رؤى

الملثم: ضمير مستتر تقديره “بطل”

“أنا الملثم

سل عني وعن هممي

ينبيك عزمي

بما قد قلته بفمي”

بهذه الكلمات يتغنى مريدو ومحبو القطب الصوفي السيد أحمد البدوي في مولده الذي يقام بشكل سنوي في رحاب مقامه في مدينة طنطا المصرية وهي مقتبسة عن قصيدة تنسب إلى البدوي نفسه.

ويُرجع هؤلاء المريدون سبب تلقيب السيد احمد البدوي بلقب “الملثم” الى كونه كان يُغير على مواقع العدو ومعسكراتهم في أوج اندلاع  الحروب الصليبية وهو ملثم حتى لا تعرف شخصيته الحقيقية.

ويذكر الدكتور محمد أبو ريان فى كتابه “الحركة الصوفية في الإسلام” أن السيد البدوي إلى جانب تصديه للغزاة الصليبيين فإنه شارك برجاله من المتصوفة فى صد هجوم التتار على الأمة.

أيقونة .. “الفلسطيني الملثم “

ولعل هذا الربط٫ كما في شخصية السيد البدوي٫ بين الملثم والبطولة امتد الى عصرنا الحالي٫ إذ فرض العمل المقاوم على من يمارسه من أبناء أمتنا  قدراً من التخفي٫ فانتقوا من تراثهم العريق رمزاً آخر هو “الكوفية” وغطوا بها وجوههم وهي الصورة التي عبرت عنها  بشكل بديع اغنية للفنانة اللبنانية أميمة خليل حين تودع “الملثمين” الذين لم تتبين هويتهم لأنها لا ترى وجوههم المخفيه خلف اللثام وإن كانت تدرك تماما انهم لن يعودوا لأنهم يطلبون الشهادة:

“لبسوا الكفافي ومشوا وما عرفت مينن هنّ

ما عاد رح يرجعوا يا قلب حاجي تـــــعن”

لا يمكن فصل هذه الأغنية – في رأيي – عن انطلاق الحركة الفدائية الفلسطينية في منتصف ستينات القرن العشرين٫ حيث أصبح الفلسطيني الملثم الذي يرتدي الزي العسكري المموه ويحمل على كتفه بندقية “الكلاشينكوف” سوفيتية الصنع رمزاً وأيقونة لا في نظر الجماهير العربية فحسب بل في أنظار أغلب حركات التحرر الوطني من فيتنام ووصولاً الى أمريكا الجنوبية.

أطل الملثم من جديد على شاشات التلفزة مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام ١٩٨٧ ورغم أنه –  في تلك  المرة – لم يكن مسلحاً بأكثر من الحجارة  وزجاجات “المولوتوف” الحارقة إلا أنه سبب صداعاً مؤرقاً لدولة الاحتلال وأرغمها على الجلوس على مائدة المفاوضات لأول مرة مع من عكفت على وصفهم لسنوات طوال بال”مخربين”.

ومع دخول القوات الأمريكية الغازية الى عاصمة الرشيد “بغداد” في التاسع من أبريل عام ٢٠٠٣ واتمام الجيش الأمريكي احتلاله للعراق في ذلك الشهر٫ عاد الملثمون للظهور بعد نحو شهر مع اندلاع أحداث مدينة الفلوجة الدامية وانطلاق عمليات نوعية ضد القوات الأمريكية٫ حيث ظهرت مقاطع فيديو لفصائل مختلفة يجمعها أن المتحدثين فيها كانوا ملثمين يتوعدون القوات الأمريكية  بالانتقام إن لم تجل عن بلادهم.

أبو عبيدة

وبداية من عام ٢٠٠٨ ومع جولات الصراع المتتالية بين الاحتلال الصهيوني وبين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في أعوام ٢٠١٢ و٢٠١٤ وأخيراً في حرب الأيام العشرة -إذا صح التعبير- في ٢٠٢١  برز نموذج الملثم مرة اخرى متمثلاً ومجسداً في شخصية “أبو عبيدة” أحد الناطقين باسم المقاومة في غزة.

يطل أبو عبيدة عبر شرائط مصورة أو مؤتمرات صحفية تبثها القنوات العربية المختلفة٫ يبدو متمتعاً بكاريزما واضحة وقدر لا بأس به من الهيبة والوقار ويتحدث بلغة عربية سليمة وينتقي كلمات بعينها وحركات بجسده -كالتلويح بالسبابة مثلاً- يدرك  أن من شأنها أن تثير قلق العدو.

ومن المدهش حقاً أن أبو عبيدة ووفقاً لتقارير إخبارية واعلامية صهيونية بات – شأنه في ذلك شأن السيد حسن نصر الله – يملك قدراً من المصداقية عند الصهاينة أنفسهم أكثر مما يملك قادتهم٫ اذ بات الصهاينة يترقبون خطاباته المتلفزة ويصدقونه إذا ما توعدهم بالقصف أو فرض عليهم “حظر التجول” على حد تعبيره.

ولا أدل – في رأيي الشخصي – على المكانة الرفيعة التي يحتلها الملثمون من أمثال أبو عبيدة وغيره من المقاومين لدى شعوبنا ومجتمعاتنا العربية من تلك المقاطع المصورة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي تظهر اطفالاً يرتدون اللثام ايضاً ويرددون خطابات المقاومة٫ الأمر الذي يشي بما ينبغي أن يخشاه العدو ويحسب لها حساباً وهو ان هناك جيلاً جديداً من الملثمين يلوح في الأفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock