رؤى

واقع الإخوان بين المحنة والتيه

تمثل “عقيدة المحنة” فكرة راسخة داخل العقل الإخواني، إذ أنها انعكاس لتصور الجماعة عن طبيعة العلاقة بينها وبين الآخر المخالف، والتي تراها قائمة على الصراع بين الحق المطلق – الذي تمثله الجماعة – في مقابل الباطل المطلق، ينتج عنه بالضرورة، وفق فهمها، الدخول في صدامات متتالية وأزمات متكررة، بل إن حدوث الأزمات والمحن لا يعكس في نظرها خطأ يقتضي البحث عن أسبابه وسبل علاجه، لكنه يعد مؤشرًا لديها على “صحة الطريق”.

 ولا شك أن الجماعة تعيش اليوم واحدة من أكبر أزماتها التي مرت بها منذ نشأتها، والسؤال الذي نحاول التوصل إلى إجابته من خلال هذا المقال هو: هل هذه الأزمة تعد محنة وابتلاءً طبيعيًا سوف تستكمل الجماعة بعده طريقها، أم أنه عقاب يعقبه تيه يدل على أن الجماعة دخلت مرحلة الأفول؟

في البداية نبحث عن طبيعة الأزمة الحالية، وعن الفرق بين المحنة والتيه، ثم نقوم بتوصيف واقع الجماعة وإلى أين تمضي.

الإخوان المسلمون

أزمة ليست كالأزمات:

 هناك خمسة عوامل جديدة تجعل أزمة الجماعة الحالية مختلفة من حيث حجمها وتداعياتها مقارنة بأزماتها السابقة:

 أولاً: فقدان الجماعة لمزية سابقة كانت تسوق بها نفسها، وهي أنها البديل المناسب والجاهز للنظام الحاكم، حيث جاءت هذه الأزمة بعد تحقيق الجماعة لأحد أهدافها الرئيسية بوصولها إلى الحكم لأول مرة ثم سقوطها السريع منه، وقد كشفت هذه التجربة عن عدم امتلاكها تصورًا واضحًا سواء لإدارة الدولة أو لتطبيق الشريعة.

 ثانيًا: فقدانها لنسبة من التأييد الشعبي عما كان في السابق، نتيجة لدخول طرف جديد في الصراع بينها وبين النظام وهو المجتمع، الذي اعتبرته الجماعة طرفًا فيما حدث بسبب رفض شريحة من المجتمع لحكمها وتعاطيهم مع ما حدث للجماعة من تبعات بعد سقوطها، الأمر الذي خلق حالة من العدائية داخل الجماعة تجاه المجتمع، والتي تظهر في حالة الشماتة والشعور بالتشفي عند أي أزمة أو مشكلة تحدث في المجتمع.

مظاهرات ضد الإخوان

ثالثًا: انقسام الجماعة الداخلي الذي يعد الأول من نوعه على مدار تاريخها من حيث مستواه وآثاره، والذي نتج عنه وجود كيانين منفصلين يدعي كل منهما أنه الممثل الرسمي للجماعة على مستوى الفكرة والتنظيم، الأمر الذي أصابها بالضعف والتشتت بدجة كبيرة.

 رابعًا: تشوه صورتها الذهنية لدى الكثيرين والتي كانت تتمثل في كونها تعمل من أجل مصلحة المجتمع، حيث كشفت الأزمة عن استعداد الجماعة لصناعة ارتباطات بدول وأجهزة وجهات خارجية، وقبولها لتكون أداة للتوظيف من جانبهم وعدم ممانعتها في العمل ضد مصلحة المجتمع طالما كان الأمر في مصلحة الجماعة.

 خامسًا: صعوبة وضعها في العديد من الدول وضعف قدرتها على الحركة نتيجة تغير موقف العديد من دول الغرب تجاه الجماعات الإسلامية بشكل عام والذي يتجه نحو التضييق.

كل هذه العوامل نتج عنها تعميق أزمة الجماعة ومن ثم صعوبة حلها، مما جعلها تعيش أزمة كبيرة على عدة مستويات.

بين المحنة والتيه:

ليست كل الأشياء المتشابه ظاهرها تتفق في جوهرها، فليس كل ما يلمع ألماس ولا كل ما يعلوه التراب منعدم القيمة، وليس كل ما يتعرض له المرء في حياته من صعوبات وأزمات تكون لأسباب خارجة عن إرادته، أو تحدث له على سبيل الاختبار الذي يكون نتيجته الجزاء الحسن في الآخرة والتعلم من التجربة في الدنيا، فبعض هذه الصور تكون بمثابة عقوبة وجزاءً ناتج عن أخطاء وعيوب ذاتية وفساد داخلي.

الإخوان

فهناك فارق بين المحنة التي تتمثل في متاعب وصعوبات وعقبات وإخفاقات يلقاها الفرد أو الجماعة على الطريق الصحيح الذي يسلكه نتيجة جهد واعٍ وخطوات مدروسة، وهي أمور محتملة وطبيعية، لكنها طارئة ومؤقتة فلا تحدث بشكل مستمر ومتكرر طوال الوقت، ولا تكون صورتها بالضرورة السجن والقتل والتشريد ..الخ، كما أنها لا تتسبب في فقدان الهدف أو البوصلة، ولا تعكس حالة من الحيرة والارتباك الذي تتسبب في التشتت وفقدان الطريق، كما أن الفرد أو الجماعة تستطيع باتخاذ العديد من الوسائل أن تتجاوزها، ويعرف خالص جلبي المحنة في كتابه (في النقد الذاتي) بأنها “مقاساة عذاب الطريق الصحيح”.

بينما التيه أمر آخر رغم أنه قد يتشابه ظاهريًا مع المحنة من حيث أنها حالة إخفاق يمر بها الفرد أو الجماعة في لحظة ما ويترتب عليها أزمات معينة، لكن التيه يعبر عن حالة من الحيرة والارتباك يفقد المرء معها طريقه وهدفه وبوصلته، كما يفقد قدرته على إدراك واقعه وحسن تشخيصه وأسبابه وسبل التعامل معه والخروج منه، فهي أشبه بمن ضل طريقه في صحراء شاسعة لا يدرك أبعادها ولا حدودها، لا يدرك كيف جاء إليها أو لماذا، ولا كيف يخرج منها أو متى، وغالبًا ما تفضي إلى الهلاك، وتخبرنا المعاجم اللغوية عن أن التيه يحمل معنى الكبر المؤدي إلى إضلال النفس وإهلاكها، وينتج عن الإصرار على الخطأ وعدم الاعتراف به، كما ينتج عن عدم قدرة الفرد على إدراك حقيقة نفسه وإمكاناتها وعيوبها، وبالتالي فهي حالة تنتج عن أسباب ذاتية وعيوب داخلية وليست من قبيل النتائج الطبيعية للسير في طريق ما أو القيام بفعل ما، فحالة التيه تمثل عقابًا على عظم الخطأ والإصرار عليه.

واقع الجماعة ومستقبلها:

هناك عدد من المقدمات يساعدنا على توصيف واقع الجماعة بشكل صحيح، منها أن تكرار المحن والأزمات التي تمر بها الجماعة منذ نشأتها بحيث صارت هي الحالة الطبيعية بينما حالة الاستقرار والإنجاز هي الاستثناء، يجعلنا ندرك أن توصيف الجماعة لتلك المحن على أنها من “طبيعة الطريق” هو توصيف خاطئ.

الإخوان المسلمون
الإخوان المسلمون

 ومن جانب آخر فإن لدى الجماعة عيوبًا بنيوية نشأت معها منذ البداية وهي التي تنتج تلك الحالة من الصدام والصراع من وقت لآخر، وهذه العيوب لم تستطع الجماعة إدراكها ولم يكن لديها الاستعداد لذلك من الأساس، لأنها لديها اعتقاد بأنها تمثل الإسلام وأنها تمتلك الحق المطلق، ولذلك فهي لا تقوم بعملية النقد الذاتي مطلقًا ولا تتقبل النقد سواء من داخلها أو من خارجها، ومن ثم تستمر العيوب والأخطاء وتتفاقم، ومن بين هذه العيوب البنيوية ما يتعلق بطبيعة الشخصية التي تصنعها الجماعة والتي تجعل من الفرد مجرد تابع لا يستطيع التفكير ولا التحرك الذاتي، ومنها ما هو متعلق بمشروعها وهدفها الرئيس وهو إقامة الخلافة والذي يعد هدفًا غير مطلوب دينيًا ولا ممكن واقعيًا، ومنها ما هو متعلق بمنهج الجماعة في التغيير والذي يحتل فيه خيار القوة مكانة واضحة في ظروف معينة مما يجعل الصدام حتمي مع أي نظام حاكم، ومنها ما هو متعلق بشكل التنظيم وطبيعته الشمولية التي ينتج عنها كثير من المشكلات.

كذلك فإن الجماعة لا تستطيع أن تدرك أخطائها لأنها لا تقوم بممارسة عملية النقد الذاتي ولا تتقبل النقد من خارجها، ومن ثم فإنها تفقد القدرة على التجدد وإعادة التوزان والاستمرار.

ومن جانب آخر فإن الجماعة لا تملك رؤية للخروج من أزمتها،حيث صارت اليوم مشتتة ومنقسمة إلى فريقين، الأول لديه رؤية غير واقعية للخروج من الأزمة ثبت عدم جدواها وهي المتعلقة باستخدام القوة المادية لتغيير الوضع الحالي، والفريق الثاني ليس لديه رؤية من الأساس ويردد شعارات مستهلكة لا قيمة لها.

يضاف إلى ذلك مظاهر الفساد الأخلاقي والإداري التي ظهرت في السنوات الأخيرة وطالت مستويات عديدة في الجماعة من قياداتها إلى قواعدها.

إذًا ووفقًا لما سبق نرى أن ما تعيشه الجماعة اليوم هو حالة من التيه، حيث أنها تعيش حالة من الحيرة والاربتاك تتمثل في عدم إدراكها لأزمتها وأسبابها وسبل الخروج منها، وعدم إدراك واقعها وتفاصيله ومتغيراته، كما أنها مصابة بعيوب بنيوية وذاتية خطيرة تجعل مشروعها غير صالح لأن يكون سببًا في إصلاح المجتمع، كما تتوافر فيها صفة الكبر المتمثل في الإصرار على الخطأ وعدم القيام بمراجعته مهما حدث، مما يجعل هذه الأزمة الأخيرة بمثابة مرحلة أفول لجماعة استنفذت تجربتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock