رؤى

مروان البرغوثي.. حر رغم القيود

فى لحظات المد الشعبي تحضر دوما ملامح المناضل الفلسطيني الأسمر … قصير القامة ..  تلمع عيناه بوهج المقاومة وعشق للأرض وصرخات التحدي …. ذلك المناضل المِثال الذي لم ينكسر يوما ولم تمنعه القيود من التلويح بشارة النصر الذى لا يتزعزع إيمانه به لحظة واحدة.

هو “مروان البرغوثى ” أشهر الأسرى الفلسطينيين وصاحب أطول مدة في سجون الاحتلال وأكثر الوجوه الفلسطينية قبولا لدى الشارع السياسي والمتمتع بتقدير كبير ومحبة جارفة من أبناء الشعب الفلسطيني  بمختلف انتماءاته السياسية  فهو بلا شك الشخصية الفلسطينية الثانية  من حيث الشعبية بعد الزعيم الراحل ياسر عرفات.

هو “الفتحاوي ” العريق الذى خاض الانتخابات البرلمانية من داخل محبسه وتمكن من الحصول على ثقة الجماهير في كل مرة.

هو أيقونة الانتفاضة وصرخة الرفض الدائمة للاحتلال حتى قال عنه المدعي الاسرائيلي الياكيم روبنشتاين “لقد راجعت ملفات البرغوثي طوال ثلاثين عاما  وأستطيع القول انه لا يتراجع أبدا “

خلال انتفاضة القدس الأخيرة تصدر اسم “البرغوثي ” المشهد السياسي والوطني مجددا وهو الاسير منذ سنوات طويلة  داخل سجون الاحتلال … تصدرت صورته فعاليات المقاومة وتردد اسمه على راس قوائم تبادل الأسرى بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

المولد وبداية النضال

وُلد البرغوثي في السادس من يونيو عام 1959 بقرية كوبر إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله وهو الابن الثالث بين ستة أشقاء لعائلة فقيرة تعمل بالزراعة

 بدأت علاقته السياسية بحركة فتح في سن الخامسة عشرة، وفى عام 1976 وعند بلوغه السابعة  عشرة  من عمره  ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه و حصل على الثانوية العامة داخل السجن، وتعلم اللغة العبرية

وبعد إطلاق سراحه في 1983 التحق بجامعة “بيرزيت ” وترأس مجلس الطلبة بها ودرس التاريخ والعلوم السياسية ونال  شهادة الماجستير في العلاقات الدولية

وفى مطلع ثمانينيات القرن الماضي قام بتأسيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في الأراضي الفلسطينية، واعتُبرت أول، وأكبر منظمة جماهيرية  في الأراضي المحتلة حيث شكلت القاعدة الشعبية الأكثر تنظيماً وقوة ولعبت دوراً رئيسياً في الانتفاضة الفلسطينية.

مطاردات مستمرة

لم تتوقف مطاردات البرغوثي وتعرضه المتواصل  للاعتقال طوال سنواته الجامعية حيث اعتقل عام 1984 لعدة أسابيع  رهن التحقيق وأعيد اعتقاله في أيار 1985 لأكثر من 50 يوما رهن التحقيق، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية في نفس العام ثم اعتقل إداريا فى 1985 عندها طبقت إسرائيل سياسة القبضة الحديدية في الأراضي المحتلة وتم من جديد إقرار سياسة الاعتقال الإداري والإبعاد وكان السجين الأول في المجموعة الأولى في الاعتقالات الإدارية وفي عام 1986 تم إطلاق سراحه وأصبح مطاردا من قوات الاحتلال إلى أن تم اعتقاله وإبعاده خارج الوطن بقرار من وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك اسحق رابين في إطار سياسة الإبعاد التي طالت العديد من القادة في الأراضي الفلسطينية .

قيادة الانتفاضة

مع اندلاع الانتفاضة الأولى فى عام 1987 برز “البرغوثى” كأحد قادة الحركة الشعبية مما دفع سلطة الاحتلال إلى إلقاء القبض عليه وتم ترحيله إلى الأردن حتى عاد عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، وفي عام 1996، حصل على مقعد في المجلس التشريعي الفلسطيني. ويعتبر الفلسطينيون أن مروان البرغوثي هو العقل المدبر للانتفاضة

عمل البرغوثي فى المنفى إلى جانب القائد “أبو جهاد ” الذي كلّفه بالمسؤولية والمتابعة في تنظيم الأراضي الفلسطينية، حتى استشهاد “أبو جهاد” وكان ضمن مرافقيه في آخر زيارة له إلى ليبيا حيث تم اغتيال أبو جهاد بعد عودته إلى تونس حيث كان يقيم – بعدة أيام-

واستمر البرغوثي في موقعه رغم المنفى عضوا في اللجنة العليا للانتفاضة وفي عام 1989 كان أصغر أعضاء المجلس الثوري لحركة فتح  من بين 50 عضوا، و جرى انتخابه بشكل مباشر من مؤتمر الحركة

في عام 1994 عاد البرغوثي على رأس أول مجموعة من المبعدين إلى الأراضي المحتلة تم انتخابه  بالإجماع نائبا للقيادي ” فيصل الحسيني ” وأمين سر للحركة في الضفة الغربية وفى 1996 اُنتخب عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني بعد الانتخابات العامة الفلسطينية.

انتفاضة الأقصى

فى عام 2000 اندلعت الانتفاضة الثانية “انتفاضة الأقصى ” نتيجة شعور متزايد بالإحباط بين أبناء الشعب الفلسطيني بسبب مماطلة إسرائيل فى التوصل لحل حقيقي وشامل للصراع وعدم ثقتهم فى تحقيق مكاسب حقيقية من اتفاق “أوسلوا ”  وكان البرغوثى كالعادة أحد قادة الانتفاضة وقد تعرض نتيجة ذلك إلى عدة محاولات للاغتيال  وظل العدو الإسرائيلي يحلم بتصفية “البرغوثى ” ولم تُخفِ قيادات الدولة العبرية رغبتها فى ذلك ، وكان القبض على المناضل الكبير  هو ما لجأ اليه العدو الصهيوني ووقتها صرح “شارون ”  قائلا : «يؤسفني إلقاء القبض عليه حياً، كنت أفضل أن يكون رماداً في جرة “

وتعرض المناضل الفلسطيني لأكثر من محاولة اغتيال ونجا منها وفي إحداها أُطلقت عليه وعلى مساعديه صواريخ موجهة، كما تم إرسال سيارة ملغومة له خصيصاً. حيث قال شاؤول موفاز، وزير دفاع إسرائيل آنذاك ، تعليقا على اختطاف البرغوثي : “إن اعتقال البرغوثي هو هدية عيد الاستقلال التي يقدمها الجيش للشعب الإسرائيلي وان اعتقاله ضربة قاتلة للانتفاضة”.

محاكمة البطل

في 20 مايو 2004 عقدت أولى جلسات محاكمة البرغوثى في تل أبيب حيث كان القرار الصهيوني الغاشم  بإدانته بخمسة تهم بالمسؤولية العامة لكونه أمين سر حركة فتح في الضفة، وبكون كتائب شهداء الأقصى تابعة لفتح فإن أي عمل عسكري قامت به يتحمل البرغوثي مسؤوليته. وقد طالب الادعاء العام بإنزال أقصى العقوبة بحق البرغوثي وطالب بمحاكمته  بخمسة مؤبدات وأربعين عاما المحاكمة  .

 ليصدر حكم صهيوني ظالم وغبي ضد مروان   بالسجن خمسة مؤبدات وأربعين عاما وهي العقوبة القصوى التي طالب بها الادعاء العام. ورد البرغوثي في جلسة المحكمة مخاطبا القضاة “إنكم في إصداركم هذا الحكم غير القانوني ترتكبون جريمة حرب تماما مثل طياري الجيش الإسرائيلي الذين يلقون القنابل على المواطنين الفلسطينيين تماشيا مع قرارات الاحتلال”. وأضاف البرغوثي ” إذا كان ثمن حرية شعبي فقدان حريتي، فأنا مستعد لدفع هذا الثمن “

لم تحل قضبان سجون الاحتلال بين “مروان ” وممارسة نضاله المتواصل بأشكال مختلفة وظلت صرخاته بالحرية تؤرق و تقلق  قادة الاحتلال وفى عام 2006 قاد البرغوثى القائمة الموحدة لحركة فتح في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، وفى نفس العام وقع البرغوثي نيابة عن حركة فتح وثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن القادة الأسرى في سجون الاحتلال، وقد تبنت منظمة التحرير الفلسطينية هذه الوثيقة باعتبارها أساسا لمؤتمر الوفاق الوطني.

أيقونة المقاومة

ويظل أمين سر حركة فتح فى الضفة الغربية وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني أحد مصابيح النضال المضيئة فى سماء الحركة التى تمثل غالبية الشعب الفلسطيني ويمثل “مروان ” علامة مهمة وفارقة فى مسيرة المقاومة وأحد أيقونات الحق الفلسطيني وواحد من أكثر الذين دفعوا ثمن مواقفهم الصلبة بالتغييب خلف ظلمات سجون المحتل سنوات تزيد  فى مجموعها عن ربع قرن أضافة إلى سنوات من المطاردة والنفي.

و فى الوقت الذى يحتفل فيه مروان بعامه الثاني والستين فإن أكثر من نصف عمره قد قضاها مطاردا ومبعدا وسجينا فى تجربة دفعت الكثيرين بتشبيهه بالمناضل الإفريقي الراحل “نيلسون مانديلا “

ويعتبر المراقبون أن “مروان ” هو الشخصية الأكثر قدرة على تصحيح مسار القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة والأكثر قبولا بين فصائل المقاومة المتباينة وحضورا شعبيا في نفس الوقت كما أن منحه فرصة للعب دور قيادي سوف يصب بالتأكيد في صالح القضية ويمنحها زخما نضاليا جديدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock