوي، أنه أكد أن منطلقه هو” تطوير الذات” وليس النقد الذاتي، وكان الأفضل لو سماه الكاتب” مراجعة وتطوير الذات” فلن يتم تطوير للذات دون مراجعة، ومصطلح النقد الذاتي مهم، وهو حاضر في الخطاب العربي منذ ستينيات القرن الماضي، و اطلقه وقتها  المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ، فعدم النقد الذاتي للتجربة العربية القديمة والحاضرة، والأسباب والأخطاء التي تم ارتكابها والوقوع فيها في فترات سابقة، لا شك سيجعل الحلول المقترحة أشبه باللمحات الرومانسية والفكرية التي كان يطرحها الشعراء والأدباء العرب، دون أن يقدموا نسقا وخطابا متكاملا.

ياسين الحافظ
ياسين الحافظ

الإسلام واستحضاره..هل غاب يوما؟!

أما المنطلق الثاني الذي طرحه الكاتب فهو” الإسلام” وهذا الطرح رغم عقلانيته عنده، ورغم قبوله الإيماني والعام، يطرح السؤال: أليس الإسلام موجودا وحاضرا؟ لماذا نفترض كما افترضت كثير من جماعاته وتنظيماته العلنية والسرية التي يرفضها الكاتب، أنه غائب…

أليس الإسلام حاضرا، بمؤمنيه ودعاته، بمعتدليه وراديكالييه، بفرقه وجماعاته، بأصواته وتاريخه، أليس بعدا رئيسا من أبعاد الهوية المركبة لكل المسلمين في مختلف أنحاء العالم..

وهنا يحضرني مناقشة مسألتيْ ” الهوية” و” المرجعية”  في علاقتهما بالنهضة وإعاقتها المستمرة، فالأولى “الهوية” المأزومة بنهضتها وسؤالها تبحث عن نفسها دائما، تبحث عنها في التاريخ السحيق، وفي القريب العميق، وفي كل حدب، رغم أنها تحتاج وفقط أن تحضر في الفعل الحضاري والمسار الحضاري، أن تتجاوز أزمتها وتصح حقيقتها ووعيها وفعلها، فالهوية تمرض حتى تنهزم في ميدان الحضارة فقط، الهوية تحتاج النهضة والحداثة والتفوق حتى ترفع علمها فقط وتصيح مهللة لنفسها..

الإسلام كهوية وكمرجعية

وبذكر الإسلام يحضر السؤالان: الهوية والمرجعية، فالإسلام ك هوية مصمتة، واحدة أحادية، وليست بعدا رئيسا أو مركزيا من هوية مركبة، تشمل الوطن! حيث مفهوم الجنسية الحقوقي والحديث، وتشمل  المواطنين غير المسلمين، وتشمل غير الإسلام من أعماق حضارية أو روحية…وفي هذه الحالة ظني أنه قد لا يجوز أن يكون الإسلام وحده منطلقا أو مصدرا ثقافيا لنهضة معاصرة، دون استحضار كل هذه الأبعاد وفي مقدمتها الواقع وأزمته والمستقبل وطموحه.

كما أن الإسلام كمرجعية ظني كان يجب على صاحب المشروع أن يصفها بالمفتوحة، أو يقول مبادئ الإسلام أو مقاصده، وليس الإسلام ب” ال” العهد دون تحديد، فالإسلام واسع ومتسع، وفيه النص القرآني الحي، كما أن فيه الحديث والسنة بمختلف درجاتها، وفيه التراث والتاريخ وكلام الفقهاء والمتصوفة والمتكلمين وغيرهم.

الهوية الإسلامية
الهوية الإسلامية

ولماذا لا تكون النهضة نفسها كمشروع وكحاجة حاضر وكمطلب مستقبلي  مشروعا، ونربأ عن توظيف الديني وتحميله المسؤولية عن قيامها وفشلها، خاصة مع حضور العديد من التجارب التي وظفته واستخدمته، من الإسلام السياسي إلى الراديكالي والعنيف، وكان تجريبها دافعا لكراهيتها بل وصعود تيار لاديني ردا على جمودها، وتحولا عنه لأديان أخرى، بعضها غير سماوي، وغير هذا مما يتحمله الإسلام من أخطاء المسلمين والمحتكرين للحديث باسمه.

ولأن الكاتب يدرك تخوفات اعتبار الإسلام وحده المرجعية والمنطلق، أضاف في وصفه: ” ليس دينا طائفيا ولا عنصريا.. يجمع ولا يفرق.يثمن الاجتهاد ويحارب التعصب والغلو ويمنع الجمود والتحجر” ولكْن هذه دعوته الجميلة ولكِّن كثيرا ممن قدموا هذا الوعد والوصف لم يلتزموا به، ويصرون على التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، وبين الذكور والإناث، وبين الإسلامي المنتمي لمشروعهم وبين المسلم الذي لا ينتمي لمشروعهم..وكانت التجربة شاهدا على ذلك حين استلموا الحكم أو سيطروا على الحكومات في بعض البلدان، وما يحدث في ايران الخمينية وثورتها الإسلامية شاهد على ذلك، كما أن تجارب كتنظيم الدولة أو جماعة الإخوان في مصر- مع ادراك الفارق- كانت محلا لهذه التحفظات كذلك.

توظيف الآخر وخندق الخصوصية

 حدد الكاتب في مشروعه مفهومه للإصلاح بأنه ” العمل على محاولة النهوض بالأمة والرقي بمستواها على كافة الأصعدة، وسد عجزها وحل مشكلاتها، واستبدال مواطن العجز والضعف في أوصالها، عن طريق دراسة الواقع ورصد أوجه الخلل العاجلة، ووضع الحلول على كافة المستويات.استلهاما لمخزون قيمنا وتراثنا الثري مع اقتباس الوسائل والتجارب الحديثة والمعاصرة، لإنتاج نهضة وطنية محلية الصنع تجمع بين الأصالة والمعاصرة. توطن التجارب الرائدة ولا تمسخها بالتقليد السلبي، تستفيد من العبر والخلاصات، مع الأخذ في الاعتبار ضرورات تباين وخصوصيات البيئات المختلفة ” وهنا يلاحظ اقتصاره في التثاقف مع الآخر، باقتباس الوسائل والتركيز على محلية صناعة النهضة، واستحضار الخصوصية الثقافية، وهذا الخطاب نراه كان دائما من عوائق النهضة، لأنه كرس الخوف من الآخر والتخندق في الخصوصية دون العالمية، خاصة وأن الخصوصية مفهوم فضفاض، فقد رفضت الديمقراطية من دول عربية وإسلامية بحجة الخصوصية، وتنتهك حقوق الانسان بحجة الخصوصية، ورفض الابتعاث  ورفض  بعض العلوم ومنتوجات العلوم بحجة الخصوصية..كنت أنتظر من الكاتب أن يقول التصالح أو التفاعل الإيجابي بين الخصوصية والكونية، وبين الهوية والإنسانية، وبين الذات والآخر، دون التخندق في هذا الخطاب..

كما أن تركيزه على الوسائل والعبر دون الفهم والمضامين، وكثير منه لا يعارض الإسلام ولا يعارض الخصوصية، يجعلنا مستهلكين ليس أكثر، نحن نحتاج تفهم الغرب وحضارته التي صارت عالمية، ونحتاج عقلية الحداثة والنهضة قبل استهلاك منتوجاتها وإنجازاتها ومحاكمتها عبر الدروس المستفادة منها ..

لوحة مدرسة أثينا التي تُمثل عصر النهضة الغربية
لوحة مدرسة أثينا التي تُمثل عصر النهضة الغربية

رهان على الأمة…ملاحظات مطلوبة

نثمن موقف الكاتب من رغبته في التمكين للأمة في وجه تغول الدولة العصرية عليها، ولعل هذا مبرر مقبول لتركيزه على الإسلام كونه مرجعية الأغلبية منها، ولكن رغم أهمية هذا الطرح في التركيز على الناس في مقابل الحكام، أو الرهان على الأمة والمجتمع في مقابل الدولة ، إلا أنه خيار ليس سهلا، فالأمة والمجتمع لا يُتركان هكذا من قبل الدولة، بل يتم إرشادهم وتعبئتهم وشحنهم عاطفيا في اتجاهاتها، أو تخويفهم من معارضتها..هذا الطرح الذي يريده الكاتب، تراكمي وثقافي، ولكن هل يريد شحن الناس بالإسلام الحاضر غير الغائب، أم بطروحات النهضة العامة، كالمشاركة والتطوع والحرية والمساواة… كما أن الكاتب لم يوضح لنا ما الفارق بين رهانه على الأمة- التعبير الإسلامي والقومي- وليس على المواطنين في الوطن، ورهان غيره من منظري الإسلاميين وتياراته عليها كذلك منذ تسعة عقود، ألم يكن رهان على الناس والجماهير في الجهاد السياسي والاليكتروني والجهاد المدني والدعوي والجهاد القتالي حسب كل جماعة، أم أن رهانه هذه المرة سيكون مختلفا ؟..

خصائص الإصلاح في إطار الإسلام

وضع الكاتب أربع عشرة خصيصة لخصائص الإصلاح الذي يريد، يبدو كثير منها إيجابي، ولكن في فضائه الإسلامي وتجديد خطابه المعاصر، من قبيل إصلاحيين وليس إسلامييين، مستشهدا بأنه لم يرد المصطلح الأخير في القران والسنة، وورد  في التراث الإسلامي  فقط في كتاب ” مقالات الإسلاميين”  لأبي الحسن الأشعري  بتفريقه  بين الإسلامي والمسلم..ليكون الإصلاحي الأعلى درجة من الإسلامي والمسلم..ولكن ماذا عن غير المسلم أساسا..وماذا عمن لا يلتزم الإسلام كمرجعية وحيدة للنهضة كما يريد الكاتب ويركز.

ومن النقاط التي ذكرها الكاتب كذلك كونه” وطني الانتماء انساني التوجه” وهو ما يستند فيه الكاتب لأولويات الدعوة ومدارجها ومرحلها، وأن الدولة القطرية هي المرحلة الأولى للوصول للأمة الإقليمية والدينية الى العالمية..وهنا يبدو الوطن والوطنية مرحلة غير مستقلة ودرجة في سلم للوصول ل سلم آخر، حتى تبرير الوطن كرابطة سياسية وهو تعبير حديث في دلالته لا في لفظه، قانوني وثقافي، جاء من وجهة نظر دينية فقط، تتجاوز تأسيس فكرة الوطن حديثا وتأسيس الدول الوطنية حتى سيادته الراهنة على غيره من التصورات وفي مقدمتها تصور الرابطة السياسية  للأمة الدينية، وكانت بينهما من المعارك الكثير في ظل تصارعهما على هوية الدولة والمجتمع…وكان الأصلح من منظور الاصلاح التركيز على فكرة الوطن والوطنية كواقع للانطلاق وخصيصة اساسية في التغيير.

مقالات الإسلاميين الاشعرينثمن كذلك كثيرا من الخصائص الاخرى، مثل إلحاحه على التفاعل الايجابي مع المجتمع، ونهضوي شامل وليس سياسي فقط، واحتوائي وغير تصادمي،  هنا يتكلم الكاتب عن خصائص التأويل الإسلامي الذي يريد..! ولكن من النقاط المهمة محل التحفظ حديث الكاتب عن مؤسسة الفتوى ودعمها، وهو الشأن الديني الخاص الذي قد يخالف كثيرا من التشريعات االحديثة…وهنا يتضح إيمان الكاتب ذي البعد الديني الإسلامي في منطلقاته وخصائصه، ولكن لم يجبنا عن السؤالين المهمين بماذا يختلف هذا الطرح شبه الوسيط عن أطروحات النهضة،  ولكن ما الفرق بين ما يطرحه الكاتب وما يطرحه كثيرون سابقون ومعاصرون التزموا المنطلقات نفسها والمرجعيات نفسها واختلفواوتقاتلوا رغم ذلك، كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا على سبيل المثال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock