مختارات

قراءة في كتاب “دعاة عصر السادات”

عماد علي عبد الحافظ، نقلًا عن مجلة عالم الكتاب العدد 52 – يناير 2021

يعيش المجتمع المصري منذ سنوات في دائرة من الصراعات  والانقسامات والأزمات كانت الحركة الإسلامية بتنوعاتها طرفًا مهمًا فيها، كما كانت جزءً رئيسيًا من أسبابها، وهذا الواقع بالتأكيد ليس وليد اليوم، ولكنه خرج من رحم الماضي، الذي يجب علينا أن نعود إليه بالدراسة والتأمل حتى نستطيع فهم الحاضر والتعامل معه، والعمل على إعداد مستقبل نأمل أن ينتهي فيه جانب كبير من أزماتنا ومشكلاتنا.

من هنا تأتي أهمية كتاب “دعاة عصر السادات” للكاتب الصحفي وائل لطفي والصادر عن دار العين في شهر يناير من هذا العام، الجدير بالذكر أن الكاتب قد حصل مؤخرًا على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية عن مجمل مشروعه الفكري والذي بدأه عام 2005 بكتاب “ظاهرة الدعاة الجدد” ثم أتبعه بكتاب “دعاة السوبر ماركت” ثم أخيرًا بكتاب “دعاة عصر السادات” الذي نقدم قراءة نقدية له من خلال هذا المقال، وقد قام الكاتب فيه بجهد كبير ومتميز وعمل من خلاله على العودة إلى الماضي ليتعرف ونتعرف معه على ما حدث فيه من أحداث وسياسات هامة ساهمت في صناعة واقعنا اليوم، حيث يتناول الكتاب كثيرًا من التفاصيل المثيرة عن فترة السبعينات، ويتعرض للعديد من الموضوعات بداية منذ هزيمة 67 وما تبعها من آثار، ثم وصول السادات إلى الحكم ودخوله في صدامات مع معارضيه، وعن سياسته تجاه جماعة الإخوان والتيار الديني عمومًا، وتفاصيل ما حدث في الجامعة والصدامات بين الإسلاميين واليساريين، وكيفية دعمه للإسلاميين، ثم يتعرض للأحداث وصولًا إلى الصدام بينه وبين الإسلاميين وعددًا من التيارات الأخرى والذي انتهى بمقتله، وغيرها من التفاصيل المثيرة.

 ويطرح الكتاب عددًا من الأسئلة المهمة؛ كيف أُعيدت الحياة لجماعة الإخوان بعد أن أرداها صراع الستينات جثة بلا روح؟ وكيف ظهر ذلك التيار الديني الضخم الذي ساهم في تغيير شكل المجتمع في السبعينات وما بعدها؟ وما الأسباب التي دفعت السادات لفتح المجال أمام هذا التيار؟ وكيف لعب بعض الدعاة المنتمين لهذا التيار دورًا في تشكيل ثقافة المجتمع؟

وائل لطفي
وائل لطفي

حدث في السبعينات:

عن السياق الذي تم خلاله ظهور التيار الإسلامي وعودة جماعة الإخوان يتبنى الكاتب رأيًا حول مسؤولية السادات الكاملة عن الأمر، ويرى بأن ما دفعه نحو تلك السياسة ثلاثة أسباب؛ طبيعته الشخصية المتدينة، ورغبته في إيجاد قوة تواجه خصومه من الناصريين واليساريين الرافضين لحكمه، وتقاربه مع السعودية الذي جعله يفتح المجال أمامها لنشر مذهبها الوهابي.

وعن الصفقة التي تمت مع الإخوان يقول بأن هناك شخصيتين لعبتا دورًا مهمًا في ذلك هما “محمود جامع” صديق السادات والذي تواصل مع بعض الإخوان في الخارج، و”محمد عثمان إسماعيل” والذي كان محافظًا لأسيوط، وهو من عرض على السادات عودة الإخوان وقد وافق السادات بشروط لم يحدث توافق حولها، فقام “عثمان” بتشكيل الجماعات الإسلامية في الجامعات بعدها لتقف في مواجهة خصوم السادات.

محمود جامع
محمود جامع

وهناك ملاحظتان حول هذا الرأي:

 الملاحظة الأولى: تتعلق بكيفية ظهور التيار الإسلامي وعودة جماعة الإخوان؛ فالكاتب يتناول هذا الموضوع بصورة توحي وكأن السادات استطاع بقرار أن يبث الروح في جسد الإخوان مرة أخرى، وأن يخلق تيارًا دينيًا ضخمًا من العدم، والحقيقة أن الظروف كانت سانحة والمجتمع كان مهيئًا بدرجة كبيرة لظهور هذا التيار ولعودة الجماعة ولذلك عدة أسباب ودلائل؛ أولها أن المجتمع تغلب عليه نزعة محافظة تتمثل في ركونه إلى جملة من الأفكار الموروثة التي لا يقبل الاقتراب منها بالتغيير أو التجديد، وربما هذا ما ساعد جماعة الإخوان التي مثلت نموذج التيار المحافظ ذي النزعة السلفية منذ ظهورها على الانتشار والتوغل على حساب كلًا من التيارين التجديدي والتوفيقي اللذان كان لهما تواجد قوي حتى بدايات القرن العشرين، ثانيًا فإن جماعة الإخوان بما طرحته من أفكار وبما كان لها من تأثير خلال النصف الأول من القرن العشرين كانت قد مهدت الطريق للجماعات التي ظهرت في السبعينات  وانطلقت من نفس منطلقاتها وتبنت أفكارها ومشروعها وإن اختلف في بعض التفصيلات، ثالثًا فإن هزيمة 67 قد تسببت في صدمة للمجتمع المصري بأكمله، أدت لاتجاه الكثيرون نحو الدين، كما تسببت في بحثهم عن أيديولوجيا جديدة تمثلت في فكرة الدولة الإسلامية بديلًا عن أيديولوجيا عبد الناصر الممثلة في فكرة الدولة القومية، من هنا بدأ الشعور الديني يزداد في المجتمع وبدأت الدولة نفسها في زيادة الجرعة الدينية عبر المساجد والبرامج الإذاعية والتليفزيونية، كما نشطت الجمعيات الدينية في الدعوة ومن أبرزها جمعية أنصار السنة السلفية، وفي هذه السياق ظهر جيل من الشباب في جامعة القاهرة ينطلق من أرضية دينية في العمل، فأسسوا ما عُرف باللجنة الدينية والتي تم تسميتها فيما بعد بالجماعة الإسلامية التي انتشرت في الجامعات، كل ذلك قبل أن يخرج الإخوان من السجن.

كما كان لجماعة الإسلامية الناشئة الدور الرئيسي في عودة جماعة الإخوان  لسابق قوتها وفاعليتها، ولم يكن هذا بسبب قرار السادات الذي فتح لها الطريق فقط للعودة، لكنها لم تكن لتسترد قوتها لولا استطاعتها أن تسيطر على شباب الجماعة الإسلامية وتقنعهم بالانضمام إليها؛ فبعد هزيمة 67 وتسلل الشك في نفوس البعض في صدق ما كان يقال حول جماعة الإخوان، ومع غياب المواجهة الفكرية الجادة خلال عقدي الخمسينات والستينات، فإن هناك شريحة من الشباب بدأت تنظر إلى جماعة الإخوان بعين أخرى، فتحولوا لديهم كما يصفهم عبد المنعم أبو الفتوح إلى “أسطورة الصمود والصبر في مواجهة الظلم والجاهلية”، ولذلك قبل شباب الجماعة بكل ارتياح الانضمام للإخوان بهياكلهم وأفرادهم المنتشرون في المجتمع فصاروا كما يقول أبو الفتوح ” “لقد كان الإخوان بيتًا ملأ شباب الجماعة الإسلامية فراغه وضخوا فيه الدماء”.

الملاحظة الثانية: تتعلق بدوافع السادات نحو تلك السياسة؛ فإلى جانب ما ذكره الكاتب من أسباب؛ فإن هناك سببين لم يتناولهما، الأول هو رغبة السادات في التحالف مع الولايات المتحدة لإيمانه بأنها القوة القادمة وأن حل مشكلة الشرق الأوسط بيديها، وبالطبع كان لهذا التوجه نتائجه المتمثلة في تنفيذ سياسة أمريكا فيما يتعلق بالحرب الباردة واستراتيجيتها التي عملت فيها على استخدام الدول والحركات الإسلامية في مواجهة الشيوعية، والسبب الثاني هو أن سياسة السادات الاقتصادية قد تسببت في هجرة الكثيرين إلى الخليج وخاصة السعودية، مما أثر على نشر الأفكار السلفية الوهابية بينهم بجانب تأثيرها على طلاب الجماعة الإسلامية.

 

الدعاة الجدد الأوائل:

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى الحديث عن بعض النماذج من دعاة فترة السبعينات الذين يرى أنهم يحملون أفكار جماعة الإخوان وساهموا في نشرها وتشكيل وعي وثقافة المجتمع، وقد اختار الكاتب سبعة من هؤلاء الدعاة وهم: الشيخ الشعراوي، الشيخ كشك، الشيخ عبد الحليم محمود، الشيخ الغزالي، الشيخ إبراهيم عزت، الشيخ السيد سابق، وأخيرًا الشيخ المحلاوي، ويثير هذا الجزء من الكتاب عددًا من الأفكار والملاحظات.

 فمن جانب يثير أزمة الخطاب الديني الذي يحتاج إلى التجديد، حيث أن هذا الخطاب له عدة صور، فهناك خطاب ديني رسمي، وآخر حركي يتمثل في خطاب الحركة الإسلامية، وآخر شعبي يمثله دعاة لا يعبرون عن المؤسسة الدينية ولا ينتمون إلى الحركة الإسلامية بصورة تنظيمية، والنماذج التي ذكرها الكتاب تعبر عن هذه الصور الثلاث، ورغم ذلك فإنهم يشتركون في بعض السمات منها أنه يغلب على خطابهم النمط السلفي المحافظ الذي تحدثنا عنه سابقًا، كما يتسم جزء منه بالسطحية ومخاطبة العاطفة وترسيخ حالة الاتكالية، فيذكر الكاتب مثلًا أن الشيخ الشعراوي قال في إحدى مقابلاته “نحن أفضل من الغرب .. والأهم أن الله قد سخر لنا كل هؤلاء المخترعين الغربيين لخدمتنا”، كما أنه كان يقلل من أهمية العلم من خلال بعض أراءه الخاصة برفض عملية نقل الأعضاء والغسيل الكلوي، وتعجبه من فكرة الصعود للقمر حيث لا يرى لها جدوى، كما ساهم خطاب الشيخ كشك في ترسيخ السطحية في التفكير من خلال اعتماده على الخطاب العاطفي، وتسفيهه لبعض النظريات العلمية مثل نظرية التطور، ومهاجمته  لدعوات تحديد النسل والادعاء بأنها تهدف لتقليل عدد المسلمين.

كما يثير هذا الجزء ملاحظة هامة، حيث يبدو هنا أن الكاتب يعوّل كثيرًا على دور الدعاة في تشكيل ثقافة المجتمع وفي نشر أفكار الجماعات الإسلامية وصناعة حالة التشدد، رغم أن الواقع يخبرنا بأن دور أفراد الحركات الإسلامية الذين لا يمتلك أغلبهم قدرًا صغيرًا مما يمتلكه هؤلاء الدعاة من علم وبلاغة، يفوق بكثير دور الدعاة من حيث التأثير ونشر الأفكار والتغلغل في خلايا المجتمع، وسنوضح هذا الأمر من خلال الحديث عن جماعة الإخوان كنموذج.

 فالجماعة تعتمد بشكل أساسي على الفرد في نشر أفكارها وفي ضم أفراد جدد لها من خلال ما يعرف  بـ “الدعوة الفردية”، حيث أن الجماعة تقوم بنوعين من النشاط، نشاط عام ونشاط خاص، والأنشطة العامة تتنوع ما بين دعوية وسياسية وخيرية وترفيهية…الخ، ولهذه الأنشطة هدفين رئيسيين هما نشر الأفكار واستقطاب أعضاء جدد، وفي كل نشاط للجماعة دائمًا ما تكون هناك عينًا ترصد من تتوافر فيه الشروط المؤهلة لعضويتها، والتي منها شروط خاصة بالمرحلة العمرية، وأخرى خاصة بالتميز الدراسي والمكانة الاجتماعية، كما أن من أهمها شرط يتعلق بكون الفرد قابلًا للتطويع والانقياد، بعد ذلك يأتي النشاط الخاص الذي تعمل من خلاله الجماعة على إعداد هؤلاء الأفراد بشكل يجعلهم مؤهلين للعمل التنظيمي، وذلك بعزلهم داخل مجتمع مغلق عن طريق إيجاد عدد من الروابط الأسرية والمادية والاجتماعية، ثم بغرس مجموعة من الأفكار والقناعات بداخلهم بواسطة العديد من المناهج والوسائل التربوية، مما يجعلهم يشعرون بحالة من التميز عن غيرهم، والاكتفاء بالجماعة عن أي علاقات خارجها، كما تعمل الجماعة بدرجة كبيرة على إكساب أفرادها مهارات الدعوة الفردية التي تمكنهم من التعرف على أقرانهم وإقامة العديد من العلاقات الاجتماعية، والتعرف على الشروط والأولويات الواجب توافرها في عضو الجماعة المحتمل، ثم القيام بعدد من الأنشطة والوسائل التي يستطيع من خلالها أن يضم بشكل تدريجي أفراد جدد إلى الجماعة، وهذه المهارات هي المعيار الذي تحكم به الجماعة على الفرد من حيث تميزه وإيجابيته، ولذلك يرغب كل فرد في إكتسابها وتحقيق نتائج كبيرة فيها.

 وعلى ذلك فالدور الذي يقوم به الفرد من خلال عملية الدعوة الفردية له درجة كبيرة من الأهمية والتأثير، فمن خلاله تستطيع الجماعة الوصول لشرائح ودوائر كثيرة في المجتمع ونشر ما تريد من الأفكار فيها، ومن ثم تستطيع أن تقوم بالتأثير والتوجيه في تلك الدوائر بشكل كبير.

خاتمة:

لقد أثبتت التجربة أن سياسة السادات تلك لم تكن تمثل الخيار السليم، فقد أطلق العنان لطائر الحركة الإسلامية، وأعطاه المساحة والدعم ليكبر ويتضخم على حساب الآخرين، فراح يحلق ويفرد جناحيه ويرخي غمامته على المجتمع، حتى وصل إلى مرحلة كبيرة من السيطرة. فهل نجحت التغيرات الأخيرة في الواقع المصري في التقليل من آثار تلك الغمامة؟ هذا هو السؤال الذي يجب علينا طرحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock