فن

نيوتن الذي يتلاعب بنا

لا إجابات محددة.. ولا نهايات محسومة..

خدعنا فقال “لكل فعل رد فعل” فى حين أننا وبلا حول ولا قوة منا نتلقى صفعات.. حتى ولو لم نحرك ساكنا حتى ولو كان شعارنا بالحياة التجاهل.. خدعنا فقال “مساو له” ولا شئ بالدنيا متساوى.. الموازين لم يتم معايرتها منذ الأزل.. المكاييل تخضع لرقابة نفوس على شاكلة مؤنس ضحية أبيه.. وهنا التى صار كل من صادفها ضحيتها.. وحازم الذى يطلق الرصاص بعشوائية ثم ينهار متباكياً على الجثث.

لا أدرى هل كان اختيار (تامر محسن) لأسماء الشخصيات في مسلسل لعبة نيوتن صدفة أم عن عمد؟

مؤنس الذى صفعه الجميع

مع هنا لم يخرج دوره عن كونه شخص ظهر بطريقها حين اشتدت عليها الوحشة والضيق.. كان الأنيس إلى حين زوال الغمة.. المسلي لا أكثر حتى أن أمرا مهما كزواجها منه لم تأخذه على محمل الجد!

حازم خاط له ثوب المنافق على قياسه متغاضياً عن شراكة زوجته المصون فى الإسراع بقبول عرض زواجه.. رغم أنه لم يقايضها بما صنعه لها من معروف برد طفلها إليها.. لو طلبت الإنتظار لحين العودة للوطن أو حتى التأجيل لما بعد التعافى من تجربة قاسية لما مانع.

حتى والده لم يأخذه على محمل الجد منذ كان ابن سبع سنوات.. قرر أنه بلا حاجة إلى أمه والبديلة حاضرة ومرحبة.. وعلى الفور بدأ فى تمرينه على معاندة الفطرة.. أن تكره أمك لهو أمر هين إذا ما قُورن بإحتقارها.. وهو ما فعله الحاج عبد الرحمن بمنتهى الأريحية.. صبها بقالب صنعه من غضبه عليها.. قالب قضمه مؤنس قطعة قطعة فكان يقتطع من أمانه واستقراره.. مضغه على مر سنين تنازعه نفسه فى العودة إلى منبته الأول.. ويمنعه كونه منبت فاسد بل وكاره أيضاً.. المرأة التى وصفها بدر بأنها غاية فى اللطف جعلت للرقص أولوية عليه.. مؤنس الذى يواجه نفسه بالحقيقة “محدش بينسى أمه.. الأم مبتتنسيش” يواجهها عله يشفى ولكن لافتة للبيع المعلقة على صالة الرقص واستراليا التى أستقبلت أمه بتذكرة ذهاب بلا عودة ترديه وحيداً.

الخطاب الذى أخفاه عامداً إزاحة حازم وكونه عقبة تمنعه الحصول على المرأة التى تمنى لو قابلها منذ وعى لمعنى رجل لا يكتمل إلا بامرأة بعينها.. خُلقت خصيصاً من أجله.. جرم لن يبرئه منه إلا نيوتن.. الحاج عبد الرحمن سبق وأن أخفى عنه تمسك أمه به.. سؤالها عنه وإستعطافه كى يقبلها كما هى.. على مؤنس أن يتوجه بالشكر إلى نيوتن.. فوحده من وجد الحنان لديه.. هذا الذى لم يمنحه إياه حتى الأقربين.

حازم اللسان الذى نبت له إنسان

هناكانت أول من ذاق معها طعم السلطة.. وبالطبع لم يكن ليبسط سيطرته الكاملة عليها إلا بإقناعها بالعجز حيال إدارة حتى حالها.. بذرة العجز زرعتها بها أمها قبلاً لذا ما كان على زوجها سوى أن يواصل ريها لتترعرع.. الصوت الجهورى المندفع من حنجرةٍ طبقة صوتها أكثر غلظة بالفطرة تكفل بإسكات هنا وضمان طاعتها.. ولحظة الخروج عليه لم تكن تحررا.. وإنما إستبدالا بعدما صارت شخصا مدمنا على الإعتمادية.. ولو على شاب كمثل بيج زي.. زياد الشاب المصرى الذى تصادف وقام بتوصيلها فإذا بها تستنجد به مخاطبه جدعنته!.. هنا تعتبر جدعنة الكل معها حقا أصيلا لها.. ثم من بعده كان مؤنس بماله وعلاقاته والذى لابد وأن يكونا طوعها وتحت أمرتها وفى خدمتها.. حتى كانت وصية حازم لها بالنهاية والتى لخصت هنا فى جملة “أمانة عليكى متشيلهوش شيلتنا” قاصداً بيج زي.

مؤنس كان الأنسب لحمل خطاياه.. فبعد إفلات هنا من قبضته وإستخدامها ابنهما إبراهيم كتبرير لكل ما أتت من حماقات وجه كل سهام السخرية والاستهزاء تجاهه.. وكما يُفترض دوماً بكل من يسوق لنفسه من خلال الدين من ملائكية محضة.. والنتيجة السقوط المدوى بعد إنكشاف بشريته بضعفها وإنسياقها خلف شهواتها.. وهو ذات الأمر الذى نتقبله ممن لا يشغلون بالهم بتزكية أنفسهم.

والداه وإحتفاءهما الدائم بشقيقه الفالح وبالطبع مواصفات الفَلَاح ليس على رأسها البر أو القرب أو الطاعة وإنما منحهما ما يعينهما على التباهى.. كالهجرة إلى استراليا والوظيفة المرموقة التى أتاحها له تخرجه فيما يسمونه كلية قمة.. الزواج من أجنبية والحصول على الجنسية والأحفاد الذين طلقوا العربية ثلاثا.. التأصيل لفكرة عجزه”مؤنس” وفشله.. عجزه أن يمنحهما حفيدا وفشله فى الحفاظ على وظيفته بالبنك.

الحزم وُلد من إجتماع الضغوط.. تبخر صبره بفعل المقارنة التى ينتهجها والداه.. صبره الذى كثفه شتاته بعد تورطه فى جريمة قتل.. شراكة بدر مستنداً لأسباب غير مقنعة إطلاقاً.. هنا وحيرة وضعهما شرعاً وقانوناً.. جاء إعترافه لوالدايه بكل ما سبباه له من معاناة ويأتى معه رد الأب جافاً مؤكداً على عصمة كل من أنجب..  مؤنس بكل ما حقق ومع كل ما وصل إليه لم يبرأ من جرح أب تعمد حرمانه وأم سرعان ما استسلمت لواقع إبعاده.. مؤنس يبكى كما الأطفال.. يقر بضعفه وإحتياجه وقلة حيلته “كبرنا واحنا بنكره اللى خلفونا”.

هَنا.. الغاية والوسيلة احتارا فيها

الجانى الذى يحترف لعب دور الضحية.. الشخص الذى لا يسلم من إستغلاله وإبتزازه أحد.. جوكر كل حكاية فمهما تعقدت اللعبة يقش بالنهاية.. الرابح الوحيد بينما كل من تماس مع حياته فقطعاً من الهالكين.

هنا وأمثالها لا يسددون فواتيرهم أبداً.. يعثرون على من يحاسب بالنيابة عنهم.. يحاسب عن طيب خاطر إذ تغازلهم بزيف براءة فى حقيقتها ذات مفرطة الأنانية.. يارا شقيقتها التى تدعى أنها إبنتها نسيتها فى غمرة إنشغالها بزيجتها من مؤنس وطموح التحول إلى سيدة أعمال.. المراهقة يتيمة الأبوين تنتقل من بيت مؤنس إلى بيت حازم وأخيراً إلى بيت عمر فى غفلة منها.. هى مهمومة فقط بهنا.. مشغولة بها حتى عن إبراهيم الذى انتظرته سنين ثم تركته لترعاه المربية ويحمله “الكروكيت” ويحميه جواز السفر الأمريكى.

بدر وفلسفة الوهم الجميل

نور ابنته والتى أقنعنا بفرارها منه برغم أنه لم تصدر عنه أى محاولات للبحث عنها وإستعادتها.. وحين يزيل حازم الغبار عن شاهد القبر يوم دفن أمينة ليظهر اسمها تنتابنا الدهشة.

 أمينة التى أسقط عليها مشاعر أبوته حتى إنه لم يسع لعلاقة معها رغم إقامتها لسنوات فى بيته.. والتى نكتشف أنها من عثرت عليه قبلاً فى رحلة سفارى.. كان يوشك على إنهاء حياته فإذا بها تظهر كما جنية لتمنحه فرصة ثانية لإنقاذ ابنته ممثلةً فيها.

 نور وأمينة الأولى أنهت حياتها بنفسها بعد أن توهمت شبعها من الدنيا.. إكتفاءها بهذا القدر من إنشغال الأب بماله وأعماله.. الخطأ الشائع الذى يقع فيه كثير بدعوى من أجلكم.. ثم يفيقون على إنتهاء آجالهم باكراً جداً.. أما الثانية فالمرض لا يعنيه اشتهاءها المزيد من الدنيا.. وبينما يسخر بدر كل إمكانياته ليصنع لها محمية طبيعية يتسلل هو إلى جسدها فى صمت.. ليتأكد لبدر أن الوهم أيضاً عمره قصير.

 (تامر محسن) كشف علات المنظومة الأبوية

بيج زي الذى يبدو كما لو أن لا شئ يعنيه.. الحقيقة أنه يائس من أبوين اختصرا دورهما فى التمويل الجيد.. فيزا مشتروات لا أكثر.. هَنا أعادت له أجواء العائلة بما تثيره من عواصف على علاقة مرفوضة أو عمل يجلب المتاعب.. التدخل الذى نكرهه ولكنه يشعرنا بوجودنا بأهميتنا.. يؤكد على أننا فى البؤرة مرئيين بل ومراقبين أحياناً.

منة الشقيقة الصغرى لمؤنس والتى ترفض قولبة عائلتها لها.. تشكيلها كيفما أتفق وقناعاتهم.. وربما هى الشخصية الوحيدة التى لاعبت نيوتن.. ردة فعلها بالسفر إلى اليابان بعد دراستها اللغة اليابانية  لسنوات حتى أتقنتها.. مراسلة الجامعات والحصول على منحة دراسية.. وأخيراً رفضها مرافقة بيج زي.. عزمها إكتشاف نفسها.. أفعالها جاءت مدروسة هادئة متزنة.. منة تستحق جائزة نيوتن هذا أن حدث ودُشنت يوماً ما.

 فى ظاهرها السلاسة وفى باطنها كل تعقيدات البشر

لعبة نيوتن تلك التى يصير معها الفاعل والمفعول به كيانا واحدا.. كيانا لا ينتهى صراعه مع نفسه وضدها.. ومن البداية وإلى الخاتمة لا غالب ولا مغلوب.. والكل يدخل الحكاية ويخرج منها بلا إجابات محددة ولا نتائج محسومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock