فن

جدلية الواقع والفن.. من “اللص والكلاب” إلى مسلسل “الطاووس”

لم يتوقف الجدل حول قصة مسلسل ” الطاووس ” للكاتب رؤوف عبد العزيز والمؤلف “كريم الدليل ” والذي يعرض ضمن السباق الرمضاني وأثير الجدل حول تقارب الأحداث وتشابها بدرجه كبيرة مع واقعة قد شهدتها مصر منذ أشهر وعرفت إعلاميا بحادثة “فورمنت “

ورغم إعلان عدد من صناع المسلسل أن الأحداث ليس لها علاقة بالحادث الحقيقي إلا أن هذا النفي الدائم لم يمنع المجلس الأعلى للإعلام من اتخاذ قرار بفتح تحقيق مع صناع العمل والقنوات التي تبثه ثم قرار المجلس بحفظ التحقيق دون توقيع أي عقوبة على صناع المسلسل.

وربما جاء نفي صناع العمل بدافع القلق من ردة فعل ضد المسلسل من جانب أطراف الواقعة الأصلية رغم الاختلافات العديدة بين كلا القصتين.

والمؤكد أن صناع العمل قد استلهموا القصة من الواقعة التي شغلت الراي العام وكان أبطالها عدد من “علية القوم “

واعاد هذا الجدل مجددا مسالة “تماهى الفن ” مع الواقع والمعروف أن الكتابة السينمائية أو الأدبية تنشغل دوما بالتماهي أو التوحد مع الشخصية أو الشخصيات الرئيسية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة هذه الحالة التى تعني قدرة الفن على التوحد مع الواقع بشكل كبير من خلال تجسيد شخوصه وأحداثه ونقلها إلى عوالم فنيه ساحرة ومبهرة مضافا إليها أدوات مثل الديكور والإضاءة والموسيقى وغيرها من تفاصيل الفن ولا يمكن للفنان أن يكتف بنقل الواقع كما هو مهما كان مثيرا للانتباه وإلا فقد الفن جاذبيته وقدرته على الخلق والإبداع بل يبحث الفن فى واقعنا عن أحداث وتفاصيل إنسانية ويجعل منها مدخلا لصناعة الفن وفى بعض الأحوال بلغ الأمر حد التطابق بين العمل الفني وبين الواقع وأحيانا جاء العمل الفنى أكثر قسوة من الواقع ذاته

وهذا الأمر ليس حكرا على الفن المصري فقد عرفته السينما العالمية في العديد من الحالات أما في مصر فقد عرفت السينما هذا التماهي مبكرا جدا دونما يمثل هذا أي جدل أو تقليل من شأن العمل الفني طالما أنه اكتفى بالاستلهام والتقارب مع الواقع ولم يتحول إلى عمل وثائقي أو تسجيلي.

سفاح “اللص والكلاب”

في ستينيات القرن الماضي انشغلت مصر بحادث السفاح ” محمود أمين سليمان ” وتحول إلى واحد من أشهر المجرمين الذي تتهافت الصحف على أخباره بشكل يومي ويتابعه القراء بنهم واهتمام بالغ ومن بين الذين انشغلوا بتلك الحادثة كان الأديب الكبير “نجيب محفوظ ” الذي كان يتابع ما ينشر فى الصحف يوم بيوم.

فقد حوكم “سليمان “فيما يقرب من 58 قضية سرقة، وصدرت ضده أحكاماً قضائيةً متعددة، ولكن منحنى الإجرام لديه، اختلف تماماً حينما علم وهو داخل السجن بأن زوجته “نوال” تخونه مع محاميه “بدر الدين” وأنه يتعمد تأخير إجراءات ونجح في الهروب من السجن وذهب إلى زوجته وأطلق 7 رصاصات تجاهها ولكن العناية الإلهية انقذتها، حيث اصابات ثلاث رصاصات شقيقتها ولكنها لم تمت، واختفى “السفاح فجاءة دون أن يراه أحد، وبدأت مطاردة الأمن له وبدأت الصحافة تثير القضية على نطاق واسع، وبدأ الجميع يتسابق على قراءة أخبار السفاح.

بدأت ملامح نهاية السفاح تتضح فى شهر نيسان عام 1960، بعدما داهمت قوات الشرطة شاحنة كان قد اختبئ فيها محمود سليمان، على أمل أن تقله إلى صعيد مصر حيث موضع رأسه ليختبئ هناك؛ وعثرت بداخلها على ملابسه، التي يبدو أنه استبدلها قبل مغادرته الشاحنة، وكانت تلك الملابس كفيلة بأن تُسقط السفاح، فبعد أن تعرفت عليها الكلاب البوليسية وأهدت رجال الأمن إلى مكان اختبائه فى إحدى مغارات جبل حلوان بجنوب القاهرة

وقامت قوات الأمن بحصار السفاح الذي بادر بإطلاق النيران تجاه القوات التي بادلته الرصاص؛ حتى أردته قتيلاً؛ ووضعت كلمة النهاية لأسطورته، بعد أن دفن بمقابر الصدقة بالقاهرة

بعد ذلك بأشهر قليلة بدأت الأهرام تنشر رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب ” الذي استوحى شخصياتها وأحداثها تقريبا من حياة سفاح القاهرة “محمود سليمان ” ويتحول اسمه فى الرواية إلى “سعيد مهران “

وفى نوفمبر 1962 كان العرض الأول للفيلم الذي حمل نفس الاسم للمخرج ” كمال الشيخ وقام ببطولته “شكري سرحان ” وشاديه ” ويعتبر واحد من أهم ما قدمته السينما المصرية ويحتل هذا الفيلم المرتبة ال 15 بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية وقد اعتبر كثير من النقاد أن هذا العمل هو المحاكمة الفنية الأولى لثورة يوليو 1952

فتاة المعادي والمغتصبون

في صباح يوم حزين من عام 1985 استيقظت مصر على فاجعة لم تعرفها وقسوة لم تكن من طبيعة أهلها ووحشية تحيل انسانيتنا إلى سلوك الغابة وأعرافها.

وتداولت الصحف أنباء واقعة اغتصاب جماعي لفتاة في عمر الزهور وتمكنت أجهزة الامن من القاء القبض على الجناة الذين صدر ضدهم حكما في محاكمة سريعة وناجزة تحت ضغوط الراي العام الغاضب.

تزايد الهجوم على الإعلام من جهة والفن من جهة أخرى مما دفع المخرج “سعيد مرزوق ” إلى تقديم فيلم «المغتصبون» الذي قامت ببطولته ليلى علوي وفاروق الفيشاوي وتبنى صناع العمل مطلبا بتغليظ العقوبة في وقائع التحرش والاغتصاب وهو ما حدث في أحداث الفيلم، فأصدرت المحكمة فى الفيلم حكما بإعدام مغتصبي الفتاة.

متحرشون وقتلة

وفى عام 2009 قدم المخرج “سعيد هنداوي ” فيلم “السفاح ” بطولة هاني سلامة ونكول سابا ” وهو عمل مأخوذ من قصة بطلها أحمد حلمى المسيري، الذي عُرِف بلقب ” سفاح المهندسين” بسبب جريمة ارتكبها بالمهندسين، حين اقتحم شقة أحد الأثرياء فقتل الخادمة وسرق الشقة، إلا أن أصحاب المنزل عادوا فقتلهما هما وحارس العقار وأحد الجيران، وقد تم القبض عليه عام 1994 وأُعدم في 2009

وجاءت أحداث الفيلم حول شاب من عائلة مرموقة ولكن مفككة، فنشأ وحيدا يبحث عن ذاته ويجد سعادته في عصيانه لأسرته وارتكابه للجريمة منذ نشأته وتزداد قدراته الإجرامية فى تنفيذ تلك الجرائم وتتنوع علاقاته بدوائر الجريمة ويشترك في تجارة السلاح وعمليات الاغتيال السياسية، ثم يدخل فى علاقة حب مع فتاة تغير معالم حياته ويشعر لأول مرة بمعنى الحب ودفئه ويحاول أن يحصل على الأموال لإقامة حياة جديدة مع حبيبته فيعقد النية على ارتكاب آخر جرائمه ليحقق ذلك.

وفي عام 2010 قدم المخرج “محمد دياب ” عمله الأول “678 ” والذي رصد خلاله عدد من وقائع التحرش الحقيقية التي شهدتها مصر في تلك المرحلة وبطولة بشرى وناهد السباعي ونيللي كريم، وماجد الكدوانى.

عزت حنفي والجزيرة

وفى عام 2007 يقدم المخرج شريف عرفة فيلم “الجزيرة ” بطولة “أحمد السقا وهند صبري “

والفيلم أحداثه مستوحاة من قصة حقيقية لشخصيـه “عزت الحنفي   “هو تاجر أسلحة ومخدرات شكل شركة مع شقيقه حمدان وآخرون استولوا على 280 فدان في جزيرة النخيلة التابعة لمركز أبوتيج بمحافظة اسيوط بمصر، وزرعوا عشرات الأفدنة بالمخدرات، وبعد عملية اقتحام كبيرة شنتها الشرطة المصرية على الجزيرة تم القبض عليه في 1 مارس 2004 وتم إعدامه هو وشقيقه في 18 يونيو 2006 وجاء الفيلم بعد أقل من عام من إعدام عزت حنفي ليرصد تلك الواقعة التي شغلت مصر لعدة سنوات.

مسلسل “فرعون”

في عام 2013 يقدم المخرج ” محمد على ” مسلسل “فرعون ” الذى جسد بطولته “خالد صالح وجومانا مراد ” وقيل بعد عرضه أنه يتماهى مع قصة صعود رجل أعمال شهير

وتناول المسلسل قصه صعود “فرعون ” من قاع المجتمع إلى قمته مستعينا خلال تلك الرحلة بالعمل في انشطة غير قانونية إلا أنه يتمكن من تكوين ثروة طائلة ونفوذ كبير

لماذا اذن؟؟

هذه بعض النماذج التي استلهمت السينما والدراما التلفزيونية وقائع حقيقة دون ان تتعرض الأعمال لهجوم أو تواجه بالغضب يصل إلى ما وصل عليه قرار الهيئة الوطنية للإعلام ضد مسلسل الطاووس – قبل أن يتم حفظ التحقيق – فى المقابل فقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة دعم واسع النطاق للمسلسل ولصناعه خاصة بطلته “سهر الصايغ ” وعقد رواد التواصل الاجتماعي مقارنات بين “الطاووس ” الذي لم يستخدم صناعه عبارات أو مشاهد خادشه أو مسيئة او منافيه لتقاليد المجتمع وبين عدد من الأعمال التي عرضت سابقا أو ما تزال تعرض وتتضمن عبارات ومشاهد تثير حفيظة المتلقي وهذا ما جعل المشاهد يتساءل عن الأسباب الحقيقة وراء الانتقاد – الرسمي – للطاووس تحديدا. وربما كان هذا الدعم وراء قرار حفظ التحقيق الذي لاقى ارتياح واسع النطاق.

وتظل العلاقة بين الفن والواقع عميقة وقوية ويستمر الفنانون فى استلهام الواقع بكل تفاصيله وروحه وتناقضاته ليصنعوا فنا أقرب للناس ومن ثم أكثر واقعية .. والمؤكد أن الفارق بين التوثيق والتسجيل من جهة وبين الفن والإبداع من جهة أخرى هو القدرة على أن يجعل الفنان من الواقع سحرا على الشاشة وتتحول الأحداث الحقيقة إلى مجرد مصابيح مضيئة ووقائع ملهمة وكاشفة بهدف أساسي وهو الفن الذي يتماهى مع الحياة ويستلهمها وينحاز للإنسان وينتصر لحقوقه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock