فن

الحلقات الثلاثون: نعمة أم نقمة؟

لا أدري على وجه الدقة من اخترع ما يبدو الآن قانوناً وهو أن كافة المسلسلات الدرامية العربية لاسيما تلك التي تُعرض في شهر رمضان المبارك  لابد وأن يبلغ عدد حلقاتها ثلاثين حلقة تامة بعدد أيام الشهر الفضيل؟

أغلب ظني ان هذه “الموضة” -إن صح التعبير- هي لاسباب انتاجية وتسويقية بحتة ولا شأن لها من قريب او بعيد بالفن او الابداع.

زحف بطئ

وأزعم أن جعل “الثلاثين حلقة” قاعدة عامة يخضع لها كافة صناع الدراما هي نقمة عليهم حيث تثقل كاهل  المبدعين  وترهقهم وتلزمهم بضرورة تقديم هذا العدد من الحلقات حتى وان كانت قصة المسلسل نفسه لا تحتمل هذا الكم.

 بعبارة أخرى٫ فإن الجهات الإنتاجية على اختلافها باشتراطها هذا العدد تجبر الكتاب على “مط” مادتهم المكتوبة لا لشيء إلا لكي تلائم أيام الشهر الفضيل الثلاثين وتكون النتيجة المنطقية أعمالاً تزحف فيها الأحداث زحفا٫ بطيئا  خالية من التشويق٫ ومحشوة بحوارات مطولة لا تضيف إلى الأحداث شيىاً يذكر.

اذكر على سبيل المثال لا الحصر مسلسلاً تابعته منذ بضع سنوات بعنوان “أهو ده اللي صار” كتبه الكاتب المبدع عبد الرحيم كمال واخرجه الراحل حاتم علي  تميز القسم الأول من المسلسل بروحانية مدهشة وأداء جيد من الممثلين ورسم صورة موفقة إلى حد بعيد للحياة اليومية في مصر وتحديداً في مدينة الإسكندرية في بدايات القرن العشرين.

توقعت أن ينتهي المسلسل عند نقطة معينة بدت النهاية عندها منطقية فقد التقى العاشقان٫ الشخصيتان  الرئيسيتان في المسلسل٫ بعد طول فراق ولم يعد هناك من يمنعهما من الارتباط٫ إلا أن “المزاج الإنتاجي” – إذا صح التعبير-  أبَى أن تنتهي الأحداث نهاية منطقية وألزم صناع المسلسل بأن يُتموا حلقاته ثلاثين حلقة وان كان على حساب المنطق٫ فإذا بالأحداث تمتد حتى السبعينات وإذا بذات الشخصيات تردد نفس الحوارات وقد بلغت من العمر أرذله وكأن المشاهد يتابع مسلسلاً آخر تماماً غير ذاك الذي عهده.

الأمر ذاته يتكرر في مسلسلات رمضان هذا العام٫ يكاد المشاهد يشعر أن صناع المسلسل يتعمدون ألا تتضمن الحلقات احداثاً إلا أقل القليل وكأنهم يدخرونها  إلى  نهاية الشهر الفضيل.

ومن الملاحظ أن هذا “المط” وان كان يُرضي المنتجين فإنه لا يرضي الجمهور٫ فأغلب المسلسلات التلفزيونية التي لاقت نجاحاً واستحساناً من الجمهور العربي لم تتقيد بقاعدة الثلاثين حلقة٫ فالمبدعان اسامه انور عكاشه ورفيق دربه المخرج محمد فاضل قدما الدراما الاجتماعية المميزة “رحله السيد أبو العلا البشري” في ١٥ حلقة لا غير وقدماً  أيضا الدراما الريفية “عصفور النار” في عدد مماثل من الحلقات والأمر ذاته ينطبق على الكاتب المبدع الراحل وحيد حامد٫ فاغلب اعماله التلفزيونية الناجحة والتي قدمها مع المخرج سمير سيف لم تلجأ اطلاقاً إلى الإطالة مثل مسلسل “البشاير” الذي قدماه في ١٥ حلقه أو المسلسل الاجتماعي “سفر الاحلام” الذي لم يزد – رغم تعدد شخصياته وخيوطه الدرامية – عن ١٥ حلقه ايضاً٫ اما رائد الدراما الصعيدية الراحل محمد صفاء عامر فقدم المسلسل الأكثر نجاحا وشعبية “ذئاب الجبل” في ١٩ حلقة لا غير.

والأمر ذاته ينطبق على المسلسلات التاريخية التي حُفرت في وجدان المشاهدين مثل مسلسل “العز بن عبد السلام” او “موسى بن نصير” فاغلبها ان لم تكن كلها لم تبلغ حد الثلاثين حلقة رغم أنها تتناول فترات تاريخية حافلة بالأحداث.

تيلي نوفيلا..!

ولا أبالغ ان قلت ان الإصرار على فكرة الحلقات الثلاثين قد بدأ يحول الدراما المصرية والعربية بشكل عام رويداً رويدا الى ان تكون أشبه بالمسلسلات اللاتينية أو ما يعرف ب”تيلي نوفيلا” والتي تتناول عادة حبكة بسيطة للغاية كقصه حب مثلاً في مئات الحلقات وتكاد تخلو من أية أحداث بل هي سلسلة من الحوارات المتتالية والمكررة.

إن ثقل الثلاثين حلقة من شأنه أن يُفقد الدراما المصرية رونقها وبريقها٫ ذلك الذي عُرفت واشتهرت وتميزت به منذ ستينات القرن العشرين وبفضله باتت المادة المفضلة للمشاهد العربي في كافة الأقطار من البحرين وحتى المغرب٫ فهل يدرك صناع المسلسلات هذه الحقيقة أم تُراهم يستسلمون لما فرضته عليهم مساحات الإعلانات الضخمة التي باتت تنافس في طولها المسلسلات نفسها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock