رؤى

لوبون.. فرنسي أنصف العرب والمسلمين

يعتبر جوستاف لوبون أحد أكثر العقول الفكرية التي أثرت الحياة الثقافية و الفكرية و السياسية في عصره .ومازالت بعض أفكاره مرجعا علميا مهما . وجوستاف لوبون مفكر من طراز فريد لأنه متعدد الاختصاصات ،ومؤلف للعديد من الكتب في المجالات الطبية و الفكرية و السيكولوجية و الاجتماعية و الحضارات الإنسانية. وكان في كل كتاباته متبنيا المنهج الموضوعي في جميع أطروحاته. ولعل ما يميزه عن بقية المستشرقين الغربيين نظرته المنصفة للعرب و الإسلام.فقد قدم و عرض للحضارة العربية الإسلامية بطريقة منصفة و بلا إجحاف لدورها الريادي في الحضارة الإنسانية. كما ندد في أعماله بأسطورة تفوق الجنس الآري التي سادت في الفكر الغربي ردحا من الزمن. ولعلنا لا نبالغ في القول أن لوبون أحد أهم مفكري أوروبا إبان القرن التاسع عشر ،ومن هنا فقد شهد انتصار العلم و أزمات الأنظمة السياسية ،وظهور تيارات جديدة كالاشتراكية ، كما أثرت أفكاره على مثقفين و قادة سياسيين بارزين تاركا أثرا علميا عالميا مهما في عدة مجالات ،ولازالت بعض أفكاره مؤثرة حتى اليوم. و قد حقق شهرة واسعة بكتابه ومؤلفه الشهير(سيكولوجية الجماهير) حيث اتجه نحو الدراسات الاجتماعية ،وأورد الكثير عن نظم العرب السياسية و الاجتماعية .ويجب أن نلفت الانتباه هنا إلى حقيقة مهمة و هي أن جوستاف لوبون ظهر في فترة كان العالم العربي و الإسلامي  فيها يعانيان من التردي والتراجع ، وندر ما تم رصده عن أوضاعهم حينها، فكان عمله الكبير (حضارة العرب)تسجيلا لفترة القرن التاسع عشر وما قبلها. وكان منصفا للعرب و الإسلام ودافع عنهما دفاعا مستميتا ضد محاولات النيل منهما  خاصة من الناحية الفكرية و الحضارية.

سيكولوجية الجماهيرحياته و مؤلفاته

ولد لوبون في مقاطعة توجون لوروترو بمنطقة النورماندي في فرنسا في السابع من مايو عام 1841 في عائلة بورجوازية صغيرة ،وكان والده محافظ الرهن العقاري،ودرس الثانوية في مدينة تور ،ثم درس في كلية الطب بباريس ،حيث حصل على بكالوريوس  الطب. و في عام 1866 ظهر أول أعماله الرئيسية (الموت الظاهر و الدفن المبكر) . توجه بعدها بسنوات عدة إلى مجال الانثربولوجيا ،وعكف على دراسة علم النفس. و تعاون لوبون من عام 1862 إلى 1869 مع العديد من الدوريات ،حيث ظهر له دراسات حول وفيات الرضع ،وإدمان الكحول ،وعلاج الكوليرا. هذه الأعمال  ساعدت لوبون في  أن يُنتخب عضوا في جمعية الطب العملي. وكان لوبون موسوعة ثقافية متنوعة ،وكان وافر العلم ،وكتب في العديد من المجالات العلمية ،بدأها بعلم الطب ،ثم الفيزياء و علم الانثربولوجيا و انتهى بعلم الاجتماع. وله مؤلفات عديدة تفوق الستين كتابا ،تتمثل في شتى فروع المعرفة لعل من أشهرها سيكولوجية الجماهير،وحضارة العرب،الدين و الحياة . وقد تمت ترجمة أكثر من أربعين كتابا من أعماله إلى 18 لغة وتوقع فيها بعض الأحداث العالمية ،مثل وقوع الخرب العالمية الأولى ،وانتصار الديكتاتوريات في أوروبا،وصراعات الشرق وأمريكا و بزوغ حضارة عالمية لأفريقيا وعودة الإسلام.

YouTube video

الحضارة العربية و تأثيرها على العالم

 لقد أنصف لوبون الحضارة العربية من خلال تأكيد دورها و تأثيرها في العالم ومن هنا يقول:  كان للحضارة الإسلامية والعربية تأثير عظيم في العالم ،وأن هذا التاثير خاص بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم،وان العرب هذَّبوا البرابرة الذين قضوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخلقي،وأن العرب هم الذين فتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية و الأدبية و الفلسفية بتأثيرهم الثقافي، “فكنا مدينين لهم   وكانوا  أئمة لنا ستة قرون” . ويواصل لوبون بيان و توضيح فضل العرب بقوله أننا لا نرى في التاريخ أمة ذات تأثير بارز كالعرب ،ثم يتطرق إلى ذكر أسباب ضعف الحضارة العربية ومنها أنه جرت  على حضارة العرب التي أوجدها أتباع محمد  سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا : نشوء فاعتلاء فهبوط فموت ،ومع ما أصاب حضارة العرب من  الإندثار كالحضارات التي ظهرت قبلها،لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي ،والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس ،مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئا من قوتها.

الحضارة الإسلامية
الحضارة الإسلامية

رده على تهم ألصقت بالعرب

يرد لوبون على بعض التهم التي ألصقت بالعرب بهتانا مثل إحراق عمرو بن العاص لمكتبة الإسكندرية عند فتحه لمصر ،ويقول وأما إحراق مكتبة الإسكندرية  المزعوم ، فمن الأعمال الهمجية التي تأباها عادات العرب ،والتي تجعل المرء يسال كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء. ولا شئ أسهل من أن نثبت بما لدينا من الأدلة  الواضحة أن من حكموا مصر قبل الفتح العربي  هم الذين احرقوا الكتب  . وفي جانب آخر يضيف  :و أصاب  أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن فعزوه إلى ما زعموه من قوة  محمد و بطشه،وهذا زعم كاذب لأن رسالة الإسلام كانت رسالة تسامح و حب و تعايش مع الآخر. ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم يوما ما يبطش أو يعتدي على أحد،بل كان يوصي أصحابه عند الغزو ألا يقتلوا شيخا أو صبيا أو امرأة حتى انه كان يأمر ألا تقطع شجرة أو نخلة.

موقف لوبون من الحضارة الإسلامية

بداية نشير إلى أن غالبية الموسوعات و الدراسات العربية التي أرخت لتاريخ الاستشراق ،تصف المستشرق و عالم الاجتماع لوبون بأنه منصف للإسلام و المسلمين. حيث يربط لوبون بين تقدم العرب حضاريا و تمسكهم بالإسلام مؤكدا ان تراجعهم الحضاري يرتبط أيضا بتخلفهم عن دينهم ،  وفي كتابه الشهير(حضارة العرب) الذي وضعه عام 1884 و ترجمه إلى العربية عادل زعيتر ،حين كان المسلمون متمسكين بدينهم كانوا سابقين أيضا في الدنيا ،ولما ابتعدوا عن دينهم و تعاليمهم صاروا تابعين لغيرهم و عالة عليهم. فالمسلمون يدفعهم دينهم إلى التقدم ،ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم. وفي هذا الكتاب اهتم لوبون بتوضيح ما للعرب و المسلمين من فضل على المجتمعات الغربية و خصوصا الأوروبية ،فقد أكد أن العرب هم الذين حافظوا على منجزات العالم اليوناني و اللاتيني القديم ،وطوروا علومه و دراسته حتى ان الجامعات الأوروبية ومنها جامعة باريس عاشت لمدة ستمائة عام على ترجمات الكتب العربية و جرت على أساليب العرب و علماء المسلمين في البحث و الاستدلال. وأيضا أبرز ووضح لوبون ما للحضارة الإسلامية من فضل على حضارات العالم . وذلك من خلال بيان أهمية الحضارة الإسلامية في الأندلس باعتبارها كانت معبر العلوم والحضارة الإسلامية إلى أوروبا ،فيشير إلى أن عرب الأندلس وحدهم هم الذين صانوا في القرن العاشر من الميلاد، وذلك في تلك الزاوية الصغيرة من الغرب،العلوم و الآداب التي أهملت في كل مكان حتى في القسطنطينية و لم يكن في العالم في ذلك الزمن بلاد يزدهر الدرس فيها غير الأندلس العربية . ولقد قارن لوبون بين سلوكيات المسلم و تعاليم الإسلام التي انعكست على تعامل المسلمين مع غيرهم خصوصا في فترة الفتوحات الإسلامية و بين سلوكيات الغرب و الصليبيين. قال لما أُجلي العرب المسلمون سنة 1610 من بلاد الأندلس اتُخذت جميع الذرائع للفتك بهم و قتلهم ، في حين ان العرب لما فتحوا اسبانيا تركوا السكان فيها يتمتعون بحريتهم الدينية محتفظين بمعاهدهم و كنائسهم و حريتهم في العبادة. واستمر لوبون في إنصاف العرب و المسلمين بقوله أن العالم لم يشهد فاتحا أرحم من العرب و لا دينا سمحا مثل دينهم ،وان القوة لم تكن عاملا في نشر الإسلام. كما أشار في هذا السياق إلى أن تقدم حضارة العرب و تفوقها و ازدهارها يرجع إلى بعثة الرسول و ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية . ومن هنا حلل لوبون الواقع التاريخي حيث تفوق العرب حضاريا و حملوا مشعل الحضارة إلى العالم أجمع،بفضل تسامح الإسلام مع المخالفين له في العقيدة.

جوستاف لوبون حضارة العربصفوة القول: لقد كان المؤرخ و عالم الاجتماع  جوستاف لوبون من المستشرقين الذين أنصفوا العرب و الإسلام،وكانت رؤيته محايدة و موضوعية و أثبت بما لا يدع مجالا للشك فضل العرب و الحضارة الإسلامية على العالم. و كيف أضاءت تلك الحضارة للعالم الغربي دروب المعرفة و الثقافة و العلوم،وكانت نبراسا هدى الحيارى إلى طريق النور و الحقيقة الساطعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock