رؤى

أصداء الحرائق.. فن صناعة الإشاعات في الشارع والسوشيال ميديا

تحدث الحرائق، بمعناها الحقيقي والمجازي، تحدث في كل حين مهما تكن الاحتياطات، وفي البلاد التي قد لا تكون مساحة احتياطها لنفسها كبيرة، لأسباب شتى، كبلادنا التي ظلمها أهلها وأساءت إليها الحكومات المتعاقبة المهملة، من البديهي أن تكون احتمالات حدوث الحرائق أكبر، ومن البديهي أن تكون الأصداء مبالغا فيها بالمثل، بالنظر أيضا إلى غياب المعلومات المتعلقة بحريق جرى هنا أو هناك، وإلى الثقة المفقودة بين البشر والأجهزة الرسمية، وإلى معارضة تود الخلاص من هم الفساد الجاثم على صدر الوطن، أو ما تتصوره فسادا، بأية صورة من الصور، وبدون أن تنتبه لخطورة ما قد يكون الجميع مقبلين عليه، بسبب استغلالها غير المحسوب للموقف.. إن الإشاعات تنتشر بين الناس انتشارا سريعا عجيبا (الإشاعات: الأخبار المكذوبة، غير الموثوق فيها، وغير المؤكدة).. فإذا كانت الحرائق التي جرت ذات صباح من الأصباح ثلاثة؛ فإننا في مساء اليوم نفسه نجد الثلاثة صرن ستة أو تسعة، وهكذا دواليك!!

 الحوادث والكوارث

الحادثة تعني النائبة والمصيبة (الجمع حوادث)، فيما تعني الكارثة مصيبة كبيرة وخراب واسع (الجمع كوارث)، وتنقسم إلى كوارث شخصية وهي ما تحيق بشخص أو مجموعة أشخاص محدودين نتيجة لخطأ فادح أو ذنب مهول، وكوارث طبيعية وهي الكوارث الناتجة عن الطبيعة كالزلازل والفيضانات والأعاصير. لا يخلو مكان ولا زمان من الحوادث والكوارث بالطبع، غير أن الاختلاف بين الأماكن والأزمنة يكمن في الفرق بين الإيضاح والإخفاء، فبعض الأماكن تتبنى الإظهار والإبانة وبعضها تخفي ما لديها نسبيا أو بشكل مطلق، ويكمن الاختلاف أيضا في استخدام الأدوات المناسبة لوقت الحدث من عدم ذلك، والمعنى أن هناك أيادي تعتمد على أدوات تناسب العصر وهناك أخرى تعتمد على الأدوات القديمة الفانية التي لا تصلح للحظة الراهنة.

حادثة قطار سوهاج
حادثة قطار سوهاج

ما يعقب الحادثة أو الكارثة

في العادة تعقب الحادثة أو الكارثة أمور مفهومة، على رأسها الارتباك والتخبط والشعور البالغ بالمأساة الذي يفضي إلى التيهان في الأرض، يلي ذلك، أو يلاصقه في الحقيقة، تفكير في البحث عن حلول فعلية للمشكلات، وفي أجواء فقيرة ماديا وفكريا، فلا تملك زمام إدارة أزماتها، تتفاقم المشكلات ليصرن معضلات لا يُهتدى إلى حلها، ويفتح ذلك آفاقا رحبة لمن يعرف ومن لا يعرف ليتدخل في الموضوع، وأحيانا يفتح مثل هذه الآفاق لأطراف خارجية ليست قريبة بشكل كاف، وليست صادقة ولا أمينة، بل تقدم مصالحها الخاصة في الباطن فوق الوصف، وإن أبدت تعاطفا كاملا كأنه الاتحاد والغوث والحياة، أحيانا يفتح الفقر المذكور لمثلها الآفاق للزج بنفسها فيما يجري بسوح ليست بسوحها، وتكون الأثمان باهظة بعد ذلك!

الآثار السلبية في الشارع والسوشيال ميديا

يستقبل الشارع ما يجري بحسب علاقته بإدارته المحلية وبحسب ثقته في الحكومة والبرلمان؛ ففي الأجواء التي تكون فيها العلاقة بين الشارع وإدارته المحلية مضطربة متوترة وثقته في حكومته وبرلمانه منعدمة أو شبه منعدمة، بناء على تاريخ طويل من الكذب والخداع، في تلك الأجواء يستقبل الشارع ما يجري بقدر كثير من التشاؤم، ولا يكون للتفاؤل وجود في دوائره لو شئنا الدقة، ليس ذلك فحسب، بل يبني “مسكوتا عنه” على ما جرى في الحكاية الواقعية الجارية؛ فيقينه، من خبراته السابقة، أن الخسائر الحقيقية أضعاف ما يقال، وأن الأيام البيضاء ولت فعليا وحلت محلها الأيام السوداء المعتمة.. هنالك لا يبالي هؤلاء بالتلفزيون ولا الإذاعة ولا الصحافة، لكنهم يتخذون من المقاهي الشعبية أو الأندية الفخمة، على حسب الطبقات التي ينتمون إليها، يتخذون منها بديلا إعلاميا، فيفضي كل واحد منهم لمجموعته بما يتصوره، وتصوره يكون مصدقا تماما، وما عداه من الأنباء الرسمية المتداولة ليس كذلك بالمرة.

حادثة عمارة فيصل المحترقة
حادثة عمارة فيصل المحترقة

وفي السوشيال ميديا، كما في الشارع وزيادة، حيث يكثر الفلاسفة هناك بلا رقابة من أي نوع، الفلاسفة المسيئون إلى معنى الفلسفة، ويكثر المتشددون في الدين والأخلاق، والمعارضون الراديكاليون، والمقنعون بأقنعة من الصعب كشف ما وراءها، وتنمو الحشائش الشيطانية كنموها في البيئات القبيحة العفنة.. هنالك حديث القطع لا الظن، ومحو كل ما هو رسمي بكل ما هو غير رسمي، ومعاداة الدولة في الصميم، وإهالة التراب على كل ما قد تكون أنجزته الأيدي الوطنية في السنين السالفة، والتذكير بالسيئات والمثالب والعيوب والدنايا والنقائص، وغض الطرف عما كان من المشروعات الكبرى الملهمة والصغرى الحساسة، وربما يصل الأمر إلى التشكيك في كل شيء من أول الحضارة الراسخة الخالدة وانتهاء بالفأس الذي يضرب به الفلاح المخلص أرضه بالدلتا لكي تزهر والفخار الذي يقلبه الصانع الصعيدي الماهر بين يديه لكي يشكله إناء للزينة أو وعاء للطعام أو الشراب.. يصنعون الإشاعات، بمكر وخبث عظيمين أو بغفلة فظيعة هائلة، ويمعنون في صنعها، بجدارة تامة، تليق باستعدادهم المدهش لخرق القوانين والخروج على النظام العام، فالأمر أقرب لفن له قواعده، وهؤلاء، ومن قبلهم أصحاب الشارع، يجيدون ذلك الفن بل هم مخترعوه والحريصون على وجوده الذي يمثِّل وجودهم نفسه على المستوى الاجتماعي والنفسي!!

موكب المومياوات
موكب المومياوات الحدث الذي أبهر العالم

 وأد الإشاعات كشيء لا بد منه

مما لا تحمد عقباه عندنا تركنا للإشاعات حتى تنمو وتزدهر وتشمخ فتصير بنايات شاهقة من العويص هدمها وإزالة آثارها، كأننا لَعِصَ علينا من البداية أن نحاصر الأباطيل بالحقائق والكلام المرسل بالبيانات المفحمة والأرقام الحاسمة، كأننا نمنا عن نجدة بلادنا وأنفسنا من الحادثة التي تفوق كل الحوادث والكارثة التي تعلو كل الكوارث، ألا وهي حادثة الفراغ المبين التي لا أصل لها وكارثة الخواء المحض التي لا أساس يسندها، والتي تجعل الحادثة الأصلية مضاعفة والكارثة الفعلية متفرعة؛ ليجد الجميع أنفسهم في مواجهة عدد من الحوادث والكوارث الزائدة الناشئة عن شيء فظيع واحد جرى، لكننا بتراخينا في مواجهته وخوفنا من كشفه بحذافيره؛ صار عددا وافرا، يُحيِّر الأقوياءَ قهره ويُعجز الأغنياءَ شراؤه، ولا يبدو في الأمداء مفتاح لباب موصد من هذه الأبواب، إلا المصارحة التامة ودعوة الناس إلى المشاركة منذ بداية حدوث الشيء العسير (حمى الله البلاد والعباد من كل شر وسوء تُخشى غوائلهما).

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock